- والجواب على هذه المسألة من وجهين:
الأول: معنى الإكراه: الإكراه بوجه عام قسر الإنسان على قول، أو فعل، أو تصرف لا يريد أن يفعله لو كان ذلك باختياره([1]). بهذا فإن المكره هو كل شخص وقع تحت تأثير الخوف، والرهبة من شخص آخر، بعد أن غلب على ظنه أنه في حال خطر منه، فإذا تعرض لتهديد بالقتل أو الضرب أو الانتقام بأي فعل من الأفعال المادية المؤذية؛ فإنه يقع تحت تأثير الخوف خاصة إذا كان من هدده يقدر على تنفيذ تهديده.
والإكراه نوعان ملجيء وغير ملجيء فالأول: ‹‹ما أدى في حال تنفيذه إلى إتلاف النفس، أو عضو من أعضاء الجسد أو أدى إلى ضرب ظاهر. والإكراه غير الملجيء هو ما كان على خلاف ذلك كالضرب اليسير أو الحبس لمدة قليلة مما يعد في حقيقته ضررًا غير بالغ››([2]).
الوجه الثاني: مدى صحة طلاق الإكراه: قد يكره إنسان على طلاق زوجته لأي سبب، كما هو الحال في المسألة فتنتفي عندئذ حريته في التصرف والاختيار تحت وطأة الخوف، والأصل ألا يكون لهذا التصرف أثر شرعي؛ لأن الإكراه يسلب القدرة على التصرف؛ استدلالًا بقول الله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل:106]؛ واستدلالًا أيضًا بقول رسوله ﷺ: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)([3]). فإذا كان المكرَه -بفتح الراء- لا يؤاخذ على القول بالكفر إذا أكره عليه، فمن باب أولى ألا يؤاخذ على غيره؛ لأنه ليس بعد الكفر ما هو أشد منه.
وفي المذهب الحنفي خلاف ذلك: “فالطلاق يقع مع الإكراه، والحجة في ذلك أن المراد بالإكراه المعفو عنه، هو الإكراه على الكفر؛ لأن القوم كانوا حديثي عهد بالإسلام، وكان الكفر ظاهرًا يومئذ، وكان يجري على ألسنتهم كلمات الكفر فعفا الله عن ذلك، أو مع التسليم -كما يقول الكاساني- بأن كل مستكره عليه معفو عنه إلا أنه ليس الطلاق . . وكل تصرف قولي مستكره عليه([4])؛ لأن الإكراه لا يعمل على الأقوال كما يعمل على الاعتقادات؛ لأن أحدًا لا يقدر على استعمال لسان غيره بالكلام على تغيير ما يعتقده بقلبه جبرًا، فكان كل متكلم مختارًا فيما يتكلم به، فلا يكون مستكرهًا عليه حقيقة فلا يتناوله الحديث”([5]). واستدل الأحناف بعموميات النصوص وإطلاقها لقول الله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق:1]، وقول رسوله -عليه الصلاة والسلام-: (كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله)([6]). وإن الفائت بالإكراه هو الرضا، وهذا ليس بشرط لوقوع الطلاق؛ لأن طلاق الهازل يقع رغم أنه يكون غير راض به([7]).
وفي مذهب الإمام مالك: لا يلزم طلاق المكره سواء كان الإكراه على إيقاعه، أو على الإقرار أو اليمين به. وكذلك إن كان على فعل فحنث به في الطلاق وقيل يلزمه في ذلك. . إنما الإكراه في القول دون الفعل. . “ويكون الإكراه بالتخويف مما يؤلم البدن من القتل، والضرب، والصفع لذوي المروءة وسواء إن كان ذلك من السلطان أو غيره، وكذلك إن كان التخويف بقتل الولد”([8]). وينبني على هذا أن طلاق المكره وسائر فعله في نفسه يعد لغوًا؛ لأن المُكْره في حكم المفزوع والمذعور([9]).
وفي مذهب الإمام الشافعي: “يصير الرجل مكرهًا في يدي من لا يقدر على الامتناع منه، من سلطان أو لص متغلب على واحد من هؤلاء، ويكون المكره يخاف خوفًا عليه دلالة أنه إن امتنع من قول ما أمر به، يبلغ به الضرب المؤلم أو أكثر منه أو إتلاف نفسه؛ فإذا خاف هذا سقط عنه حكم ما أُكرِه عليه من قول، ما كان القول شراء أو بيعًا أو إقرارًا لرجل بحق أو حد أو إقرار بنكاح أو أعتق أو طلاق أو إحداث واحد من هذا وهو مكره، فأي هذا أحدث وهو مكره لم يلزمه”([10]). وينبني على هذا عدم وقوع طلاق المكره لخبر: ‹‹لا طلاق ولا عتاق في إغلاق››([11]). أي إكراه([12]).
وفي مذهب الإمام أحمد: لا يلزم الطلاق من المكره عليه، ولا يكون الرجل مكرهًا إلا إذا مسه شيء من العذاب، كالضرب أو الخنق ونحوه، ويخرج عن هذا التوعد. وقد روي عن الإمام أحمد روايتان: الأولى: أن الوعيد ليس بإكراه. الرواية الثانية: أن الوعيد بمفرده يعد إكراهًا([13]).
وعلى هذا فإن طلاق السائل لا أثر له؛ لأنه بمثابة المكره، ولكن يشترط أن يكون تهديده بالقتل حقيقيًا، بمعنى أن من الواضح وجود نية مبيتة لدى أهل زوجته لقتله، أو إيذائه بضرب أو نحوه مما يكرهه على فعل مالا يريد. ولا يكون التهديد حقيقيًا إذا كان مجرد ظن من المهدد -بفتح الدال- وكذلك لا يكون التهديد حقيقيًا إذا كان في إمكان السائل اللجوء إلى السلطة لدفع الأذى عنه، وهذا يظهر من الدلائل والقرائن التي يقدرها القضاء.
وخلاصة ما سبق: أن الإكراه قسر إنسان على قول أو فعل أو تصرف لا يريد أن يفعله لو كان ذلك باختياره، والإكراه على نوعين: النوع الأول: إكراه ملجئ وهو ما يؤدي فعله إلى إتلاف النفس، أو عضو من أعضاء الجسد، أو يؤدي إلى ضرب مبرح أو ضرر ظاهر.
النوع الثاني: الإكراه غير الملجئ وهو ما كان على خلاف ذلك كالضرب البسيط. وغالب الفقهاء على أن طلاق الإكراه لا يلزم فاعله، بدليل قول الله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ}. وقول رسوله ﷺ: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
ويشترط أن يكون الإكراه حقيقيًا بحيث يتوفر ما يدل على أن المكره -بفتح الراء- وقع تحت فعل أو وعيد حقيقي عليه، وجعله يتصرف دون رغبته وإرادته.
والله أعلم.
([1]) مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، السنة الثانية، العدد الثامن ص107، 1411هـ-1991م.
([2]) مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، السنة الثانية، العدد الثامن ص107، 1411هـ-1991م.
([3]) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، برقم(2044)، سنن ابن ماجه، ج2 ص659، صححه الألباني في صحيح ابن ماجه، (١٦٧٥).
([4]) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني، ج7 ص182.
([6])أخرجه الترمذي في كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه، برقم(1191)، سنن الترمذي، ج3 ص496، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ضعفه الألباني في ضعيف الجامع، (٤٢٤٠).
([7]) بدائع الصنائع، ج7ص182، وانظر شرح فتح القدير لابن الهمام، ج7 ص488-489، واللباب في شرح الكتاب للغنيمي، وحاشية رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين، ج3 ص235-236، وحاشية الطحطاوي على الدر المختار، ج2 ص107، والهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني، ج1 ص229-230.
([8]) العقد المنظم للحكام فيما يجري بين أيديهم من العقود والأحكام للكناني هامش على كتاب تبصرة الحكام لابن فرحون، ج1 ص91-92.
([9]) انظر التاج والإكليل للمواق هامش مواهب الجليل للحطاب، ج4 ص44-46، وانظر مقدمات ابن رشد مع المدونة الكبرى للإمام مالك رواية الإمام سحنون، ج2 ص129-130، والفروق للقرافي، ج3 ص84، وشرح منح الجليل على مختصر خليل لعليش، ج4 ص48-52.
([10]) الأم للإمام الشافعي، ج3 ص236.
([11]) أخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب في الطلاق على غلط، برقم(2193)سنن أبي داود ج2ص258-259، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي برقم (2046)، سنن ابن ماجه ج1ص659-660، صححه السيوطي في الجامع الصغير، (٩٨٨٦).
([12]) انظر: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، ج6 ص445، وانظر المجموع شرح المهذب للنووي، ج17 ص65-67.
([13]) المغني والشرح الكبير للإمام ابن قدامة، ج8 ص259-262، وكشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي، ج5 ص235-236، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي، ج3 ص120-121، والإنصاف للمرداوي، ج8 ص439-442.