ومفاد المسألة سؤال يقول: عرض ابن على أبيه أن يزوج أخته (ابنة الأب) من صديق له، وقد وافقه على ذلك إخوته وبقية أسرته غير أن الأب امتنع من ذلك بحجة أن هذا الرجل غير كفؤ لها. وقد سبب هذا الخلاف بين الأب وأسرته إشكالات عدة. والسؤال عمن هو الأحق بتزويج الفتاة الأب أم بنيه؟ وهل يحق للفتاة في هذه الحالة أن تقبل بهذا الزوج دون رضاء أبيها؟

من يحق له تزويج البنت ومدى حقها في اختيار زوجها

والجواب عن هذا من وجهين: الأول: من الأحق بالولاية في تزويج البنت؟ والثاني: مدى حق البنت في اختيار زوجها.

الأحق بالولاية في تزويج البنت:

وقبل الجواب عن هذا ينبغي تعريف الولاية:

ففي اللغة: هي النصرة وقيام الشخص بأمر غيره، وولي المرأة هو الذي يلي عقد النكاح عليها ولا يدعها تستبد بعقد النكاح دونه([1]).

وفي الاصطلاح: هي القدرة على إنشاء العقود والتصرفات، نافذة من غير توقف على إجازة أحد، فإن كانت متعلقة بشؤونه کتزويجه نفسه، أو التصرف في ماله فهي الولاية القاصرة، وإذا كانت متعلقة بشـؤون غيره كأن يزوج ابنته، أو حفيدته، أو يتصرف في ماله وأولاده فهي الولاية المتعدية([2]).

والولي هنا من تكون شفقته أشد، وأقـوى على المولى عليه، والأصل أن الوالدين أكثر شفقة وعطفًا وحنانًا على أولادهم من غيرهم بدليل الكتاب والسنة والمعقول.

أمـا الكتاب: فقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} [النساء:135] وقوله تعالى في حق النبي زكريا: {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى} [الأنبياء:90] وقوله على لسان نبيه إبراهيم {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ} [إبراهيم:39].

ففي الآية الأولى أمر بأن يشهد الإنسان على نفسه “أي ولده” رغم شفقته وعطفه عليه، وذلك لعظم أمر العدل وعدم المحاباة فيه، وفي الآيتين الأخريين دلالة على أن الولد هبة من الله للوالد، فكانت ولايته على الولد لقـربه المطلق منه، أولى من ولاية غيره عليه.

وقد علـم الله أن الوالدين يشفقون على أولادهم بما تقتضيه هذه الشفقة من تربيتهم، ومحبتهم والإنفاق عليهم، وحمايتهم في صغرهم، فأوجب على أولادهم برهم والإحسان إليهم، جزاء لهم علی ما فعلوه لهم في صغرهم فقال عز وجل: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء:23]، {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء:24]، وقوله تعالي: { وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير} [لقمان:14]

{وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان:15] وقوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي} [الأحقاف:15]

فهذه الآيات تدل بمفهوم الموافقة على أن الوالد يحب ولده ويشفق عليه، فوجب إذا على ولده أن يبره ويرحمه ويشكره كما يشكر الله، ويعامله بالمعروف حتى ولو كان هذا يريد صرفه إلى الإشراك بالله.

أما السـنة: فقد دلت الآثار والوقائع على أن الوالد بطبيعته يشفق على ولده، كشفقته على نفسه لكونه جزءًا منه، وفي هذا قال رسول الله ﷺ ( فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني)([3])، وفي هذا أيضا روي عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: جاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَها، فأطْعَمْتُها ثَلاثَ تَمَراتٍ، فأعْطَتْ كُلَّ واحِدَةٍ منهما تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إلى فِيها تَمْرَةً لِتَأْكُلَها، فاسْتَطْعَمَتْها ابْنَتاها، فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتي كانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَها بيْنَهُما، فأعْجَبَنِي شَأْنُها، فَذَكَرْتُ الَّذي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ: “إنَّ اللَّهَ قدْ أَوْجَبَ لَها بها الجَنَّةَ، أَوْ أَعْتَقَها بها مِنَ النّارِ”([4]). وفي مثال آخر روى عبدالله بن أوفى قال: كنا عند النبي ﷺ فأتاه آت فقال: شاب يجود بنفسه فقيل له قل لا إله إلا الله فلم يستطع، فقال: «كان يصلي؟، فقال نعم فنهض رسول الله ﷺ ونهضنا معه فقال له: قل لا إله إلا الله، فقال لا استطيع، قال: «لم؟، قال كان يعق والدته، فقال النبي ﷺ «أحية والدته؟، قالوا نعم قال: «ادعوها» فدعوها فجاءت فقال «هذا ابنك؟»، فقالت نعم، فقال لها: «أرأيت لو اججت نار فخمة فقيل لك: إن شفعت له خلينا عنه، وإلا أحرقناه بهذه النار أكنت تشفعين له؟، قالت: يا رسول الله إذن أشفع له، قال «فأشهدي الله وأشهديني أنك قد رضيت عنه، قالت: اللهم إني أشهدك وأشهد رسولك أني قد رضيت عن ابني، فقال رسول الله ﷺ «يا غلام قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن مـحـمـدًا عبده ورسوله فقالها»، وفي هذه القصة روايات منها أن الغلام كان يفضل زوجته على أمه، وأن أمه لما قيل لها في مسألته قالت يا رسول الله وكيف أحرق ولدي بالنار([5])، وفي هذا دلالة على أن الوالد يظل يشفق على ولده، ولو كان هذا لا يشفق عليه.

أما المعقول: فإن الولد جزء من والده لخروجه المادي من صلبه، وبحكم هذه الجزئية يحب ولده، ويشفق عليه كما يشفق على نفسه، بل أكثر من ذلك لما يري في ولده من استمرار ذاته، واستمرار وجوده بعد مماته، وإشفاق الوالد على ولده ليس في البشر وحدهم، بل في كل الكائنات الحية من حيوان وطير وخلافه، ومادام الحال بهذه الصورة، فإن ولاية الأب على ولده إلي المرحلة التي يحتاج فيها إلى هذه الولاية أمر تقتضيه الفطرة ويقتضيه الشرع، ما لم يكن ثمة أسباب تنفي هذه الولاية، كما سنرى.

وقد تعرض الفقهاء للأحق بالولاية في التزويج:

ففي مذهب الإمام أبي حنيفة: النكاح عقد إضرار في جانب النساء إلا أنه تثبت الولاية للأب والجـد بالنص والإجماع لكمال شفقتهما، وشفقة غير الأب والجد قاصرة، وقرب القرابة من الأب والجـد سبب زيادة الولاية وهي ولاية الإلزام. . ونقص قرابة الأخ يشعر بقصور الشفقة([6]).

وفي مذهب الإمام مالك: لا يجبر أحد أحدًا على النكاح عند مالك إلا الأب في ابنته البكر وفي ابنه الصغير([7]). وإذا خطبت البكر إلى أبيها فامتنع الأب من إنكاحها أول ما خطبت إليه، وقالت البنت وهي بالغة زوجني و رفعت أمرها إلى السلطان، هل يكون رد الأب الخاطب الأول إعضالًا لها؟ وهل للسلطان أن يزوجها إذا أبي الأب؟ قال الإمام سحنون في روايته عن الإمام عبدالرحمن بن قاسم «إن عرف عضل الأب إياها وضرورته إياها لذلك ولم يكن منعه ذلك نظرًا إليها، أرأيت السلطان إن قامت الجارية بذلك، وطلبت نكاحه، أن يزوجها السلطان إذا علم أن الأب إنما هو مضار في رده، وليس بناظر لها؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار»([8])، وإن لم يعرف فيه ضرر لم يهجم السلطان على ابنته في إنكاحها حتى يتبين له الضرر.

قلت: أرأيت البكر إذا رد الأب عنها خاطبًا واحدا أو خاطبين، وقالت الجارية في أول من خطبها للأب زوجني، فإني أريد الرجال، وأبى الأب، أيكون الأب في أول خاطب رد عنها معضلا لها؟ قال: أرى أنه ليس يكره الآباء على إنكاح بناتهم الأبكار؛ إلا أن يكون مضارًا أو معضلًا لها. . . . »([9]).

وفي مذهب الإمام الشافعي: لا ولاية لأحد مع الأب، فإذا مات فالجد أبو الأب، فإذا مات فالجد أبو الجد؛ لأن كلهم أب، وكذلك الأباء؛ وذلك أن المزوجة من الأباء، وليست من الإخوة. وللأب وإن علا تزويج البكر دون إذنها بشروط سبعة:

الأول: ألا يكون بينهما عداوة ظاهرة.

والثاني: أن يزوجها من كفء.

الثالث: أن بزوجها بمهر مثلها.

الرابع: أن يكون المهر من نقد البلد.

الخامس: ألا يكون الزوج معسرًا بالمهر.

السادس: ألا يزوجها بمن تتضرر بمعاشرته كالأعمي أو الشيخ الهرم.

الشرط السابع: ألا يكون قد وجب عليها نسك فإن الزوج يمنعها لكون النسك على التراخي، وإذا دعيت إلى زوج كفء، وامتنع الولي من تزويجه فيعد عاضلًا، ولكن لو عينت كفؤا، وأراد الأب أو الجـد المجير كفؤا غيره، فله ذلك في الأصح؛ لأنه أكمل نظرًا منها([10]).

وفي مذهب الإمام أحمد: إن أحق الناس بنكاح المرأة الحرة أبوها، ثم أبوه وإن علا، ثم ابنها وابنه وإن سفل، ثم أخوها لأبيها وأمها، لا خلاف في تقديمه بعد عمودي النسب لكونه أقرب العصبات([11]).

قلت: والأصوب -والله أعلم- أن الأب العامل العارف وإن علا أحق من غيره في ولايته على ابنته عملا بالكتاب والسنة والمعقول، ذلكم أنه يظل بلا منازع أکثر عطفا وشفقة عليها من أخيها وأخواتها، وقد دلت الوقائع المسموعة أن كثيرا من إخوان المرأة يتخلون عنها حال حاجتها لهم، أو على الأقل لا تكون عندهم الشفقة التي تكون عند الأب، فوجب عندئذ بحكم الشرع والفطرة أن يكون الأب وإن علا هو الولي، ولا ولايـة للأخ إلا في حال عدم وجوده، أو فقده لأهليته الشرعية.

مدى حق البنت في اختيار زوجها:

والمقصود بالاختيار هنا مدى حقها في تزويج نفسها، وعامة الفقهاء على أنه لا يصح نكاحها إلا بولي ما عدا الإمام أبا حنيفة وأبا يوسف فعندهما ينعقد نكاح الجارية العاقلة البالغة برضاها، وإن لم يعقد عليها ولي، وعن أبي يوسف رواية أخرى أن نكاحها لا ينعقد إلا بولي، وعند محمد ينعقد موقوفًا.

واستدلوا على صحة انعقاد النكاح دون الولي، بقول النبي ﷺ «الأيم أحق بنفسها من ولـيـهـا والـبـكـر تستأذن في نفسها وإذنها صماتُها»([12])، والأيم هذا اسم لامرأة ليس لها زوج سواء كانت بكرًا أو ثيبًا، كما استدلوا بما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها أخبرت أن فتاة اسمها الخنساء دخلت عليها فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع خسیسته وانا كارهة، فقالت اجلسي حتى يأتي رسول الله ﷺ فجاء -عليه الصلاة والسلام- فاخبرته فأرسل إلى أبيها فجعل الأمر لها (أي خيرها رسول الله ﷺ) فقالت يارسول الله قد أجزت ما صنع أبي، وإنما أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء([13]). ووجه الاستدلال كما يری الأحناف أن الحـديث يفيد بعمومه أن الحق للأب هنا حق استحباب وليس حق مباشرة.

كما استدلوا على انعقاد نكاحها دون الولي أنها تتصرف في خالص حقها، وهي من أهله لكونها عاقلة مميزة، ولهذا كان لها التصرف في المال، ومع أنه في ظاهر الرواية لا فرق بين الكفء، وغيره إلا أن للولي الاعتراض في غير الكفء وقد روى هذا القول عن الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف.

وفي المذهب أشير آنفا إلى أنه يجوز نكاح الصغير والصغيرة إذا زوجهما الـولي (العصبة) بكرا كانت الصغيرة أو ثيبًا؛ لأن النكاح يتضمن المصـالح ولا تتوافر هذه إلا بين المتكافئين عادة، فأثبتت الولاية في الصغر إحرازا للكفء، فإذا زوج الأب أو الجد الصغيرة أو الصغير، فلاخيار لـهـمـا بعـد البلوغ؛ لأنهما (الأب والجد) كاملا الرأي، وافرا الشفقة، فيلزم العقد برضاهما([14]).

وفي مذهب الإمام مالك: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها، أو ذوي الرأي من أهلها، أو السلطان؛ استدلالًا بقول رسول الله ﷺ لا نكاح إلا بولي([15])، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل”([16]). وعلى هذا لا تعقد المرأة النكاح على نفسها ولا على غيرها سواء كانت بكرا، أو ثيبا، أو شريفة، أو دنيئة، أو رشيدة، أو سفيهة، وسواء أذن لها وليها، أو لم يأذن، لا يجوز ذلك بوجه، ويزوج السلطان البالغة عند عدم الولي أو عضله أو غيبته([17]). وفي الرد على من قال بانعقاد النكاح دون الولي استدلالًا بقول رسـول الله ﷺ: «الأيم أحق بنفسها والبكر تستأذن في نفسها وأذنها في صماتها»، قالوا في المذهب ردًا على هذا: إنه لما صح قول النبي ﷺ: “لا نكاح إلا بولي”([18])، مع غيره من الأحاديث الدالة على اشتراط الولي، تعين أن المراد أحق بالرضـا دون العقد، وأن حق الولي في العقد، ودل أفعل التفضيل المقتضي المشاركة أن لوليها حق آكد، وحقها ألا يتم ذلك إلا برضاها، ومعنى استئذان البكر من خلال صماتها أن وليهـا أحق بها من نفسها؛ لأن الشيء إذا قيد بأخص أوصافه دل على أن ما عداه بخلافه، وقد شرع للولي استئذانها تطيبا لها، لا وجوبا بدليل جعله صماتها إذنها، والصمات ليس بإذن وإنما جعل بمنزلة الإذن؛ لأنها قد تستحي أن تفصح([19]).

وفي مذهب الإمام الشافعي: لا نكاح إلا بولي([20]) وذكر الإمام قوله الله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة:232]، وقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} [النساء:34]، وقال الإمام زعم بعض أهل العلم بالقرآن أن معقل بن يسار كان قد زوج أختًا له ابن عم لها، فطلقها ثم أراد الزوج وأرادت نكاحه، بعد مضي عدتها فأبى معقل وقال زوجتك، وأثرتك على غيرك فطلقتها، لا أزوجـكهـا أبـدًا، فنزل: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ} يعني الأزواج و النساء {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} يعني فانقضى أجلهن يعني عدتهن «فلا تعضلوهن» يعني أولياءهن {أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} إن طلقوهن ولم يبتوا طلاقهن، وما أشبه معنى ما قالوا من هـذا بما قالوا، ولا أعـلم الآية تحتمل غيره؛ لأنه إنما يؤمر بـألا يعضل المرأة من له سبب إلى العضل بأن يكون يتم به نكاحها من الأولياء، والزوج إذا طلقها فانقضت عدتها فليس بسبيل منها فيعضلها، وإن لم تنقض عدتها فقد عليها أن تنكح غيره وهو لا يعضلها عن نفسه، وهذا أبين ما في القرآن من أن للولي مع المرأة في نفسها حقا يحرم وإن على الولي ألا يعضلها إذا رضيت أن تنكح بالمعروف([21]).

ثم قال الإمام وجاءت السنة بمثل معنى كتاب الله عز وجل حيث قال رسول الله ﷺ أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، ثلاثًا([22])، فإن أصابها فلهـا الصداق فبما استحل من فرجها، كما أن عمر -رضي الله عنه- رد نكاح امرأة نكحت بغير ولي، فقد جمعت الطريق ركبًا فيهم امرأة ثيب، وولت رجلًا منهم أمرها، فزوجها رجلًا فجلد عمر -رضي الله عنه- الناكح ورد نكاحها([23]).

 وفي مذهب الإمام أحـمـد: الولي شرط من شروط النكاح استدلالًا بالأحاديث السابقة، فإن زوجت المرأة نفسها أو غيرها لم يصح؛ لعدم وجود الولي وهو شرط لصحته([24]).

قلت: وينبني على أقوال عامة الفقهاء – باستثناء الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف فيما روي عنهما- عدم صحة انعقاد النكاح دون ولي، وهذا هو الأصح. والله أعلم.

فمن حكمة الله تعالى أن جعل للرجال على النساء قوامة لما تقتضيه طبيعتهن من حمل الرجـال لهذه القوامة، وهذا لا يعد إنقاصًا لحقوقهن كما يظن أولئك الذين تختلط عليهم المفاهيم، وإنما هو تكريم لهن، وإشفاق عليهن من التعرض للأضرار والمخاطر.

وقيام الولي بعقد النكاح ومباشرته فيه مصلحة ظاهرة للمرأة فمن طبيعتها عدم الاختلاط بالرجال، والاحتكاك بهم مما لا يمكنها من معرفة دواخلهم وتصرفاتهم وسلوكهم، ولا شك أن إعطائها حق الولاية على نفسها يعرض حياتها الزوجية للخطر والضرر، فإذا قام الولي بمباشرة عقدها انتفى في الغالب هذا الخطر، وقد دلت الوقائع المسموعة أن زواج الفتيات اللاتي يرغمن أولياءهن نفسيا على قبول أزواج يختارونهن إما بطريق الاتصال وإما بالسماع يكون مصيره في الغالب الفشل.

لهذا فإن الأصح والأوفق للفطرة ولشريعة الله أن يتولى ولي المرأة مباشرة عقد موليته، ويستأذنها فيه إن كانت ثيبًا أو بكرًا، فتتحقق عندئذ حمايتها وصيانة عرضها، وهذا هو ما تريده الفتاة ويريده أهلها ومجتمعها.

وخلاصة المسألة: أن الولي هـو مـن تـكـون شفقته أشد وأقوى على المولى عليه، والأصل أن الـولـديـن أكـثـر شفقة، وعطفًا وحنانًا على أولادهم من غيرهم بدليل الكتاب والسنة والمعقول، ولعلم الله تعالى أن الوالدين يشفقون على أولادهم بما تقتضيه هذه الشفقة من تربيتهم ومحبتهم والإنفاق عـلـيـهـم وحـمـايـتـهـم أوجب على أولادهم برهم والإحسان إليهم في كبرهم جزاء لهم على ما فعلوه لهم في صغرهم. وعلى هذا فإن الأب العاقل العارف (وإن علا) أحق من غيره في

الولاية على ابنته، ذلك أنه أكثر عطفا وشفقة عليها من أخيها وإخوانها، وفي المسألة محل البحث، لا حل لأخي البنت أو إخوانها في ولايتها ما دام أن أباها حي، ويتمتع بأهليته الشرعية.

أما عن مدى حق الفتاة في اختيار زوجها فقد دل الكتاب والسنة وأقوال الفقهاء على عدم صحة انعقاد النكاح دون ولي، وأنه لا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها، فإن فعلت ذلك فنكاحها باطل.

والله أعلم.

 

([1])  لسان العرب ج15،ص ٤٠٧، والمعجم الوسيط مادة (ولي)

([2]) الفقه المقارن للأحوال الشخصية لبدران أبو العينين ص١٣٤.

([3]) متفق عليه، أخرجه البخاري في کتاب فضائل الصحابة، باب مناقب قرابة رسول ﷺ ورقمه (2714)، فتح الباري ج7 ص97

([4]) أخرجه مسلم، (٢٦٣٠).

([5])  اتحاف السادة المتقين الزبيدي، ج۱۰، ص ٢٧٦، قال الألباني في ضعيف الترغيب، (١٤٨٧): ضعيف جداً.

([6]) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاسائي ج2 ص ۲۳۸، وانظر كشف الحقائق للافغاني مع شرح الوقاية لعبيد الله بن مسعود، ج۲، ص۱6۸-169.

([7]) المدونة الكبرى للإمام مالك بن أنس رواية الامام سحنون عن الإمام ابن قاسم ج2 ص100-103.

([8]) أخرجه ابن ماجه في كتاب الأحكام باب من بنى في حقه ما يضر بجاره برقم (٢٣٤٠) ج2 ص ٢٨٤ قال محمد فؤاد عبدالباقي في تعليقه على الحديث في الزوائد في حيث عبادة هذا إسناد رجاله ثقات إلا انه منقطع،؛ لأن إسحاق بن الوليد. قال الترمذي وابن عدي لم يدرك عبادة ابن الصامت وقال البخاري لم يلق عبادة.

([9]) المدونة الكبري للإمام مالك رواية الإمام سحنون عن الإمام ابن قاسم ج۲ ص۱0۷. وانظر الكافي في فقه أهل المدينة المالكي للقرطبي، ص۲۳۱، والفواكه الدواني علي رسالة ابن أبي زيد القيرواني للنفراوي ج۲، ص4-5، وشرح منح الجليل علي مختصر خليل لعليش، ج۳، ص۲۷۲ -۲۷۳، وعقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس ج۲، ص١٦

([10]) الأم للإمام الشافعي ج5، ص۱۳، وانظر مغني المحتاج إلى معرفة معالي الفاظ المنهاج للخطيب ج۳، ص١٤٩، وتحفة الحبيب على شرح الخطيب للبجيرمي ج3، ص ٣٥٠ وفتح الوهاب بشرح منهج الطلاب، ج۱، ص٣٦، وقليوبي وعميرة ج۳، ص۲2۹ والإقناع في حل الفاظ أبي شجاع للخطيب، ج۱، ص۱۲۷

([11]) المغني والشرح الكبير، لمحمد وعبدالرحمن ابني قدامة ج6، ص۲۸۳، ج7، ص346 -347، وانظر الإنصاف للمرداوي ج۸، ص5۲ وما بعدها، وكتاب الفروع لابن مفلح ج5، ص۱۷۸، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي ج۳، ص۱۷ وما بعدها.

([12]) أخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت ج9 ص 203-204.

([13])  أخرجه النسائي في كتاب النكاح، باب الثيب يزوجها أبوها وهي كارهة ج6 ص ٨٦، ورواه أبو داود في كتاب النكاح باب في الثيب برقم (۲۱۰۱) ج۲ ص ۲۳۳، قال شعيب الأرنؤوط في تخريج المراسيل لأبي داود، (١/١٩٦): سنده صحيح [وورد] عن بريدة وإسناده صحيح على شرط مسلم.

([14]) الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني ج1، ص١٩٦-٢٠٠، وحاشية رد المحتار على الدر المختار، ج3، ص55-59، وشرح فتح القدير ج3، ص ٢٥٥-٢٥٨، وكتاب المبسوط للسرخسي ج5، ص٢-٥، ج۳، ص٢۱۳-٢١٤.

([15]) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب من قال لا نكاح إلا بولي، فتح الباري، ج9، ص88. أخرجه الترمذي في كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي، سنن الترمذي ج3 م٤٠٧، ورقمه (۱۱۰۱) وأخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب في الولي، ورقمه (۲۰۸5)، وأخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، ورقمه (۱۸۸۱)، صححه علي بن المديني في السنن الصغير للبيهقي، (٣/١٧).

([16]) أخرجه الترمذي في كتاب النكاح باب ما جاء لا نكاح إلا بولي برقم (1102)، سنن الترمذي، ج3، ص 407ـ 408، صححه الألباني في إرواء الغليل، (١٨٤٠).

([17]) شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك ج3، ص ١٦٤، وعقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شـاس، ج۲، ص۱۳، والكافي في فقه أهل المدينة المالكي للقرطبي ص٢٣١، والفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني للنفراوي ج۲، ص5. والمدونة الكبرى رواية الإمام سحنون عن ابن قاسم، ج۲، ص۱۰۰-۱۰۳

([18]) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب من قال لا نكاح إلا بولي، فتح الباري، ج9، ص88. أخرجه الترمذي في كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي، سنن الترمذي ج3 م٤٠٧، ورقمه (۱۱۰۱) وأخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب في الولي، ورقمه (۲۰۸5)، وأخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، ورقمه (۱۸۸۱)، صححه علي بن المديني في السنن الصغير للبيهقي، (٣/١٧).

([19]) انظر شرح الزرقاني على الموطأ ج3 ص١٦٤-١٦٥.

([20]) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب من قال لا نكاح إلا بولي، فتح الباري، ج9، ص88. أخرجه الترمذي في كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي، سنن الترمذي ج3 م٤٠٧، ورقمه (۱۱۰۱) وأخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب في الولي، ورقمه (۲۰۸5)، وأخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، ورقمه (۱۸۸۱)، صححه علي بن المديني في السنن الصغير للبيهقي، (٣/١٧).

([21]) الام للإمام الشافعي ج5، ص۱۲-۱۳

([22]) أخرجه الترمذي في كتاب النكاح باب ما جاء لا نكاح إلا بولي برقم (1102)، سنن الترمذي، ج3، ص 407ـ 408، صححه الألباني في إرواء الغليل، (١٨٤٠).

([23]) الأم ج 5 ص12 ـ ۱۳، وانظر قليوبي وعميرة ج۳، ۲۲۱، قال شعيب الأرنؤوط في تخريج شرح السنة، (٩ / ٤٢): رجاله ثقات إلَّا أنَّه منقطع.

([24]) شرح منتهى الإرادات للبهوتي ج۳، ص١٦-١٧، وانظر المبدع في شرح المقنع لابن مفلح ص27-29.