سؤال ‬من الأخ‮/ ‬عبدالملك بن عبدالله من ‬غانا عن رجل ‬يملك مالًا ‬ويعد ‬غنيًّا، ولكنه ‬يقصر في ‬الإنفاق على عائلته، ويتعلل بأعذار واهية.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

‬حكم من ‬يقصر في ‬الإنفاق على عائلته، وهو قادر على ذلك‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد:

فالمراد بالنفقة على العائلة -كما قد يقصد الأخ السائل- الطعام والكساء والسكن، والأصل أنه يجب على الولد أن ينفق على أبويه -وإن علوا- وولده -وإن سفل-، والأصل في وجوب النفقة عليهما الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.

أما الكتاب: فقول الله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [البقرة: 38]، وقوله: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت: 8]، وأعلى مرتبة في الإحسان: أن يطعم الولد والديه، ويكسوهما، ويسكنهما، وأعلى مرتبة في الإساءة إليهما تركهما يتكففان الناس، وولدهما قادر على إعالتهما.

ولعل من آفات هذا الزمان تنكر بعض الولد لوالديه، وعدم رعايتهما في كبرهما، فمنهم من يتركهما لدور الرعاية، ومنهم من يتركهما للمستشفيات، ومنهم من يعرضهما للهوان والإذلال: إما تحت رحمة الزوجة أو غيرها.

وأما السنة: فقول رسول الله ﷺ: (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت)([1]).

وأما الإجماع: فقد أجمع أهل العلم من السلف والخلف على أن نفقة الوالدين اللذين لا كسب لهما ولا مال، تجب نفقتهما على ولدهما.

وأما المعقول: فإن الولد بمثابة من يقضي دينا ترتب عليه، فالوالدان قاما بتربيته وإطعامه وكسوته وإسكانه، ناهيك عن شفقتهما عليه، والتلطف به، والإحسان إليه في صغره، فالعقل يقتضي إذًا أن يرد لهما بعض ما فعلاه له من الإحسان، عندما كان محتاجًا إليه، ولهذا قال الله عز وجل: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ}  [لقمان: 41]، أي اشكر لهما صنيعهما في الإحسان إليك عندما كنت صغيرًا.

وكما يجب على الولد نفقة والديه يجب عليه نفقة ولده، والأصل في ذلك أيضًا الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.

أما الكتاب: فقول الله تعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 332]. وقوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق: 6].

وأما السنة: فقول رسول الله ﷺ لهند بنت عتبة، لما شكت تقصير زوجها أبو سفيان في الإنفاق عليها وعلى ولده: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف)([2])، والمراد بالمعروف: ما تم التعارف عليه في الشرع.

وأما الإجماع: فقد أجمع أيضًا أهل العلم من السلف والخلف أن على الوالد نفقة أولاده الصغار، إذا لم يكن لهم مال.

وأما المعقول: فإن ولد الوالد جزء منه، فكما يجب عليه أن ينفق على نفسه، يجب عليه أن ينفق على جزئه وهو هنا ولده، وإلا عد مقصرًا في حق نفسه.

وكما تجب النفقة للوالدين وللولد تجب للأجداد والجدات وإن علوا كما تجب لولد الولد -وإن سفلوا- وقال بذلك أصحاب الإمام أبي حنيفة([3])، والإمام الشافعي([4])، وأصحاب الإمام أحمد([5])، والثوري([6]). وأما في مذهب الإمام مالك: فالمستحقون للنفقة صنفان: أولاد الصلب والأبوان فحسب، ولا يتعدى الاستحقاق إلى أولاد الأولاد ولا إلى الجدات والأجداد([7]). واستحقاق النفقة له ثلاثة شروط:

أولها: أن يكون المراد الإنفاق عليهم غير قادرين على الإنفاق على أنفسهم، لكونهم فقراء، وأن يكونوا غير قادرين على الكسب لمرض أو صغر أو كبر، أو نحو ذلك من المعوقات الأخرى، فإن كانوا ذوي مال أو قادرين على الكسب، لم تجب لهم النفقة ما لم يقتض عرف الشرع غير ذلك.

الشرط الثاني: أن يكون المكلف بالنفقة قادرًا عليها، والأصل في ذلك قول الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 682]، والأصل فيه أيضا قول رسول الله ﷺ: (ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول)([8]). ولما جاء رجل إليه -عليه الصلاة والسلام- قال: يا رسول الله عندي دينار؟ قال: (تصدق به على نفسك) قال: عندي آخر؟ قال: (تصدق به على زوجك) قال: عندي آخر؟ قال: (تصدق به على خادمك) قال: عندي آخر؟ قال: (أنت أبصر)([9]).

الشرط الثالث: أن يكون المكلف بالإنفاق وارثًا، والأصل في ذلك قول الله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 332]، فلما كان الوارث يستحق مال الموروث، بحكم القرابة بينهما، اقتضى ذلك وجود سبب للنفقة لمن يستحقها، فالغنم بالغرم.

ومن أحكام النفقة على القريب أنها تجب مع اختلاف الدين، والأصل في ذلك قول الله تعالى في حق الوالدين: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 51]. وقول رسول الله ﷺ لأسماء بنت أبي بكر: (صلي أمك)، وكانت آنذاك مشركة([10]).

وخلاصة المسألة: وجوب النفقة للوالدين -وإن علوا- أو وجوبها للولد -وإن سفلوا- والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع والمعقول، وتجب النفقة مع اختلاف الدين، ولوجوبها ثلاثة شروط:

أولها: أن يكون المراد الإنفاق عليهم غير قادرين على الإنفاق على أنفسهم، لعدم مال أو عدم كسب أو مرض أو خلافه.

وثانيها: أن يكون المكلف بالنفقة قادرًا عليها.

وثالث الشروط: أن يكون المكلف بالنفقة وارثا للمنفق عليه.

والله تعالى أعلم.

 

([1]) أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم، سنن أبي داود ج2 ص57، برقم 1692، صححه السيوطي في الجامع الصغير، (٦٢١٩).

([2]) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب النفقات، باب إذا لم ينفق الرجل، فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف، فتح الباري ج9 ص418، برقم 5364، وأخرجه مسلم في كتاب الأقضية، باب قضية هند، صحيح مسلم بشرح النووي ج7 ص4716، برقم 4397

([3]) الفتاوى الهندية ج1 ص582-590، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني ج4 ص30-32.

([4]) المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي ج2 ص160-166.

([5]) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي ج9 ص392 والمغني لابن قدامة ج11 ص374.

([6]) المغني ج11 ص374.

([7]) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس ج2 ص315.

([8]) أخرجه الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، وقال: »صحيح«، ج7 ص231، برقم 2166.

([9]) أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم، سنن أبي داود ج2 ص57، برقم 1691، صححه الألباني في صحيح الترغيب، (١٩٥٨).

([10])    أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب صلة الوالد المشرك، فتح الباري ج10 ص427، برقم 5978.