والجواب: إن تنشئة الولد وتربيته أساس في سلامة شخصِه، وسلامة سلوكه، واستقامة خُلُقِهِ فمن الواضح أن الولد في سنينه الأولى لا يدرك ما يضره وما ينفعه، فهو بالتأكيد يحتاج إلى ملاحظة وتوجيه فيؤمر بما يجب أن يؤمر به، وينهى عما يجب أن ينهى عنه.
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كـان عـوده أبـوه
ومسئولية الوالد عن ولده مسئولية كبرى ليست محصورة في غذائه وكسائه وشرابه، بل تشمل تنشئته وتربيته على أسس صحيحة، وهذه المسئولية أصعب من الإنفاق عليه، فقد يعيش على البسيط من القوت، ولا يخسر في هذا شيئًا يذكر، ولكن خسارته في تربيته لا يعوضها شيء، والذين ضلوا سواء السبيل في حياتهم، هم بلا شك الذين فقدوا التربية الصحيحة، وقد اهتم الفقه الإسلامي بتربية الولد وتنشئته، وفي ذلك يقول الإمام الغزالي: “اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها، والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نُقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عود الخير وعُلمه نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبوه، وكل معلم له ومؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم، شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له، وقد قال الله عزوجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم:6]، ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى، وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من القرناء السؤء”([1]).
وفي مذهب الإمام أبي حنيفة: أن “الغلام إذا استغنى (أي بلغ سبع سنين) يحتاج إلى التأديب والتخلق بأخلاق الرجال، وتحصيل أنواع الفضائل، واكتساب أسباب العلوم، والأب على ذلك أقوم وأقدر مع أنه لو ترك في يدها (أمه) لتخلق بأخلاق النساء، وتعود بشمائلهن وفي هذا ضرر.
وهذا المعنى لا يوجد في الجارية، فتترك في يد الأم بل تمس الحاجة إلى الترك في يدها إلى وقت البلوغ، لحاجتها إلي تعلم آداب النساء، والتخلق بأخلاقهن وخدمة البيت، ولا يحصل ذلك إلا وأن تكون عند الأم، ثم بعد ما حاضت أو بلغت عند الأم. . . تقع الحاجة إلى حمايتها وصيانتها، وحفظها عمن يطمع فيها. . . فلا بد ممن يذب عنها، والرجال على ذلك أقدر”([2]).
ويجبر الأب أو الوصي على أخذ الولد بعد استغنائه؛ لأن نفقته وصيانته عليه بالإجماع، ومن ثم فهو أقدر على تأديبه وتعليمه، وإذا بلغت الجارية فالعصبة أولى يقدم الأقرب فالأقرب، وعند محمد تدفع إلى الأب إذا بلغت لتحقق الحاجة إلى الصيانة([3]).
وفي مذهب الإمام مالك: لا يجب التفريق بين الولد وأمه إلا أن تتزوج أو يحتاجها، ولكن يحق للأب تأديب ابنه بالنهار، وبعثه إلى الكتاب ثم يسلمه إلى أمه في الليل وحضانته، كما يحق له أن يؤدبه وهو عند أمه، أما البنت فتكون عند أمها حتى تبلغ النكاح فإذا بلغت وخيف عليها فينظر في أمرها، فإن كانت الأم في حرز فهي أحق بها حتى تنكح، وإن بلغت البنت ثلاثين أو أربعين سنة ما كانت بكرًا فأمها أحق بها، ما لم تنكح الأم أو يخف عليها، فعندئذ يكون أبوها أحق بها([4]).
وفي مذهب الإمام الشافعي: إذا افترق الأبوان وهما في قرية واحدة فالأم أحق بالولد ما لم تتزوج، فإذا بلغ أحدهم سبعًا أو ثمانَ سنين، وهو يعقل خُير بين أبيه وأمه، وكان عند أيهما اختار، فإن اختار الأم فعلى الأب نفقته، ولا يمنع من تأديبه والذكر والأنثى في ذلك سواء، ويخرج الغلام إلى الكتاب والصناع إن كان من أهلها، ويأوي عند أمه، وإن اختار الأب لم يكن لهذا منعه من أن يأتي أمه وتأتيه، وإن كانت بنتًا لم تمنع أمها من أن تأتيها. . ([5]).
وفي مذهب الإمام أحمد: إذا بلغ الغلام سبع سنين وهو عاقل واتفق أبواه أن يكون عند أحدهما جاز، فإن اختلفا في حضانته خيره الحاكم فكان مع من اختار منهما، والمستند في التخيير ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن زوجي يريد أن ينزع ابنه مني وأنه قد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة، فقال رسول الله ﷺ: ‹‹استهما عليه›› فقال الرجل: من يحول بيني وبين ابني؟ فقال النبي ﷺ: ‹‹اختر أيهما شئت›› فاختار أمه فذهبت به([6]).
ولا يخير الغلام قبل بلوغه سبع سنين، فإن اختار أباه كان عنده ليلًا ونهارًا ولا يمنع من زيارة أمه، فإن مرض كانت أحق بتمريضه في بيتها، وإن اختار أمه كان عندها ليلًا وعند أبيه نهارًا ليعلمه الصناعة والكتابة ويؤدبه.
وإذا بلغت الجارية سبع سنين فأكثر، فحضانتها لأبيها إلى البلوغ (وجوبًا)، وبعد البلوغ تكون عنده إلى الزفاف (وجوبًا)، والغرض من ذلك الحفظ؛ لأن الأب أحفظ لها فوجب أن تكون عند نظره، ولا تمنع الأم من زيارتها([7]).
قلت: ولعل ما ورد في المذهب الحنبلي في هذه المسألة هو الصواب فإذا بلغ الولد (ذكرًا أو أنثى) السابعة من عمره، فالحق أن أباه أولى به لكونه أقدر على حفظه وصيانته ومراقبة سلوكه؛ لأن الولد في صغره -سواء كان ذكرًا أو أنثى- لا يدري نفعه، ولا ضره، وهو يميل إلى الراحة، وعدم التعلم والأدب فلهذا يحتاج إلى من يحفظه ويعلمه ويؤدبه؛ ليكون ذلك أنفع له في دينه ودنياه، ولما كانت التربية والتعليم مهمة صعبة، فإن الأب أقدر عليها من الأم؛ لهذا ينبغي تسليم الابن والبنت إلى أبيهما إذا بلغا سبع سنين، لكي يقوم بتربيتهما وحفظهما.
ومع ما للأم من دور مهم في تربية ولدها إلا أن عاطفتها قد تغلب عليها، فتهمل ابنها أو بنتها فينقلب ما تريده من نفع لهما إلى ضرر قد لا تدركه إلا بعد فوات الوقت.
والحجج التي تذرعت بها أم الأولاد وأهلها في السؤال ليست واضحة، فإن كان الأب -مثلًا- غير صالح في نفسه فلا يحق له تربية أولاده؛ لأن الفاقد للشيء لا يعطيه، أما إن كان أهلًا لتربيتهم فله ذلك إذا بلغوا السابعة من عمرهم.
وخلاصة المسألة: أن تربية الولد (ذكرًا أو أنثى) أساس في سلامة شخصيته، وسلامة سلوكه واستقامته في خلقه. ولهذا فهو أمانة عند والديه وعليهما أداء هذه الأمانة. والولد في صغره لايدرك ما يضره وما ينفعه، وهو في سنيه الأولى يميل إلى الراحة، وعدم التعلم فلهذا يحتاج إلى من يحفظه ويعلمه ويؤدبه، ولما كانت التربية مهمة صعبة، فإن الواجب تسليمه إلى أبيه إذا بلغ سبع سنين لكي يقوم بتربيته؛ لأنه أقدر عليها من الأم، والحجج التي تذرعت بها الأم وأهلها في السؤال ليست واضحة، فإن كان الأب غير صالح في نفسه، فلا يحق له تربية أولاده أما إن كان أهلًا لتربيتهم فيكونون عنده في النهار، ويسلمهم لأمهم في الليل إذا كانوا في حضانتها، أما إن كانوا قد بلغوا سن السابعة من العمر، فيكونون عنده في النهار وفي الليل، وعليه تمكين أمهم من رؤيتهم.
والله أعلم.
([1]) إحياء علوم الدين للغزالي، ج3 ص71.
([2]) بدائع الصنائع للكاساني، ج4 ص42-44، وانظر شرح فتح القدير على الهداية لابن الهمام مع شرح العناية على الهداية للبابرتي، ج4 ص372، واللباب في شرح الكتاب للغنيمي، ج3 ص103.
([3]) حاشية رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين، ج3 ص566-568، وحاشية الطحطاوي على الدر المختار للطحطاوي، ج2 ص247.
([4]) المدونة الكبرى برواية سحنون، ج2 ص244-245، ومواهب الجليل للحطاب مع التاج والإكليل للمواق، ج4 ص214-215، وشرح منح الجليل لعليش ج4 ص421.
([5]) الأم للإمام الشافعي، ج5 ص92، دار المعرفة، بيروت، والمجموع شرح المهذب للنووي، ج18 ص336-340، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي،، ج7 ص233، والسراج الوهاج للغمراوي على متن المنهاج ليحيى النووي، ص475، والوجيز للغزالي، ج2 ص118.
([6]) أخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب من أحق بالولد برقم (2277)، سنن أبي داود ج2ص283-284، وأخرجه النسائي في كتاب الطلاق، باب إسلام أحد الزوجين وتخيير الولد، سنن النسائي ج6ص185-186، وأخرجه الإمام أحمد في المسند ج2ص447، قال شعيب الأرنؤوط في تخريج المسند لشعيب، (٩٧٧١): إسناده صحيح.
([7]) كشاف القناع للبهوتي، ج5 ص501، والمغني والشرح الكبير للإمام ابن قدامة، ج9 ص300، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي، ج3 ص265-266، ومطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى للرحيباني، ج5 ص670، وكتاب الفروع لابن مفلح، ج5ص620.