ومفاد المسألة سؤال يقول: إن زوجًا تولد له بنات فيستاء من ذلك، ويصاب بالهموم، وكثيرًا ما يشعر زوجته أنها السبب في ذلك، مما يؤدي إلى مضايقتها وإيلامها نفسيًا، حتى إنها تفكر في طلب الطلاق منه بغية الخلاص مما تعانيه، فما حكم ما يفعله الزوج؟

حكم من يستاء عندما تولد له بنات ويعتقد أن السبب يعود إلى زوجته

والجواب: أن هذا الفعل من الزوج يعد من بقايا العهود الجاهلية التي كانت فيها بعض القبائل العربية، تنظر إلى المرأة نظرة احتقار بعد أن سيطرت عليها أوهام بأنها مصدر هوان وعار، فعملت على دفن البنات -وهن أحياء- في مشاهد انتزعت فيها الرحمة، وسيطرت فيها كل مشاهد العنف والقسوة، ومـن بقي عنده قليل من الرحمة كان يتمنى أن تموت ابنته موتة طبيعية، فيتخلص مما يعانيه من حياتها، ولما خطبت ابنة عقيل بن علفة قال:

إني وإن سيق إلي المهر   ألف وعبدان وخور عشر

أحب أصهاري إلي القبر…

أما الآخر فقال:

لكل أبي بنت يراعي شئونها       ثلاثة أصهار إذا حمد الصهر.

فبعل يراعيها وخدر يكنها       وقبر يواريها وخيرهم القبر

وقد وصف اللـه مـا يفعله أهل الجاهلية شر وصف، وذمه أسـوأ ذم؛ فأخبر أن الواحد منهم إذا علم بولادة بنت له، استاء مما علم وامتلأ من الغم ثم يختفي من قومه، بسبب ما أصابه من الحزن، فما يدري ما يفعل بوليدته، أيمسكها على هوان يتصوره من حياتها، أم يعمل على دفـنـها في التراب، قال تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم} [النحل:58]، {يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُون} [النحل:59]، وقد توعـد الله تعالى قاتل ابنته بقوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَت} [التكوير:8]، {بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَت} [التكوير:9]، وعند السؤال لن يكون للقاتل عذر يعتذر به؛ لأن المقتولة ليس لها ذنب، فيكون قتله لها بغير حق، وعندئذ يحق عليه العذاب، وقد بين الله تعالى أن مسألة الذكر والأنثى هبة من الله لعلم يعلمه، وقدر يقدره، قال تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُور} [الشورى:49]، {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِير} [الشورى:50]، وبهذا ليس للزوج أو الزوجة خيار فيما يولد لهما من ذكر أو أنثى؛ لأن خلق هذا أو تلك مسألة لا إرادة ولا اختيار فيها للمخلوق، قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ} [القصص:68]، وقد يرى الوالد أن الذكر خير له، ولكنه لايدري ما سيكون عليه أمره من الفساد، وقد قال الله تعالى عن ابن نبيه نوح: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِين} [هود:46].

وقد يستاء الوالد من الأنثى، ولكنه لايدري ما سيكون عليه أمرهـا من الصلاح، وقد قال الله تعالى عن أمـرأة فرعون: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين} [التحريم:11]، وقال تعالى عن مريم ابنة عمران: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِين} [التحريم:12].

لقد كرم الإسلام المرأة، وأعلى من شأنها؛ خلافًا لما كان عليه أمرها في جاهلية العرب، وغيرهم من الأمم الغابرة ممن كانوا يرون في المرأة شرًا، فقد حدثت عائشة -رضي الله عنها- قائلة: جاءتني امرأة ومعـها ابنتـان تسألني فلم تجـد عندي غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها، فأخذتها فقسمتها بين ابنتيها، ولم تأكل منها شيئًا، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي ﷺ فحدثته فقال: «مَن يَلِي مِن هذِه البَناتِ شيئًا، فأحْسَنَ إلَيْهِنَّ، كُنَّ له سِتْرًا مِنَ النّار([1])« وفي حديث آخر عن انس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ: «مَن عالَ جارِيَتَيْنِ حتّى تَبْلُغا، جاءَ يَومَ القِيامَةِ أنا وهو وضَمَّ أصابِعَهُ«([2]).

وروى أبوهريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: « مَن كانت له ثلاثُ بناتٍ، أو ثلاثُ أَخَواتٍ، أو ابنتانِ، أو أُخْتانِ فأَحْسَنَ صُحْبَتَهُنَّ، واتَّقى اللهَ فيهِنَّ، فله الجنةُ «([3]).

نعم لقد كرم الإسلام المرأة، وهدم عادات الجاهلية وتقاليدها: فحرم الإسلام وأدها وفي ذلك قال رسول الله ﷺ: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ومنعًا وهات ووأد البنات«([4])، وقد رأينا في الآيات السابقة ما وصف الله به أهل الجاهلية من سوء الفعل ببناتهم، وما سينالونه من سوء العاقبة.

وحرم الاسلام عـضـل المـرأة، خلافًا لما كـان يـفـعـلـه أهل الجاهلية، من منع المطلقة من الزواج، حتى تدفع للذي طلقها كل ما يطلبه من المال، وخلافا لما كان الأب أو الأخ يتحكم في أمر البـنـت، فـيـمـنـعـها من الزواج، أو يزوجها ممن يشاء، وفي هذا قال تعالى: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:232]، وحرم الإسلام إرثها كرهـا، عندما كان أحد ورثة زوجها المتوفى يلقي عليها ثوبًا، فيقول: ورثتها، كما ورثت مال زوجها، وفي هذا قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا} [النساء:19].

لقـد نظر الإسلام إلى المرأة على أنها أم تستحق كل الرعاية فجعل حقها مضاعفا عن حـق الأب، وفي هـذا قال رسول الله لرجل سأله عمن أحق بحسن الصحبة، فقال له -عليه الصلاة السلام-: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك»([5])، ونظر الإسلام إلى المرأة على أنها زوجة لها حق النفقة، وحق الإرث، وحق طلب الطلاق في حالات معروفة، إضافة إلى العديد من الحقوق الزوجية المعروفة في مبادئ الإسلام، ونظر الإسلام إلى أنها جزء مهم في الحياة، فقال رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وهو يودع أمته في حجة الوداع في خطبته الشهيرة: «واستوصوا بالنساء خيرًا»([6]).

وينبني على هذا أن ما يفعله الزوج في المسألة يعد من بقايا الجاهلية، وعاداتها المحرمة، وأن مضايقته لزوجته اعتقادًا منه بأنها السبب فيما يولد له من البنات، يعد أيضا أمرًا محرما، وأن الواجب يقتضي منه الخلاص من هذا الاعتقاد، وأن يؤمن أن ما يولد له من الإناث دون الذكور هو بإرادة الله، وأن ذلك قد يكون خيرا له به بدلالة قول الله تعالى: { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُون} [البقرة:216]، وقوله تعالى: {فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء:19].

وخلاصة المسألة: أن مسألة الذكر والأنثى هبة من الله، لعلم يعلمه وقدر يقدره، وليس للزوج أو الزوجة خيار فيما يولد لهما من ذكر أو أنثى؛ لأن ذلك من إرادة الخالق وحده.

وقد كرم الإسلام المرأة، وأعلى شـأنهـا، وهدم عادات الجاهلية وتقاليدها، وأن ما يفعله الزوج في المسألة، يعد من بقايا الجاهلية وعاداتها المحرمة، وأن مضايقته لزوجته، واعتقاده أنها السبب فيما تولد له من الإناث يعد أيضًا محرمًا، وأن الواجب يقتضي منه الخلاص من هذا الاعتقاد، وأن ما يولد له من الإناث، قد يكون خيرا له.

والله أعلم.

([1]) أخرجه البخاري في كتاب الادب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته ج۷ ص ٧٤.

([2]) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة باب فضل الإحسان إلى البنات، شرح النووي على مسلم ج١٦ ص ۱۸۰.

([3]) أخرجه الترمذي في سننه في كتاب البر والصلة باب ما جاء في النفقة على البنات والأمهات برقم (١٩١٦) ج4 ص282، ضعفه الألباني في ضعيف الجامع ، (٥٨٠٨).

([4]) أخرجه البخاري في كتاب الادب، باب عقوق الوالدين من الكبائر برقم (٥٩٧٥) فتح الباري ج 10 ص419.

([5]) رواه البخاري في كتاب الادب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة؟ برقم (٥٩٧١). فتح الباري ج10 ص 415.

([6]) أخرجه مسلم في كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء صحيح مسلم بشرح النووي ج 10 ص ٥٧ ـ ٥٨.