- والجواب على هذا من وجهين: الأول ألفاظ الطلاق وكناياته والثاني الظهار وألفاظه.
ألفاظ الطلاق وكناياته:
الطلاق يعني الفراق بين الزوج وزوجته، والإسلام -على خلاف ما يقول المغرضون- يحرص على دوام العلاقة بين الزوجين؛ لما فيها من المنافع لهما، وأولادهما ولما ينشأ عن فراقهما من مشكلات عديدة لكلاهما، ولهذا سمى الله العقد بينهما بالميثاق الغليظ، فقال عز وجل: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء:21]، وسمى رسول الله ﷺ الطلاق بالحلال البغيض فقال: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)([1])، ومن الفقهاء من جعل المعيار فيه “الحاجة” فإن لم تكن فلا يجوز([2])، والذين يتهاونون فيه بإطلاق ألفاظه صراحة أو كناية، في أي أمر بسيط يخطئون في ذلك؛ لأنهم بفعلهم هذا ينقضون الميثاق، ويقطعون ما جعله الله صلة لخلقه يتكاثرون به ويتناسلون اتباعًا لسنة الله فيهم.
والذين ينتقدون الإسلام صراحة أو تعريضًا في مسألة الطلاق -حتى من بنيه المفتونين بثقافة غيرهم- لا يدركون حكمة الإسلام في إباحته؛ فما أباح الله أو حرم شيئًا إلا وله حكمة، قد لا يدركها الإنسان بعقله البسيط، وإدراكه المحدود، فلهذا جعل الطلاق راحة للزوجين، عندما يصعب اجتماعهما وتوحدهما؛ ذلك أن الإنسان بطبعه لا يتعايش، ولا يتآلف مع شيء إلا عندما تطمئن نفسه وتسكن إليه، فإذا فقد هذا التعايش بات يكره من يعايشه، بل ربما يبلغ به هذا الكره إلى الضيق من نفسه، ومن حوله فتعتريه الكآبة ويصيبه المرض فيكون خيرًا له حينئذ أن يبدل من وضعه ويغير مجرى حياته، وفي ذلك خير له وخير لمن يعايشه، وقد اقتضت شريعة الله ألا يكون حق الطلاق للزوج وحده بل إن للزوجة حقها إذا شرطته، وحقها في الخلاص من عقد الزوجية عن طريق الخلع، وفقًا لضروراته وأسبابه، ومن المعلوم أن الطلاق ليس في ملة الإسلام وحدها، كما يتوهم المغرضون بل هو موجود في الديانات السابقة للإسلام، وموجود في العقائد والملل الأخرى، ويقع الطلاق بكل ما يدل عليه؛ فيكون باللفظ صراحة، كأن يقول الزوج لزوجته طلقتك أو أنت طالق، وقد ذكر الله هذا اللفظ في كتابه العزيز فقال: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [البقرة:229]، وقال: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء} [الطلاق:1]، وقد يكون بلفظ الفراق كقوله فارقتك لقول الله تعالى: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلًا مِّن سَعَتِهِ} [النساء:130]، وقد يكون بلفظ التسريح لقول الله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة:229]، ولكن هل يقع الطلاق بألفاظ الكناية كقول الرجل لزوجته أنت علي حرام؟ ذكر الإمام القرطبي آراء العلماء في ذلك فقال: إنها اختلفت فيه على ثمانية عشر قولًا منها: أن لا شيء عليه؛ لأن هذا القول مثل تحريم الماء والطعام، وقد نهى الله عن ذلك في قوله عزوجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ} [المائدة:87]، ومنها أن اليمين يكفر هذا القول، ومنها أنها تجب فيه كفارة وليست بيمين. . . إلخ. وسبب اختلافهم في هذه المسألة أنه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ نص ولا ظاهر صحيح يعتمد عليه فيها فتجاذبها العلماء لذلك([3]).
وفي مذهب الإمام أبي حنيفة أن الكناية نوعان: نوع هو كناية بنفسه وضعًا، ونوع هو ملحق بها شرعًا في حق النية.
أما الأول فهو كل لفظ يستعمل في الطلاق، ويستعمل في غيره مثل قول الزوج لزوجته أنت بائن، أنت علي حرام، خلية بريئة، بتة، أمرك بيدك، اختاري، اعتدي، استبرئي رحمك، سرحتك، وفارقتك. . . . وقد سمي هذا النوع كناية؛ لأن الكناية في اللغة اسم لفظ استتر المراد منه عند السامع وهذه الألفاظ مستترة عنده؛ فمثلًا قوله “أنت بائن” يحتمل البينونة عن النكاح، ويحتمل البينونة عن الخير أو الشر وقوله “وأنت علي حرام” يحتمل حرمة الاستمتاع، ويحتمل حرمة البيع والقتل والأكل ونحو ذلك، وقوله “بريئة” يحتمل البراءة من النكاح، ويحتمل البراءة من الخير أو الشر، وقوله “أمرك بيدك” يحتمل في الطلاق، ويحتمل في أمر آخر من الخروج والانتقال وغير ذلك؛ وهكذا في مختلف ألفاظ الكناية المتشابهة المحتملة لمعنيين عند السامع والحجة في ذلك أن صريح الطلاق هو اللفظ الذي لا يستعمل إلا في الطلاق عن قيد النكاح([4]).
وفي مذهب الإمام مالك: أن من قال لزوجته “أنت البتة” يلزمه الطلاق ولا تنفعه نيته ولو قال لم أرده.
أما الكناية فهي قسمان ظاهرة ومحتملة؛ فالظاهرة مثل سرحتك وفارقتك وأنت حرام وبتلة وبريئة وخلية وحبلك على غاربك، وأنت بائن وأنت كالميتة ولحم الخنزير والدم، فهذه الكنايات مثل اللفظ الصريح؛ لأنها لا تحتمل غير الطلاق.
أما الكناية المحتملة فقول الزوج لزوجته انصرفي واغربي، وأنت حرة ومعتقة ولست لي بامرأة والحقي بأهلك، فإن ادعى عدم الطلاق صُدق، وإن ادعى عددًا واحدة أو أكثر صُدق فإن ادعى أنه نوى الطلاق، ولم ينو عددًا لزمه الثلاث في الدخول بها وغيرها([5]).
وفي مذهب الإمام الشافعي: إذا قال الزوج لزوجته قد طلقتك أو قال سرحتك وقع الطلاق؛ لأن هذه الألفاظ واردة في القرآن ولا يحتاج في ذلك إلى النية، وإن قال لم أنو طلاقًا فهو دين بما بينه وبين الله عز وجل، وألزم في القضاء([6])، أما إن حرم زوجته ولم يقصد الطلاق ولا الظهار فعليه كفارة يمين.
وفي مذهب الإمام أحمد: ذكر القاضي أن ظاهر كلام الإمام أحمد والخرقي أن الطلاق يقع بهذه الكنايات من غير نية؛ لأنه اشتهر استعمالها فيه فلم تحتج إلى نية كالصريح، ومفهوم كلام الخرقي أنه لا يقع إلا بنية، والكناية ثلاثة أقسام: ظاهرة، ومختلف فيها، وخفية. فأما الظاهرة فمثل خلية وبرية وبائن. . . وأما المختلف فيها فهي على ضربين منصوص عليها مثل الحقي بأهلك، وأنت علي حرام. . . والضرب الثاني مقيس على هذه، وهي استبرئي رحمك. . . وأما الخفية فمثل: اخرجي وأذهبي واختاري([7]).
ومما سبق ذكره ورغم تباين الآراء حول ما إذا كان هذا اللفظ أو ذاك يعد طلاقًا صريحًا أو كناية، يتبين أن آراء الفقهاء متفقة على أن الطلاق الصريح، هو ما يفهم منه دلالة واضحة على الطلاق، كقول الرجل لزوجته “طلقتك” أو “أنت طالق”، أو نحو ذلك مما يشتق من هذا اللفظ. كما أن آراء الفقهاء متفقة على إلزام المطلق قضاء، بما يتلفظ به صراحة ولا ينفعه ادعاؤه بأنه لم يقصده أو لم ينوه.
أما إذا كان اللفظ من الكنايات فلا يقع به الطلاق قضاء إلا بالنية؛ ودليل ذلك قصة كعب بن مالك -رضي الله عنه- حين تخلف عن غزوة تبوك([8])، وأمْرُ رسول الله ﷺ له أن يعتزل امرأته، فقال: هل أطلقها أم ماذا أفعل؟ فقال له -عليه الصلاة والسلام-: (لا تقربها)، فقال كعب “ألحقي بأهلك”، فدل هذا على أن كعبًا قصد طلاقها بهذه الكناية، وعلى العكس من ذلك إذا كان من تلفظ بالطلاق كناية لا يقصده أو ينويه فلا يقع طلاقه قضاء، ونيته بينه وبين الله عز وجل، فإن أسر في نفسه غير ذلك فحسابه على الله.
قلت: ومن المشاهد والمحسوس أن بعضًا من الناس يستخدمون لفظ الطلاق صراحة أو كناية في غير ما يقصدونه؛ وذلك عندما يريدون التأكيد على أمر معين، ومن ذلك حلف أحدهم بالطلاق على آخر لكي يستضيفه أو يكرمه، وحلف أحدهم بالطلاق على ولده أو زوجه أن يفعل كذا أو كذا، وعندما يُسأل عما إذا كان يقصد الطلاق حقيقة يستغرب ذلك ثم يؤكد أن زوجته عزيزة عنده، ولا يتصور طلاقها منه. ولا شك أن هذه الألفاظ تقع في الغالب من العامة وقصدهم منها اليمين، وليس حقيقة الطلاق، ولهذا ينبغي أن يكون المعيار فيها “نية” الزوج، فإذا كان يقصد الطلاق وقع على الفور، أما إن كان لا يقصده، فعليه في هذه الحال كفارة يمين.
وينبني على ذلك أن الزوج في المسألة إذا كان يقصد طلاق زوجته بقوله “ما أنت على ذمتي”، فعندئذٍ تطلق زوجته، والأولى أن تكون طلقة واحدة، أما إذا كان لا يقصد طلاقها فلا تطلق قضاء، ونيته بينه وبين الله عزوجل، وعليه كفارة يمين.
الوجه الثاني الظهار وألفاظه:
الظهار أن يقول الرجل لزوجته: “أنت علي كظهر أمي” ونحو ذلك من الألفاظ المشابهة الدالة على تشبيه ما أحله الله للزوج بما حرمه عليه، مثل قوله لزوجته: أنت علي كجسد أمي، أو بنتي، أو عمتي، أو خالتي، أو ابنة أخي، أو نحو ذلك، والأصل فيه الكتاب والسنة.
أما الكتاب: ففي قول الله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُور} [المجادلة:2]، {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} [المجادلة:3].
وأما السنة: فما روته الصحابية خولة بنت مالك بن ثعلبة الأنصارية قالت: جئت أشكو إلى رسول الله ﷺ إن زوجي أوس بن الصامت قد ظاهر مني، فأخذ رسول الله يجادلني فيه، ويقول: (اتقي الله فإنه ابن عمك)، فما خرجت حتى أنزل الله قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} [المجادلة:1]، فقال -عليه الصلاة والسلام-: (ليعتق رقبة)، قالت: لا يجد، قال: (فيصوم شهرين متتابعين)، قالت: يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: (فليطعم ستين مسكينًا)، قالت: ما عنده شيء يتصدق به، قالت: فأتى ساعتئذٍ بعرق من تمر، قلت يا رسول الله: وأنا أعينه بعرق آخر، قال: (لقد أحسنت اذهبي فأطعمي عنه ستين مسكينًا)([9]).
وللظهار أحكام عدة تتعلق بالظهار نفسه وبالمظاهر من زوجته، وما يحرم عليه منها أثناء ظهاره، وما يجب عليه من الكفارة عن ظهاره. وسنتطرق إلى هذه الأحكام باختصار شديد.
فأما ما يتعلق بالظهار: فإن الله أبطله حين كان سائدًا في الجاهلية، وفي صدر الإسلام، فعلى هذا يعد استعمال لفظ الظهار ظهارًا، ولو ادعى من قاله أنه كان ينوي به الطلاق، وفي هذا قال الإمام ابن القيم: وهذا بالاتفاق إلا ما عساه من خلاف شاذ، وقد نص عليه أحمد والشافعي وغيرهما، وقال الشافعي ولو ظاهر يريد طلاقًا كان ظهارًا أو طلق يريد ظهارًا كان طلاقًا([10]).
كما أن الله حرم الظهار حين وصفه بالقول المنكر والزور، وما ذلك إلا لأن المظاهر حين يجعل زوجته مثل أمه في حرمتها، قد ارتكب قولًا منكرًا؛ لأن الأم هي محل ولادته، وليس محلها زوجته، كما أنه بظهاره، قد زور الحق وأتى بالباطل في قوله هذا، خلافًا للأمر الثابت فيما هو معروف لكل من الأم والزوجة من طبيعة وخصائص.
وأما ما يتعلق بالمظاهر: فلا يكون إلا من الزوج المسلم البالغ العاقل لزوجته التي عقد عليها عقدًا شرعيًا صحيحًا قائمًا، ويجب النظر إلى نيته ومراده من لفظه، ففي كشاف القناع إذا قال لزوجته “أنت عندي كأمي” كان مظاهرًا؛ لأنه شبه امرأته بأمه أشبه ما لو شبهها بعضو من أعضائها، وسواء نوى به الظهار أو أطلق؛ لأنه الظاهر من اللفظ “وإن قال أردت كأمي في الكرامة قُبِل حكمًا” لأنه ادعى بلفظه ما يحتمله فقبل”([11]).
وأما ما يحرم عليه من زوجته أثناء ظهاره منها: فهو تحريم وطئها حتى يكفر عن ظهاره؛ استدلالًا بقول الله عز وجل: {فتحًرٌيرٍ رقبةُ مٌن قبًلٌ أن يتماسا}، وعند جمهور العلماء يحرم الجماع، وجميع أنواع الاستمتاع مما دونه؛ لأن ظاهر لفظ التماس يقتضي المباشرة فما فوقها، وهناك روايتان عن الإمام الشافعي وأحمد خلاف ذلك([12]).
وأما ما يجب على المظاهر من الكفارة، فهي على الترتيب: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا، اتباعًا لقول الله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا}، إلى قوله عزوجل: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة:4]، فالأصل عتق رقبة سواء كانت ذكرًا أو أنثى أو صغيرة أو كبيرة؛ فإذا لم يقدر على ذلك إما لانعدام الرق كما هو الحال في الزمن المعاصر، أو لأي سبب آخر، أجزأه صيام شهرين، ويجب أن يكون الصيام متتابعًا، فإذا انقطع التتابع بسببه هو، وجب عليه أن يبدأ الصيام من جديد، أما إذا كان بسبب مرض ألم به، فيستمر في صيامه من بعد اليوم الذي توقف فيه، فإن لم يستطع الصيام إما لمرض أو كبر أو نحو ذلك، أجزأه إطعام ستين مسكينًا، فيعطي لكل منهم مدًا من البر، أو الأرز أو خلافه من قوت المكان الذي يوجد فيه.
وكما دل الكتاب علي بيان الكفارة على الترتيب، دلت على ذلك السنة في قصة خولة الأنصارية مع زوجها أوس بن الصامت، كما سبق ذكرها كما دلت عليه قصة سلمة بن صخر البياضي، قال: كنت أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئًا، فظاهرت منها، حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينما هي تخدمني ذات ليلة، تكشف لي منها شيء، فلم ألبث أن وطئتها، فلما أصبحت خرجت إلى قومي فأخبرتهم الخبر، وقلت امشوا معي إلى رسول الله ﷺ فقالوا: لا والله، فانطلقت إلى النبي ﷺ، فأخبرته الخبر فقال: (أنت بذاك يا سلمة؟) فقلت: أنا بذاك يا رسول الله، وأنا صابر لحكم الله، فاحكم في ماأراك الله، قال: (فأعتق رقبة)، قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها وضربت صفحة رقبتي، قال: (صم شهرين متتابعين)، قلت: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام، قال: (فأطعم ستين مسكينًا)، قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشين ما لنا طعام، قال: (فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك، قال: فاطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر، وكل أنت وعيالك بقيتها). قال سلمة: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله ﷺ السعة وحسن الرأي، وقد أمر لي بصدقتكم([13]).
وقد تباينت آراء الفقهاء فيما إذا كانت الكفارة تجب بذات الظهار، أو بالعود، فعند الجمهور أنها تجب بالعود، ولكنهم اختلفوا في معنى العود:
فعند الإمام أبي حنيفة وأصحابه: أن العود هو العزم على الوطء سواء فعل أم لم يفعل([14]).
وعند الإمام مالك: العزم على الوطء فقط([15]).
وعند الإمام الشافعي: إذا أمسك المظاهر زوجته فقد عاد([16]).
وعند الإمام أحمد: العزم على الوطء وإن لم يطأ([17]).
وقد خالف جمع من التابعين والإمام ابن حزم قول الجمهور، فقالوا أن الكفارة تجب بنفس الظهار، أي تكرار لفظه يعني ما كان عليه الحال في الجاهلية من التظاهر؛ لأن الكفارة وجبت في مقابل ما تكلم به المظاهر من المنكر والزور، وهو الظهار دون الوطء أو العزم عليه.
وينبني على هذا أن الزوج في المسألة قد ظاهر من زوجته وتجب عليه الكفارة قبل المساس بها، وهي كما مر ذكره عتق أو صيام أو إطعام، ولما كان العتق متعذرًا في الزمن المعاصر، عليه حسب قدرته إما صيام شهرين متتابعين في أيامهما، أو إطعام ستين مسكينًا.
وجماع ما سبق ذكره أن الطلاق الصريح هو ما يفهم منه دلالة واضحة على الطلاق كقول الرجل لزوجته “طلقتك”، أو “أنت طالق”، أو نحو ذلك مما يشتق من هذا اللفظ. ويلزم المطلق قضاءًا ما تلفظ به صراحة ولا ينفعه ادعاءه بأنه لم يقصده، إما إذا كان اللفظ بالكنايات فلا يقع به الطلاق قضاءًا إلا بالنية.
وعلى هذا فإن قول الزوج في المسألة لزوجته “ما أنت على ذمتي” يُرْجع فيه إلى نيته، فإن كان يقصد طلاقها طلقت منه طلقة واحدة، أما إذا كان لا يقصد طلاقها فلا تطلق قضاءً، ونيته بينه وبين الله عز وجل.
أما قول الزوج لزوجته في الشق الثاني من المسألة “أنت علي زي (مثل) أمي”، فهذا يعد ظهارًا، وتجب فيه على الزوج الكفارة قبل أن يمس زوجته، والكفارة على الترتيب: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا، ولما كان العتق متعذرًا في الزمن المعاصر فعليه صيام شهرين متتابعين في أيامهما، فإذا انقطع التتابع بسببه هو، أعاد الصيام الذي توقف منه، فإن لم يستطع الصيام لكبر أو مرض، أطعم ستين مسكينًا يعطي كل واحد منهم مدًا من القوت المشتهر في مكانه، وعليه أن يستغفر الله من ذنبه. والله أعلم.
([1]) أخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب في كراهية الطلاق، سنن أبي داود ج2ص255، رقمه(2178). وأخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب حدثنا سويد بن سعيد سنن ابن ماجه ص650 رقمه(2018). صححه السيوطي في الجامع الصغير، (٥٣).
([2]) المغني والشرح الكبير، باب الطلاق ج8 ص234.
([3]) الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ج18 ص180-183.
([4]) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للإمام الكاساني ج3 ص105-106.
([5]) بلغة السالك لأقرب المسالك للصاوي على الشرح الصغير لسيدي أحمد الدردير ج1 ص424-428، وانظر: شرح الأبي على صحيح مسلم ج5 ص199-220.
([6]) الأم للإمام الشافعي ج5 ص211-212، وانظر: فتح الباري، باب من قال لامرأته أنت علي حرام، ج9 ص284-285.
([7]) انظر تفصيل هذا في المغني والشرح الكبير للإمام ابن قدامة ج8 ص274-277.
([8]) كان من الذين تخلفوا عن غزوة تبوك مع رسول الله ﷺ كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وعندما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة اعتذر من اعتذر من المتخلفين غير أن هؤلاء الثلاثة لم يتقدموا بعذر إيثاراً منهم للصدق وخشية الكذب فقاطعهم رسول الله انتظاراً لأمر الله فيهم فمكثوا على تلك الحال خمسين يوماً حتى تاب الله عليهم جزاء صدقهم فنزل فيهم قوله عز وجل: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم}[التوبة:118].
([9]) أخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب في الظهار، سنن أبي داود ج2 ص266 برقم (2214)، والعرق. مكتل، وهو زنبيل يسع خمسة عشر صاعًا. حسنه الألباني في صحيح أبي داود، (٢٢١٤).
([10]) انظر زاد المعاد في هدي خير العباد ج5 ص103.
([11]) انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي ج5 ص370 وانظر: حاشية الروض المربع جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ج7 ص6-7.
([12]) بداية المجتهد ونهاية المقتصد للإمام بن رشد ج2 ص109، وانظر: زاد المعاد ص112، والمغني والشرح الكبير للإمام ابن قدامة ج8 ص567.
([13]) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب الظهار برقم (2062)، سنن ابن ماجه ج1 ص665، حسنه الألباني في صحيح أبي داود، (٢٢١٣).
([14])بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للإمام الكاساني ج3 ص234.
([15]) بداية المجتهد ونهاية المقتصد ج2 ص106.