والجواب على هذه المسألة من وجهين:
الوجه الأول: ما يجب على الزوج تجاه زوجته: الأصل في الزواج قيام علاقة شرعية مبنية على المحبة والمعاملة الحسنة بين الزوجين؛ وقد بين الله ذلك في كتابه العزيز، وجعله من آياته للذين يتفكرون، لما فيه من الحكمة الإلهية العظيمة، فقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} [الروم:21]، والمعنى ظاهر في أن الله جعل للرجل في المرأة ما يسكن إليه، فقال -تعالى-: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}، وقيل في تفسيرها عطف قلوب بعضهم على بعض، وقيل المودة المحبة، والرحمة الشفقة، وروي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء([1]).
وبعد أن نهى الله عن إرث النساء كرهًا وعضلهن، لما في ذلك من الظلم والإضرار بهن أمر بمعاشرتهن بالمعروف، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء:19]، والمقصود بالعشرة في الآية المخالطة، وحسن المعاملة، وكرم الصحبة، وهذا واضح في قوله تعالى {بِالْمَعْرُوفِ}.
ولعلم الله أن الزوج ربما يكره زوجته إما لنقص في جمالها، أو عيب خلْقِي أو خُلُقِي فيها (لا يرقى إلى درجة الفحش)، فقد ندب تعالى إلى الصبر عليها، لما قد يُعوضُ زوجها بشيء آخر أهم من جمالها كبركتها عليه، وإنجابها منه أولادًا صالحين، فقال تعالى: {فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}، وفي هذا المعنى روى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: ‹‹لا يفْرَك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر››([2]).
والأحاديث في وجوب حسن العشرة بين الزوجين كثيرة منها قول رسول الله ﷺ: ‹‹خياركم خياركم لنسائهم››([3])، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: ‹‹استوصوا بالنساء خيرًا فإنما هن عوان عندكم. . . ›› الحديث([4]).
فدل كل ذلك على أن الزواج رباط شرعي يقوم على المودة، والرحمة، وحسن الخلق، وليس على الخصام، أو الشقاق، ولا على ظلم الزوج لزوجته، أو ظلمها له، أو تنكر كل منهما لصاحبه لما يؤدي إليه ذلك من الطلاق الذي أبغضه الله، بدلالة قول رسوله -عليه الصلاة والسلام-: ‹‹أبغض الحلال إلى الله الطلاق››([5]). كما دل ذلك على ما للزوجة على الزوج من حق الرعاية الخاصة إلى جانب مراعاة الحقوق العامة المتبادلة بينهما.
الوجه الثاني: ما يجب للزوجة في حال سوء عشرة زوجها لها: إذا ساءت العشرة بين الزوجين بأن ظلمها أو آذاها، أو نشزت هي تغيرت العلاقة بينهما، وأصبح لها حكم شرعي معين:
ففي المذهب المالكي: يعتبر ترك الإضرار واجب كما يعتبر الإضرار أحد وجوه الفراق بين الزوجين([6]).
وفي المذهب الشافعي: إذا أساء الزوج خلقه، وآذى زوجته بنحو ضرب بلا سبب، نُهي من غير تعزير لما يورثه التعزير من وحشة، فاقتصر الأمر على النهي، فإن عاد الزوج إلى الإساءة عزره الحاكم بطلبها بما يراه، فإن اشتد الشقاق بينهما بعث القاضي حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، ويعهد كل منهما إلى وكيله بما يراه، ثم يفعل الوكيلان الأصلح من صلح أو تفريق([7]).
وفي المذهب الحنبلي: أن الشقاق إذا وقع بين الزوجين نظر فيه الحاكم فإن بان له أنه من المرأة فهو نشوز، وإن بان أنه من الرجل أسكنهما إلى جانب ثقة يمنعه من الإضرار بها، والتعدي عليها، وكذلك إن بان من كل واحد منهما تعد أو ادعى كل واحد منهما أن الآخر ظلمه أسكنهما إلى جانب من يشرف عليهما ويلزمهما الإنصاف، فإن خيف الشقاق بينهما بعث الحاكم حكمًا من أهل الزوج، وحكمًا من أهلها ليفعلا ما يريان المصلحة فيه من جمع أو تفريق؛ استدلالًا بقول الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء:35]، وقد روي عن الإمام أحمد أن الحكمين بمثابة وكيلين، لا يملكان التفريق بين الزوجين إلا بإذنهما، وهو ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة وهو أحد قولي الإمام الشافعي، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد أنهما حاكمان، ولهما أن يفعلا ما يريانه من جمع وتفريق بعوض وغير عوض، ولا يحتاجان إلي توكيل الزوجين ولا رضاهما([8]).
وخلاصة المسألة: أن الأصل في الزواج قيام علاقة شرعية مبنية على المحبة، والمعاملة الحسنة بين الزوجين؛ بدليل قول الله تعالى في محكم كتابه: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم:21]، وقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19]، فإذا أساء الزوج معاملة زوجته بسب أو إهانة أو نحو ذلك مما يعتبر في حكم الإساءة، وجب التفريق بينهما بحكم وقوع الضرر، وللقاضي أن يكِل إلى حكميْن من الزوج والزوجة للإصلاح بينهما أو تفريقهما.
أما ما ورد في المسألة من أن أهل الزوجة قد أنذروا الزوج، فهو مما يؤيد التفريق بينهما خشية وقوع الفتنة التي وصفها الله تعالى بأنها أكبر من القتل في قوله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة:217].
والله أعلم.
([1]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج14 ص17.
([2]) أخرجه مسلم في كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء شرح النووي على صحيح مسلم ج10ص58.
([3]) أخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح باب حسن معاشرة النساء برقم(1978)، وقال محمد فؤاد عبد الباقي في الزوائد: إسناده على شرط الشيخين، والحديث رواه الترمذي من حديث أبي هريرة وقال: حديث حسن، سنن ابن ماجه ج1ص636.
([4]) أخرجه الترمذي في كتاب الرضاع باب ما جاء في حق المرأة على زوجها برقم (1163)، ج3ص467، وقال حسن صحيح، وأخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب الوصاة بالنساء، صحيح البخاري ج6، ص 145.
([5]) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق باب حدثنا سويد بن سعيد برقم (2018) ج1ص65، سنن ابن ماجه ج1ص250، وأخرجه أبو داود في كتاب الطلاق باب فيمن خبب امرأة على زوجها برقم (2179) ج2 ص255، صححه السيوطي في الجامع الصغير، (٥٣).
([6])القوانين الفقهية لابن جزي، ص146، 151، وانظر منح الجليل، ج3 ص550، ومواهب الجليل، ج4 ص17، والتاج والإكليل، ج3 ص17، والمدونة الكبرى، ج2 ص254، ومقدمات ابن رشد، ج2 ص254.
([7]) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ج6 ص391-392، وانظر الأم، ج5 ص116-117، والمجموع، ج16 ص451، ومغني المحتاج ج3 ص260-262، وبجيرمي على الخطيب ج3 ص408-409، وقليوبي وعميرة ج3 ص306.
([8]) المغني والشرح الكبير، ج8 ص166-168، وانظر كشاف القناع عن متن الإقناع، ج5 ص210-211، وشرح منتهى الإرادات، ج3 ص106، وكتاب الفروع لابن مفلح، ج5 ص340-342.