ومفاد هذه المسألة سؤال يقول فيه صاحبه أنه يعيش في إحدى البلاد غير الإسلامية، ولديه أولاد لا يزالون صغارًا، ويخشى أن يقصر في تربيتهم ورعايتهم، خاصة وهم يعيشون في بيئة تختلف عن بيئتهم، ويسأل عما يجب عليه أن يفعله من حيث رعايتهم، والمحافظة على هويتهم؟

المعيار الشرعي في تربية الأولاد ورعايتهم

والجواب: إن حقوق الأولاد وواجباتهم على آبائهم كثيرة ونجتزي منها ثلاث مسائل:

الأولى: الحقوق والواجبات الأولية: الواقع أن كل مولود يولد على الفطرة، ولا خيار له فيما يُنشأ عليه من الخير أو الشر؛ فمن هنا أصبح الولد أمانة عند والديه، ومسئولية كبرى عليهم يحمدون عقبى ما أحسنوا فيه، ويندمون على ما قصروا فيه، وفي ذلك قال رسول الهدى -عليه الصلاة والسلام-: ‹‹ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وهي مسئولة عنهم وكلكم راع ومسئول عن رعيته››([1]).

 

والواجبات الأولية للولد كثيرة ولكنها تتمثل في إطار واحد هو ‹‹سلامة الاختيار›› لضمان سلامته ومن ذلك اختيار أمه لما لهذا الاختيار من أثر بالغ في تكوينه وسلوكه، فهو فرع من أصل، والفرع يتأثر بأصله، ولهذا أكد رسول الهدى ﷺ على حسن اختيار الأم باعتبار تأثيرها على فروعها فقال: ‹‹تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم››([2])، وقال: ‹‹إياكم وخضراء الدمن››([3]). فقيل: يا رسول الله، وما هي؟ فقال: ‹‹المرأة الحسناء في المنبت السوء››، وقال: ‹‹إن الدنيا كلها متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة››([4])، فبهذا التوجيه النبوي أصبح من أولويات الولد على أبيه اختيار أمه، لما سيترتب عليه من نفع أو ضرر له، وفي ذلك علم أحد الأعراب أولاده بما فعله من اختيار أمهم:

وأول إحساني إليكم تخيري       لِماجِدةِ الأعراق باد عفافها

ومن سلامة الاختيار حسن تسميته، لما لها من تأثير نفسي عليه، فليس من سلامة الاختيار تسميته بما هو شاذ عن بيئته وأقرانه، أو بما يخالف أسماء عقيدته أو قومه؛ ولهذا كان رسول الله ﷺ يهتم بالأسماء ودلالاتها، فأكد على ما يدل منها على الخضوع لله كعبد الله وعبد الرحمن، وغير ذلك من الأسماء ما يؤثر على نفس المُسمى فسمى (عاصية) ابنة عمر بـ(جميلة)، لما في وصفها بالعصيان من إساءة لها، وتأثير عليها، وأرشد بذلك أمته بأن تتجنب كل ما فيه إساءة للمُسمى، وقال: ‹‹إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فحسنوا أسماءكم››([5]).

ومن الواجبات الأولية للولد تنشئته على العقيدة الصحيحة، وتهيئته لقبولها واعتقادها، فالولد أمانة ونفسه تنطبع بما تعود عليه في أوليات حياته، ولا يمكن له أن يلتزم بعقيدة، ما لم يُنشأ عليها وتُحببُ إليه فيميل إليها بعدئذ طائعًا، وكأنها جزء من تكوينه، وتتمثل التنشئة الأولية في واجبات عديدة: منها اختيار اسمه كما ذكر، ومنها التعبير العلني عن وجوده واحتسابه على نسب أبيه، ويظهر ذلك من وجوب عقيقته وفي ذلك قال رسول الله ﷺ: ‹‹الغلام مرتهن بعقيقته يذبح عنه يوم السابع ويسمى، ويحلق رأسه››([6]).

ومن واجبات التنشئة عدم التفرقة بين الأولاد بما يؤدي إلى محبة أحدهم، وكره الآخر خاصة محبة الأبناء وكره البنات، كما كان يفعل أصحاب الجاهلية ممن ذمهم الله في كتابه الكريم في قوله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم} [النحل:58]، {يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُون} [النحل:59].

المسألة الثانية: واجب التربية: التربية تأهيل الولد وتكييفه وإعداده لمواجهة الحياة، ومن ذلك وفي مقدمته تربيته وتدريبه عقديًا لمعرفة خالقه، ووجائب دينه سواء عن طريق تعليمه نظريًا أو تدريبه عمليًا؛ امتثالًا لقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم:6]، وفي ذلك يقول علي رضي الله عنه: “أي أدبوهم وعلموهم”([7]).

وقال قتادة: أمرهم بطاعة الله، ونهيهم عن معصيته، والقيام عليهم بأمر الله وأمرهم به ومساعدتهم عليه([8]). وقال مقاتل: تعني هذه الآية أن يؤدب المسلم نفسه وأهله فيأمرهم بالخير، وينهاهم عن الشر([9]).

ولعل الاهتمام بهذه التربية آكد في هذا العصر الذي تطغى فيه الماديات بمصاعبها وأخطارها فتؤثر على سلوك الولد، وتغير فطرته وتصده عن اتباع المنهج القويم، فتفقد الأمة بذلك أهم أسس وجودها وحضارتها.

ومن واجبات التربية والتأهيل إعداد الولد عقليًا، فقد منح الله الإنسان العقل، وفضله به على غيره من المخلوقات، وجعل واجباته مناطة بسلامة عقله، فإن سلم من الزيغ والضلال سلم صاحبه، وأصبح أداة خير ومصدر حضارة والعكس بالعكس.

ولا يسلم العقل إلا بسلامة التنشئة، وتعويد الولد على الخير نهيه عن الشر، وقد دلت الوقائع التاريخية والمعاصرة أن الإجرام ينبت في بيئة خمل فيها العقل، وأن الانحراف لا يصدر إلا من إنسان فسد عقله، كما دلت هذه الوقائع أن سبب فساد العقل يرجع إلى عدم إعداده، وتوجيهه خاصة في حال الصغر ومرحلة الإعداد.

والإعداد العقلي يتطلب أمرين:

الأمر الأول: فهم العقيدة فهم علم وإدراك، ولا يتأتى هذا إلا بتعليم الولد معاني العقيدة، وحقائقها، ومقاصدها وما فيها من السعادة الأبدية له. وقد دلت الوقائع أن الذين عرفوا هذه المعاني في مراحلهم الأولى لم يتعرضوا لأي مصاعب في حياتهم خاصة عندما ينتقلون من بيئتهم إلى بيئة مغايرة، كما دلت هذه الوقائع أن الذين واجهوا المصاعب هم الذين غلبت عليهم سطحية المعرفة، ولهذا أكد الله على إعمال العقل، والاهتمام به في قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون} [الرعد:4]، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} [الرعد:3].

الأمر الثاني: فهم الحياة، وهذا يعني إدراك السنن الكونية والفطرة الإنسانية، وما في الحياة من معاني الخير، وما تتطلبه من الاستعداد فيها بالعمل، وتوجيه طاقة البدن والعقل إلى ما يفيد النفس ويسعدها، وقد منح الله الإنسان القدرات والحواس التي تعينه على ذلك في قوله تعالى: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} [الملك:23].

ومن واجبات التربية والتأهيل القدوة الصالحة، فالولد في مراحله الأولى يتلقى علمه ومعرفته عن طريق التقليد والاتباع، وأبواه في هذه المرحلة هما مثلُه وقُدوته، فما يفعلانه من خير يفعله، وإن لم يفعل ذلك في صغره فعله في كبره، وما يفعلانه من شر سيفعله عاجلًا أم آجلًا، وهذا هو الغالب الأعم ولا عبرة لما ندر.

وينشأ ناشيء الفتيان منا          على ما كان عوده أبوه

ومن واجبات التربية الرفق بالولد، ومعاملته باللين في غير ما تفريط فالشدة في التربية لا تورث إلا شدة في السلوك، والعنف في الصغر مدعاة للعنف في الكبر، وجفاء الولد في الصغر وقسوة معاملته، مدعاة لجفائه لوالديه في الكبر، ولهذا نهى رسول الهدى ﷺ عن ذلك فيما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- أنه ﷺ قبل الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس، فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: ‹‹من لا يرْحمْ لا يُرْحم››([10]).

ولما سأل معاوية بن أبي سفيان الأحنف بن قيس عن الولد قال له: “إنهم ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا ونحن لهم أرض ذليلة، وبهم نصول على كل جليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم يمنحوك ودهم، ويحبوك جهودهم، ولا تكن عليهم ثقلًا ثقيلًا فيملوا حياتك، ويودوا وفاتك ويكرهوا قربك”([11]).

المسألة الثالثة: واجب النفقة: النفقة توفير ما يحتاجه الإنسان من طعام وشراب وكساء ونحو ذلك، وهي واجبة على الوالد لولده ديانة وقضاء، ودليلها من القرآن: قول الله تعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:233]، ودليلها من السنة: مارواه ابن عمر-رضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: ‹‹من سقى ولده شربة ماء في صغره سقاه الله سبعين شربة من ماء الكوثر يوم القيامة››([12])، وما رواه ثوبان أنه ﷺ قال: ‹‹أفضل الدينار دينار ينفقه الرجل على عياله››([13])، ووجوب نفقة الولد على الوالد أمر طبيعي فهو جزء منه، وبينهما رابط عضوي فكما تجب عليه النفقة لنفسه تجب عليه لولده.

وتجب النفقة قسرًا على الأب إذا قصر فيها؛ لأن من المفروض أن يعيش ولده من ماله، ودليل ذلك ما روته عائشة -رضي الله عنها- أن هندًا زوجة أبي سفيان قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح ولا يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فقال ﷺ: ‹‹خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف››([14])، وتقدر النفقة تبعًا لأحوال الزمان والمكان، فقد تكون في زمان ما بسيطة لظروفه وأحوال معيشته، وقد تكون غير ذلك في زمان آخر، ورغم أن نفقة الولد على والده واجب شرعي عليه فهي أيضًا إحسان إليه وعامل هام في سلامة تربيته، فالذين يقصرون في النفقة على أولادهم خاصة ممن طلقُوا أمهاتهم يرتكبون إثمًا فيما يفعلون وهذا يرتد عليهم بعقوق أولادهم لهم.

والله أعلم.

 

([1])  أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب قول الله تعالى {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}، صحيح البخاري، ج8 ص104.

([2]) أخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح، باب الأكفاء، برقم (1968) ج1ص633، حسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، (١٦١٥).

([3])  أخرجه البرهان فوري في كنز العمال برقم (44587)، ج16 ص300، ضعفه  الألباني في السلسلة الضعيفة، (١٤).

([4])  أخرجه مسلم (١٤٦٧)،  وأخرجه الإمام أحمد في المسند، ج2 ص168.

([5])أخرجه الإمام أحمد في المسند، ج5 ص194، قال النووي في المجموع، (٨/٤٣٦): إسناده جيد.

([6])أخرجه الترمذي في كتاب الأضاحي، باب ما جاء في العقيقة برقم (1522)، سنن الترمذي ج4 ص85، صححه الألباني في صحيح الترمذي، (١٥٢٢).

([7]) تفسير ابن كثير، ج3 ص341.

([8]) تفسير ابن كثير ج3 ص341-342.

([9]) تفسير الفخر الرازي، ج29 ص46.

([10]) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب من ترك صبية غيره حتى تلعب به، أو قبلها أو مازحها، برقم (5997)، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج10 ص440.

([11]) إحياء علوم الدين للغزالي، ج2 ص200.

([12])  أحكام النساء لابن الجوزي ص170، وانظر: كنز العمال، ج16 ص443 برقم (45339)، قال أبو نعيم في حلية الأولياء، (٧/٢٨٢): غريب من حديث مسعر أو سعيد.

([13]) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال والمملوك وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم عنهم، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الجهاد، باب فضل النفقة في سبيل الله، وأخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في النفقة في الأهل برقم (1966)، سنن الترمذي، ج4 ص304.

([14]) أخرجه البخاري في كتاب النفقات، باب إذا لم ينفق الرجل، فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف، برقم (5364)، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج9 ص418.