ومفاد المسألة كتاب من الأخ/ أيمن.. ع من الأردن عن حكم دلالة البوصلة على القبلة.

حكم دلالة البوصلة على القبلة

الأصل أن المسلم حين يؤدي صلاته يجب أن تكون هذه الصلاة صحيحة، وفق الوجه الشرعي من حيث التقيد بأركانها وشروطها وواجباتها، والبعد عن مبطلاتها ومظان الخلل فيها.

ومن شروط الصلاة استقبال القبلة التي أمر الله المسلم أن يستقبلها في صلاته في قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}([1]).

وقد وضع الله له ما يهتدي به من الأفلاك للاستدلال بها على القبلة ومنها النجوم في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون}([2]) وقوله: {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُون}([3]). ولكنه قد يجد بعض الحرج في تحديد القبلة، حين يكون في مكان لا يستطيع فيه هذا التحديد. كما أنه قد يجد بعض الحرج حين يكون مسافرًا، فيرى

 

السماء غائمة في الليل والنهار، فلا يرى شمسًا يستدل بها على القبلة، ولا يرى نجمًا يهتدي به عليها.

وعندما يصعب عليه الاستدلال بهذه الأفلاك رخص الله له أن يجتهد بحسب الوسع والطاقة، فإن عجز سقط عنه التكليف استدلالًا بقول الله تعالى: {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيم}([4]).

لقد اهتم الفقهاء في سابق عصورهم بمسألة القبلة، وكانت هذه المسألة من النوازل التي يتكلم فيها علماء كل بلد حسب موقعه.

ففي مذهب الإمام أبي حنيفة: أن القبلة لأهل مكة إصابة عينها ولغيرهم إصابة جهتها، وفي المذهب أقوال عدة ذكرت في (شرح زاد الفقير)، وفي (منية المصلى عن آمال الفتاوى)، وهذه الأقوال -كما ذكر- مبنية على سمت البلاد التي تصدر هذه الأقوال من علمائها، وقيل أن الأصح فيها ما ذكره (البرجندي) أن القبلة تختلف باختلاف البقاع، وأن (أمر القبلة يتحقق بقواعد الهندسة والحساب وذلك بأن يعرف بعد مكة عن خط الاستواء، وعن طرف المغرب ثم بعد البلد المفروض كذلك، ثم يقاس بتلك القواعد لتحقيق سمت القبلة)([5]).

وفي الجملة يكون الاعتماد في الحضر على المحاريب القديمة، فإن لم يكن فبالسؤال عن أهل ذلك المكان، وفي المفاوز بالنجوم وقد ذكر ابن عابدين أنه ينبغي الاعتماد في أوقات الصلاة، وفي القبلة، على ما ذكره العلماء الثقات في كتب المواقيت، وعلى ما وضعوه لها من الآلات كالربع والاصطرلاب؛ فإنها إن لم تفد اليقين تفد غلبة الظن للعالم بها وغلبة الظن كافية في ذلك([6]).

وفي مذهب الإمام مالك: أن المصلي في استقبال القبلة إما أن يكون متيقنًا لها كحال من يصلي في مكة، أو يكون مجتهدًا فيها كحال الذي يصلي في سائر الأقطار الإسلامية، أو يكون مقلدًا بحيث يسأل من هو عارف بالقبلة، فإن عدم من يقلده أو تحير أو نسي المجتهد أو خفيت الأدلة فيصلي حيث شاء([7]).

وفي مذهب الإمام الشافعي: من كان في مكة يجب عليه إصابة

 

استقبال القبلة؛ لأنه يدرك هذا الاستقبال بمعاينته ومن كان خارجها عليه أن يجتهد في طلب صوابها بالدلائل من النجوم والشمس والقمر والجبال ومهب الريح (وكل ما فيه عنده دلالة على القبلة)([8]).

وفي مذهب الإمام أحمد: أن من قرب من القبلة (كحال من في مكة) عليه إصابة عينها. فإن تعذر ذلك بحائل أصلي كالجبال ونحوها اجتهد في عينها، فإن كان الحائل غير أصلي كالمنازل فلابد من اليقين بنظر أو خبر ونحوه، وإصابة الجهة يكون بالاجتهاد لمن بَعُدَ عن القبلة. أي من لم يقدر على المعاينة، ولا على من يخبره عن علم([9]). وقال ابن بدران الدمشقي: (الاجتهاد في القبلة لا يكون إلا للعارف بأدلتها فيستدل عليها بالجبال والنجوم أو بالآلات الفلكية أو بسمت القبلة الموضوع في جداول مخصوصة([10]).

هذا موجز أقوال الأئمة الأربعة في مسألة القبلة، وجماعها إن استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة؛ فمن كان بمكة يجب عليه إصابة عينها لاستطاعته ذلك دون مشقة، ومن كان خارجها عليه إصابتها بما يغلب على ظنه. وتدرك الإصابة بجهة القبلة والاستدلال عليها بعدد من الوسائل وهي: المحاريب القديمة المأثورة عن السلف، والأفلاك السيارة: الشمس والقمر والنجوم. وكذلك بالمواقع الطبيعية الثابتة كالجبال والبحار أو بالرياح، أو بالعارفين بالبلاد أو بالآلات.

قلت: والبوصلة من الآلات الفلكية التي يستدل بها على القبلة دون مشاحة، وهذا شأن أي آلة هندسية أو علمية أخرى تحددها؛ فعلماء السلف الأوائل حين جعلوا الأفلاك السيارة، والرياح، وسائل للاستدلال بها على القبلة، لم يكن لديهم وسائل غيرها، ومع ذلك فقد تصوروا ما يمكن الاستدلال به علىها بوسائل أخرى. ألم تر أن الإمام الشافعي قال: (وكل مافيه عنده دلالة على القبلة). وهو أيضًا ما قاله الإمام ابن بدران فيما تقدم ذكره

إن الآلات العلمية التي تمكَّن الإنسان من صنعها لأداء غرض معين لم تعد ظنية الدلالة على تحقيق هذا الغرض، بل أصبحت في مجمل الأحوال قطعية الدلالة فيما صُنِعَتْ له. والقطعية هنا

 

أصبحت من المحسوسات بالمشاهدة والعلم الظاهر، فالحاسب الآلي في العصر الحاضر-مثلًا-أصبح يوجه مسار الطائرات والسفن والقطارات بشكل لا مجال فيه للخطأ إلا ما ندر وهذا لا حكم له.

وعلى هذا فإن البوصلة وكل آلة مشابهة أو مماثلة تحدد جهة القبلة يجب النظر إليها كوسيلة لاصابة هذه الجهة، فهي إن لم تفد اليقين فإنها تفيد الظن في أعلى مراتبه؛ وذلك بحكم ما نشاهده اليوم من دلالات الآلات العلمية في تحقيق ما خصصت له.

وخلاصة المسألة: أن استقبال القبلة من شروط الصلاة، ويتحقق هذا الاستقبال بإصابة عينها كحال القاطنين في مكة، أو بإصابة جهتها ممن هم خارجها، ويستدل على إصابة الجهة بالمحاريب القديمة المتوارثة في بلاد المسلمين وبخبرة العارفين، وبالأفلاك: الشمس والقمر والنجوم ونحوها. كما يستدل عليها بالمواقع الطبيعية، وبالآلات الهندسية، وكل مافيه دلالة عليها، ومن ذلك البوصلة، وكل آلة مشابهة أو مماثلة، فهذه الآلات إن لم تفد اليقين في الدلالة فإنها تفيد الظن في أعلى مراتبه.

ولعل من الجائز القول بإفادتها اليقين بحكم ما نشاهده اليوم من دلالات الآلات العلمية في تحقيق ما خصصت له. والله أعلم.

 

([1]) سورة البقرة من الآية 144.

([2]) سورة الأنعام الآية 97.

([3]) سورة النحل الآية 16.

([4]) سورة البقرة الآية 115.

([5]) حاشية رد المحتار على الدر المختار، ج1 ص430.

([6]) حاشية رد المحتار على الدر المختار، ج1 ص431، وانظر تفاصيل الموضوع في المرجع المذكور من ص427-436، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي، ج1 ص100-103، وشرح فتح القدير لابن الهمام على البداية للمرغيناني، ج1 ص269-273.

([7]) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه إمام الأئمة مالك للشناوي ج1 ص176-180، وانظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدسوقي، ج1 ص222-230، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد لأبي الوليد بن رشد، ج1 ص111-113، وعقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس ج1 ص123-127.

([8]) الأم للإمام الشافعي، ج1 ص93-98، وانظر نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي مع حاشية أبي الضياء نور الدين علي الشبراملسي وحاشية الرشيدي ج1 ص439-448. والمجموع شرح المهذب للنووي مع فتح العزيز شرح الوجيز للرافعي والتلخيص الحبير لأحمد ابن حجر العسقلاني ج3 ص205-231.

([9]) الإقناع لطالب الانتفاع للحجاوي، ج1ص153-160، وانظر أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد لمحمدين بن بدر الدين بن بدران الدمشقي ومعه حاشية نفيسة لعبد القادر ابن أحمد بن مصطفى بن بدران الدمشقي ص 108، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي ج1 ص532-537، والمغني مع الشرح الكبير لابني قدامة ج1 ص478-491.

([10]) حاشية الإمام عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن بدران الدمشقي مع كتاب أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ص110.