ومفاد هذه المسألة سؤال يقول فيه صاحبه: هل يجوز للولد أن يتخلى عن رعاية والديه أو أحدهما بحجة أن دور رعاية المسنين أقدر على ذلك منه؟ وإذا كان هذا لا يجوز فما هو الجزاء الشرعي لمن يتخلى عن رعاية والديه لهذه الدور؟.

حكم تخلي الولد عن رعاية والديه بحجة أن دور الرعاية أقدر منه

والجواب على هذا السؤال من وجهين:

الوجه الأول: تخلي الولد عن رعاية والديه بحجة أن دور الرعاية أقدر منه: لا شك أن المسلم يعرف من أوليات دينه أن بر والديه فرض لازم عليه، وليس له في قبول هذا الفرض أو رفضه خيار وذلك لمناطه بمسألة الامتثال للأمر الرباني، أو عدم الامتثال.

المسلم يقرأ في كتاب الله قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء:23]، وفي هذا القضاء أو الأمر تلازم بين عبادة الله، والإحسان للوالدين ولا يكون التلازم حاصلا إذا لم يتحقق كلا عنصري الأمر، فمن أحسن لوالديه ولم يعبد الله فلا قبول لإحسانه؛ لأن حق الله أولى وآكد وأعظم، ومن لم يحسن لوالديه لم يعبد الله حقيقة وإن عبده ظاهرا.

والمسلم يقرأ في كتاب الله قوله تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء:36]، وفي هذا أيضا تلازم بين عبادة الله وعدم الشرك به، وبين الإحسان للوالدين، وفي هذا نفس المعنى الأول. والآيات الآمرة ببر الوالدين والإحسان إليهما كثيرة وأحكامها تؤكد حق الوالد على الولد حقا مطلقا لا مفر له منه إلا عدم قدرته كما سيأتي بيانه.

أما في السنة فالأحكام أيضا كثيرة نذكر منها ما رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: ‏«‏رغم أنْفُ ثم رغم أنْفُ ثم رغم أنْفُ‏»‏‏، قيل: من يا رسول الله؟ قال: ‏«‏من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة‏»‏‏([1]). وما رواه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: ‏«‏رضا الرب في رضا الوالد وسخط الرب في سخط الوالد‏»‏‏([2]).

وقد نظرت هذه الأحكام إلى بر الوالدين نظرة شمول فلا ينفيه اختلاف الدين بين الوالد والولد، وفي ذلك قال الله تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان:15]، وفيه قال رسوله المصطفى لأسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- لما استفتته في قدوم أمها عليها وهي مشركة، وهل عليها واجب الصلة لها قال -عليه الصلاة والسلام-: ‏«‏نعم صلي أمك‏»‏‏([3]).

ولا يحول دون البر رغبته في الجهاد، وهو من أهم الأعمال قربة عند الله، وفي ذلك سأل رسول الله ﷺ طلحة بن معاوية السلمي لما جاءه يريد الجهاد قائلا: ‏«‏أمك حية؟‏»‏‏ فلما قال: نعم، قال -عليه الصلاة والسلام-: ‏«‏الزم رجلها فثم الجنة‏»‏‏([4])، ولا يؤثر على فرض البر حق الزوجة على زوجها، فللأم حق وللزوجة حق وإذا تصادم الحقان كان حق الأم أولى وألزم وفي ذلك، روى أبو الدرداء أن رجلا أتاه فقال له: “إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها”. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ‏«‏الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع هذا الباب أو احفظه‏»([5])، كما روى عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: كانت تحتي امرأة أحبُّها، وكان أبي يكرهها. فأمرني أبي أن أطلِّقها فأبيتُ. فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ فقال: ‏«‏يا عبد الله بن عمر! طلّق امرتك‏»‏‏([6]).

وعقوق الوالدين مما عمّت به البلوى، وكثرت بسببه الشكوى في هذا الزمان، ومن هذا العقوق وأشنعه وأعظمه التبرؤ من الوالدين أحدهما أو كليهما، وترك رعايتهما في حال كبرهما لدور الرعاية تحت حجج مشينة منها طاعة الزوجة في كرهها لهما، ومنها إبعادهما عن الأولاد لكي لا يزعجونهم بكثرة كلامهم، ومنها عدم طاقتهما وعدم تحمل رعايتهما نفسيا أو نحو ذلك من الأفعال المنافية للدين والخلق، بل والمنافية لطبائع الأمور ليس عند الإنسان السوي فحسب، بل حتى عند الكائنات الأخرى فالحيوانات والطيور تعْطِفُ على كبارها كما تعطف على صغارها، فتحاول انتشال الجريح، وإقالة عثرته ومساعدته على استعادة قوته.

وهناك من يعزو العقوق عند الإنسان إلى التخلخل الأسري، والطغيان المادي، والخروج على المألوف، ونحو ذلك من العلل، والواقع أن العقوق ينتج عن ضعف الوازع الديني والخلقي لدى أصحابه، وهو في محصلته خروج وعدم امتثال لأمر الله، وأمر رسوله ببر الوالدين، واللطف بهم، ورعايتهم في حال كبرهم، وعجزهم، وهو في الوقت نفسه قصور في توعية الأولاد وتبصيرهم بواجباتهم والتزامهم، وإشعارهم أن بِرّ والديهم فرض لازم عليهم، وأنهم إذا قصروا فيه خرجوا على أمر الله، ومن خرج على أمره وعقّ والديه فقد استحق عقابه، مثلُهُ في ذلك مثل الكافرين والمنافقين والظالمين ومن في حكمهم.

وبناء على ما سبق فإن تخلي الولد عن رعاية والديه أحدهما أو كليهما، وترك رعايتهما لدور الرعاية عقوق واضح، وخروج على أمر الله له ببرهما، وكل ما يقال في هذا من العلل والأعذار مخالف لهذا الأمر في مبانيه ومعانيه.

الوجه الثاني: الجزاء الشرعي لمن يتخلى عن رعاية والديه لدور الرعاية الاجتماعية:

حق الوالد على الولد حق شرعي، لا مِنّة فيه من الثاني للأول، وقد ترتّب هذا الحق من ثلاث طرق:

الطريق الأول: تعبدي لأنه امتثال لأمر الله بالبر ولا خيار للولد فيه وفي ذلك قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص:68].

والطريق الثاني: خُلُقيٌّ أو طبيعي فمن طبائع الأشياء أن من عمل عملا يجز عليه، هكذا تعارف الإنسان على هذا وتعامل به في كل زمان ومكان، والوالد عمل على تربية ولده وتنشئته وبذل كل جهوده للنفقة عليه فمن المعقول أن يجزيه ولده على صنيعه في حال عجزه وحاجته.

والطريق الثالث: عضوي فالولد جزء من والده، والجزء يلحق بالكل، وفي ذلك روى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال: ‏«‏إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أموال أولادكم من كسبكم فكلوه هنيئا‏»([7])، وفي ذلك أيضا ما روى جابر بن عبد الله أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يارسول الله إن لي مالا، وإن أبي يريد أن يأخذ مالي، فقال رسول الله ﷺ: ‏«‏أنت ومالك لأبيك‏»‏‏([8]).

فدل هذا على حق الوالد في مال ولده حقا لا مراء فيه وفق الشرطين التاليين:

أولهما: أن يكون الولد قادرا بِمالهُ من مالٍ أو مهنة أو حرفة يكتسب منها، فإن لم يكن قادرا فلا حرج عليه؛ لأن الله تعالى لا يكلف الإنسان أمرا لا يطيقه.

وثانيهما: أن يكون الوالد فقيرا، ولكن لا يشترط فيه القدرة على الكسب؛ لأن حقه على ولده ليس مجرد حق مادي فحسب، بل حق أدب واحترام وإحسان، وليس من الحق إجبار الوالدين على الكسب وولدهما قادر على النفقة عليهما، لما في ذلك من إيذاء مشاعرهما وفي ذلك يقول الإمام ابن حزم: “صح عن النبي ﷺ أن عقوق الوالدين من الكبائر، وليس من العقوق أكثر من أن يكون الابن غنيا ذا مال ويترك أباه أو جده يسوس الدواب، ويكنس الزبل أو يحجم أو يغسل الثياب للناس أو يوقد في الحمام ويدع أمه أو جدته تخدم الناس وتسقي الماء في الطريق، فما خفض لهما جناح الذل من الرحمة من فعل ذلك بلا شك”([9]).

وأشنع من هذا وأعظم أن يقْسُر الولد والديه على العيش في دور الرعاية يقاسون الهموم بسبب تنكره لرعايتهم بعد أن قضوا معظم حياتهم يتعبون من أجله فما جزاء من يفعل ذلك؟

الجزاء الشرعي لعقوق الوالدين والتخلي عن نفقتهم نوعان:

النوع الأول: جزاء ديني، فالعقوق من كبائر الذنوب وفي ذلك روى البخاري في صحيحه عن أبي بكر ضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ‏«‏ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، ألا أنبئكم بأكبر الكبائر‏»‏‏. قلنا: بلى يا رسول الله. قال: ‏«‏الإشراك بالله وعقوق الوالدين‏»‏‏ وكان متكئا فجلس فقال: ‏«‏ألا وقول الزور‏»‏‏ قال: فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت([10]). وعنه ﷺ أنه قال: ‏«‏كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين، فإن الله يعجل لصاحبه في الحياة الدنيا قبل الممات‏»‏‏([11])، ولا يمحو هذا الذنب إلا التوبة النصوح والإقلاع عن العقوق والعمل على بر الوالدين والرفق بهم.

النوع الثاني: جزاء دنيوي والأصل فيه إجبار الولد ذكرا كان أو أنثى على النفقة على والديه، فإن كان الولد واحدا وجبت عليه وحده، وإن كانوا أكثر من ذلك وجبت عليهم جميعا، ولو تعلل الولد بعدم قدرته لكونه ينفق على نفسه وأولاده لم يُقْبل قوله، ووجب عليه إشراك والديه مع أولاده في مطعمهم ومشربهم، ولو تعلل بعدم قدرته على رعاية والديه -لكبر سنهما مثلا- وجب عليه توفير من يخدمهما، فإن لم يقدر على ذلك وجبت عليه الرعاية بنفسه؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء:23]، {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء:24]، فدل هذا على وجوب الرعاية الشاملة لهما، بما تدل عليه من النفقة وتوفير الرعاية والعناية لهما.

وخلاصة الجواب: إن الولد ذكرا كان أو أنثى ملزم ديانة وقضاء بالنفقة على والديه أحدهما أو كليهما، ولا يسقط التزامه هذا وجود دور للرعاية، ومتى قصر الولد في التزامه هذا وجب إلزامه قضاء بالنفقة على والديه، وتوفير الرعاية الكريمة لهما.

والله أعلم.

 

([1]) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تقديم الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها. صحيح مسلم بشرح النووي، ج16 ص108.

([2])  أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء من الفضل في رضا الوالدين برقم (1899)، سنن الترمذي، ج4 ص274، قال الألباني في السلسلة الصحيحة، (٥١٦): حسن بجموع الطرق..

([3])  أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب صلة المرأة أمها ولها زوج برقم (5979)، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج10 ص427. وقد فصّل الفقهاء في ذلك فقالوا: إن البر حق، والحق لا يسقط بالفسق ولا بالمخالفة في الدين فوجب على المسلم بر أبيه غير المسلم كإيصاله إلى الكنيسة إن طلب منه ذلك وعجز عن الوصول بنفسه كما لو كان أعمى وأن يدفع لهما ما ينفقانه في أعيادهما. انظر في ذلك: الفواكه الدواني لأحمد النفراوي المالكي، ج2 ص317.

([4]) أخرجه المنذري في الترغيب والترهيب، في كتاب البر والصلة، باب الترغيب في بر الوالدين وصلتهما وتأكيد طاعتهما والإحسان إليهما وبر أصدقائهما من بعدهما برقم (11)، وقال: ‏«‏رواه ابن ماجه والنسائي واللفظ له والحاكم، وقال: صحيح الإسناد‏»‏‏. الترغيب والترهيب، ج3 ص316.

([5])  أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء من الفضل في رضا الوالدين برقم (1900)، سنن الترمذي، ج4 ص275، صححه الألباني في صحيح الترمذي، (١٩٠٠).

([6]) أخرجه الترمذي في كتاب الطلاق، باب ما جاء في الرجل يسأله أبوه أن يُطلِّق زوجته، برقم(1189)، سنن الترمذي ج3ص494-495، وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب باب في بر الوالدين برقم(5138)، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب الرجل يأمره أبوه بطلاق امرأته، برقم(2088)، قال أحمد شاكر في تحقيق المسند لشاكر (7/90): إسناده صحيح، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، (١١٨٩)..

([7]) أخرجه الإمام أحمد في المسند، ج2 ص179، صححه الألباني في إرواء الغليل، (١٦٢٦).

([8]) أخرجه الإمام أحمد في المسند، ج2 ص204، صحح إسناده أحمد شاكر في تخريج المسند لشاكر، (١١/١٢٤).

([9])  المحلى، ج10 ص108.

([10]) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، صحيح البخاري، ج3 ص152.

([11]) رواه المنذري في الترغيب والترهيب في كتاب البر والصلة، باب الترهيب من عقوق الوالدين برقم (15)، وقال: ‏«‏رواه الحاكم والأصبهاني كلاهما من طريق بكار بن عبدالعزيز وقال الحاكم: صحيح الإسناد‏»‏‏، الترغيب والترهيب، ج3 ص331، ضعفه الألباني في ضعيف الجامع، (٤٢١٣).