والجواب: أن مثل هذه الحالة تحدث عندما تضعف المسئولية عند الأب، فيتردد في تزويج ابنته لأسباب وعلل غير شرعية، مثل رغبته في أن يكون زوجها من غير أقاربها، بحجة أن ذلك قد يؤدي إلى خلاف مع قريبه، ومثل رغبته في أن يكون زوجها ذا مال أو جاه، أو رغبته في خضوع الزوج لشروطه، أو نحو ذلك مما يؤدي إلى عدم تزويج موليته.
وقد يكون السبب في تمنعه مشروعًا حين يكون خاطب ابنته غير كفء في دينه، وقد يكون السبب غير مشروع فيكون عندئذ في حكم “العاضل” لها، وقد نهى الله عن ذلك، فقد ورد في قصة معقل بن يسار المزني أن له أختًا طلقها زوجها فتركها حتى انقضت عدتها فخطبها فأبى معقل([1])، وقيل إنه قال له: يا لُكعْ أكرمتك بها وزوجتك فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدًا آخِر ما عليك. فنزل قول الله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:232]، فلما سمع معقل قال: سمعًا لِربي وطاعةً، ثم دعاهُ فقال: أزوجك وأُكرمك([2]).
ويتعلق بهذه المسألة أمران: الأمر الأول: مدى حق المرأة في تزويج نفسها؛ فعند الإمام أبي حنيفة ينعقد نكاح الحرة البالغة العاقلة برضاها، وإن لم يعقد عليها ولي، وسواء كانت بكرًا أو ثيبًا، وفي قول لصاحبه أبي يوسف لا ينعقد النكاح إلا بولي، وعند محمد ينعقد موقوفًا على إجازة الولي([3]). وفي المذهب عدة روايات لأبي يوسف ومحمد([4]). واستدل الإمام أبو حنيفة بالكتاب في قول الله تعالى: {وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا} [الأحزاب:50]، وهذا يعني النص على انعقاد النكاح بعبارتها وانعقادها بلفظ الهبة. وقوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة:230]، وهذا يعني أن الله أضاف النكاح إليها، فيقتضي تصور النكاح منها، كما يعني أنه جعل نكاح المرأة غاية الحرمة فيقتضي انتهاء الحرمة عند نكاحها نفسها([5]). واستدل الإمام أبو حنيفة بالسنة فقد ورد عن رسول الله ﷺ: (الأيم أحق بنفسها من وليها)([6]). وقوله أيضًا: (ليس للولي مع الثيب أمر واليتيمة تُستأمر وصمتُها إقرارها)([7])، وهذا ينفي ولاية الولي([8]).
قال في البدائع “وأما الاستدلال فهو أنها لما بلغت عن عقل وحرية، فقد صارت ولية نفسها في النكاح فلا تبقى موليًا عليها، كالصبي العاقل إذا بلغ، والجامع أن ولاية النكاح إنما ثبتت للأب على الصغيرة بطريق النيابة عنها شرعًا، لكون النكاح تصرفًا نافعًا متضمنًا مصلحة الدين والدنيا، وحاجتها إليه حالًا ومآلًا، وكونها عاجزة عن إحراز ذلك بنفسها، وكون الأب قادرًا عليه بالبلوغ عن عقل، وحيث قدرت على التصرف في نفسها حقيقة فتزول ولاية الغير عنها وتثبت الولاية لها؛ لأن النيابة الشرعية إنما تثبت بطريق الضرورة نظرًا فتزول بزوال الضرورة. . “.
الأمر الثاني: عدم عقد الزواج إلا بولي، وجمهور الفقهاء على أن النكاح لا ينعقد من النساء([9]).
ففي مذهب الإمام مالك: لابد من الولي، وعلى هذا لا يمتنع من تزويجها، فإن فعل سأله الحاكم عن السبب فإن رآه صوابًا زجرها وإلا عُد الولي عاضلًا برد أول خاطب كفء، ومن ثم يزوجها للخاطب الذي رضيت به، ولكن لا يعد الأب عاضلًا بالرد المتكرر حتى يتحقق من عضله، إما بإقراره أو قرينة ظاهرة([10]).
قال في المدونة إذا كانت المرأة ثيبًا فخطبها الخاطب فأبى والدها أو وليها أو يزوجها، فرفعت ذلك إلى السلطان والخاطب دونها في الحسب والشرف إلا أنه كفء في دينه، فرضيت به وأبى الولي، قال: “يزوجها السلطان ولا ينظر إلى قول الأب والولي إذا رضيت به وكان كفؤًا في دينه وهذا قول مالك”([11]).
وفي مذهب الإمام الشافعي: لا نكاح إلا بولي([12])، فإن تقدم لها كفء فامتنع وليها زوجها الحاكم([13]).
وفي مذهب الإمام أحمد: لا نكاح إلا بولي وعند فقده أو عضله يقوم السلطان بتزويج المرأة؛ استدلالًا بقول النبي ﷺ: (السلطان ولي من لا ولي له)([14]). والسلطان هنا هو الإمام أو الحاكم أو من فوضا إليه ذلك([15]).
وينبني على ما سبق أنه لا يجوز نكاح إلا بولي، ولا يجوز للولي عضل موليته، فإن فعل ذلك زوجها الحاكم بحكم ولايته العامة.
وخلاصة ما ذكر: أن جمهور العلماء متفقون على أن النكاح لا ينعقد من النساء، وأن لابد لعقده من ولي، فإن عضل الأب أو الولي موليته زوجها السلطان بحكم ولايته العامة، وهذا على خلاف ما رآه الإمام أبو حنيفة من أن نكاح الحرة البالغة، العاقلة ينعقد برضاها، وإن لم يعقد عليها ولي.
وعلى هذا يعد الأب في المسألة عاضلًا، ما لم يكن منعه تزويج ابنته من خاطبها مشروعًا، حين يكون الخاطب غير كفء في دينه.
والله أعلم.
([1]) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب من قال لا نكاح إلا بولي، ج6 ص133.
([2]) رواه الترمذي في سننه في كتاب التفسير، باب ومن سورة البقرة برقم (2981)، ج5 ص201، صححه الألباني في صحيح الترمذي، (٢٩٨١).
([3]) شرح فتح القدير لابن الهمام مع الهداية للمرغيناني، ج3 ص256-258، والهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني، ج1 ص196، وحاشية رد المحتار على الدر المختار، ج3 ص55-56.
([4]) انظر بدائع الصنائع للكاساني، ج2 ص247-252.
([5]) بدائع الصنائع، ج2 ص247-252.
([6]) أخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت. بأرقام (64، 65، 66، 6٧، ٦٨) صحیح مسلم مع شرحي الابي والسنوسي ج5 ص 49-52. وأخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب النكاح في استئذان البكر والأيم في أنفسهما، برقم (1103)، ص356.
([7]) أخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب في الثيب، برقم (2100)، سنن أبي داود، ج2 ص233.
([8]) بدائع الصنائع، ج2 ص247-252، صححه الألباني في صحيح أبي داود، (٢١٠٠)..
([9]) القوانين الفقهية لابن جزي، ص133، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد، ج2 ص12، والمغني والشرح الكبير لابن قدامة، ج7 ص356، وكشاف القناع للبهوتي، ج5 ص49.
([10]) شرح منح الجليل للشيخ عليش، ج3 ص292-294، وانظر التاج والإكليل لشرح مختصر خليل للمواق هامش مواهب الجليل للحطاب، ج3 ص439، وبداية المجتهد، ج2 ص15.
([11]) المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون، ج2 ص144-145.
([12]) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، للرملي، ج6 ص209، والمجموع للنووي، ج16 ص146، والأم للشافعي، ج5 ص12، أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب من قال لا نكاح إلا بولي، فتح الباري، ج9، ص88. أخرجه الترمذي في كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي، سنن الترمذي ج3 م٤٠٧، ورقمه (۱۱۰۱) وأخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب في الولي، ورقمه (۲۰۸5)، وأخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، ورقمه (۱۸۸۱)، صححه علي بن المديني في السنن الصغير للبيهقي، (٣/١٧).
([13]) المجموع للنووي، ج16 ص163، انظر نهاية المحتاج للرملي، ج6 ص234-236، والأم للشافعي، ج5 ص13.
([14]) أخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب في الولي، برقم (2083)، سنن أبي داود، ج2 ص229، صححه الألباني في إرواء الغليل، (١٨٤٠).
([15]) المغني والشرح الكبير لابن قدامة، ج7 ص350-351، ومطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى للرحيباني، ج5 ص62-63، وكشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي، ج5 ص52، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي، ج3 ص18.