ومفاد المسألة سؤال من الأخ عبد الله الماجري من الجمهورية التونسية عن الضوابط الشرعية للزواج من المرأة غير المسلمة

الضوابط الشرعية للزواج بالمرأة غير المسلمة

  1. والجواب: أن الأصل أن يتزوج المسلم من المرأة المسلمة لاتحاد الدين بينهما؛ لأن هذا أمر أساسي في العلاقة الزوجية، وضمان استمرارها، ولما كان أهل الكتاب أهل دين سماوي كان قائمًا قبل الإسلام، فقد أباح الله للمسلم أن يتزوج منهم؛ عملًا بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} [المائدة:5]، والمراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى كما أشار إلى ذلك قول الله تعالى: {أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} [الأنعام:156]، وكما أباح الله للمسلم أن يتزوج منهم، حرم عليه أن يتزوج من غيرهم من المشركين؛ عملًا بقوله عز وجل: {وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة:221]، وقوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة:10]، وقد تباينت آراء العلماء في تأويل هذه الآية فمنهم من قال إن لفظ الآية يقتضي العموم في كل كافرة، والمراد بها على وجه الخصوص في الكتابيات، وأن آية المائدة بينت الخصوص ولم يتناول العموم الكتابيات قط([1])، وقد روي أن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- كان إذا سئل عن نكاح الرجل من أهل الكتاب قال: إن الله حرم المشركات على المؤمنين ولا أعرف شيئًا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى، وهو عبد من عباد الله([2])، وقد ذُكر أن مراده -رضي الله عنه- التورع أو التنزه، وإنما احتجاجه به يقتضي تخصيص المنع بمن يشرك من أهل الكتاب، لا من يوحد، وقال ابن المنذر: لا يحفظ عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك([3]).
  • ومن العلماء من قال: إن الله حرم نكاح المشركات بهذه الآية، ثم نسخ منها نساء أهل الكتاب فأحلهن في الآية السابقة من سورة المائدة، وقد روي هذا القول عن ابن عباس وقال به مالك بن أنس وسفيان بن سعيد الثوري والأوزاعي([4]).
  • وقال بهذا أصحاب الإمام أبي حنيفة، ووجه الاستدلال عندهم أنه لا يجوز للمسلم من حيث الأصل أن يتزوج غير المسلمة؛ لأن المخالطة معها مع اختلاف الدين لا يحصل معه السكن والمودة الذي هو قوام مقاصد النكاح، إلا أنه جوز نكاح الكتابية لرجاء إسلامها، حيث إنها تؤمن بكتب الأنبياء والرسل في الجملة، وأنها متى نبهت على حقيقة الأمر تنبهت وأتت بالإيمان، وعلى الزوج أن يدعوها للإسلام وينبهها على حقيقة الأمر، فكان في نكاحه إياها رجاء إسلامها، فجوز نكاحها لهذه الغاية الحميدة، وذلك على خلاف المشركة، فإنها في اختيارها الشرك ما أتت ما أمرها من الحجة، والظاهر أنها لا تلتفت إلى الحجة عند الدعوة، فيبقى ازدواج الكافر مع قيام العداوة الدينية المانعة من السكن والازدواج والمودة خاليًا عن العاقبة الحميدة فلم يجز نكاحها([5]).
  • كما قال بهذا الإمام ابن تيمية ووجه الاستدلال عنده -رحمه الله- من ثلاثة أوجه: أحدها أن الشرك المطلق في القرآن لا يدخل فيه أهل الكتاب؛ وإنما يدخلون في الشرك المقيد قال تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} [البينة:1]، فجعل المشركين قسمًا آخر غير أهل الكتاب، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [الحج:17]، فجعلهم أيضًا قسمًا غيرهم، فأما دخولهم في المقيد ففي قوله عزوجل: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون} [التوبة:31]، فوصفهم بأنهم مشركون، وسبب هذا أن أصل دينهم ليس فيه شرك، ولكنهم بدلوا فابتدعوا من الشرك، ما لم ينزل الله به سلطانًا، أما قول الله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة:10]، فهو نص في تحريم الكوافر المعروفات اللاتي كن في عصمة المسلمين، وأولئك كن مشركات من أهل مكة وغيرها لا كتابيات.

الوجه الثاني: إذا قدر أن لفظ “المشركات” و”الكوافر” يعم الكتابيات، فآية المائدة خاصة وهي متأخرة نزلت بعد سورة البقرة والممتحنة، باتفاق العلماء والخاص المتأخر يقضي على العام المتقدم.

الوجه الثالث: إذا فرض أن النصين خاصان، فأحد النصين حرم ذبائحهم ونكاحهم والآخر أحلها، فالنص المحلل لهما يجب تقديمه لوجهين: أحدهما: أن سورة المائدة هي المتأخرة فتكون ناسخة للنص المتقدم. الوجه الثاني: أنه قد ثبت حل طعام أهل الكتاب بالكتاب والسنة والإجماع والكلام في نسائهم كالكلام في ذبائحهم([6]).

وعند الأئمة الأربعة لا خلاف في نكاح نساء أهل الكتاب:

ففي مذهب الإمام أبي حنيفة: يجوز نكاح الكتابية؛ لأن أهل الكتاب ليسوا من المشركين([7]).

وفي مذهب الإمام مالك: يحل نكاح نساء أهل الكتاب، وقيل إن الإمام مالك كان يكرهه، ولكنه لم يقل بتحريمه، ومصدر كراهته أن الكتابية تأكل لحم الخنزير وتشرب الخمر([8]).

وفي مذهب الإمام الشافعي: يحل للمسلم نكاح الكتابيات ويحرم عليه أن يتزوج ممن لا كتاب له، وجملة ذلك في المذهب أن غير المسلمين على ثلاثة أقسام: قسم لهم كتاب وهم أهل التوراة والإنجيل وهؤلاء يجوز نكاح نسائهم، وقسم لا كتاب لهم وهم عبدة الأوثان فهؤلاء يحرم نكاح نسائهم، وقسم لهم شبهة كتاب، ولكنه غير موجود، وهم المجوس فهؤلاء يحرم أيضًا نكاح نسائهم خلافًا للإمام ابن حزم الذي أجازه([9]).

وفي مذهب الإمام أحمد: لا يحل نكاح امرأة غير مسلمة إلا نساء أهل الكتاب([10]).

ومما سبق ذكره يتبين أن الأئمة الأربعة أبا حنيفة ومالك والشافعي وأحمد يقولون بجواز نكاح نساء أهل الكتاب([11])، وعلى هذا فإنه لا يجوز للمسلم أن يتزوج بغير المسلمة إلا إذا كانت من أهل الكتاب وتحريم ما عداهن من نساء الملل الأخرى، خلافًا للإمام ابن حزم الذي يبيح الزواج من نساء المجوس([12]).

والزواج من أهل الكتاب يجب أن تتوافر فيه ثلاثة شروط:

الشرط الأول: الإحصان: ومصدره الحصانة -بالفتح- أي العفة والحصان -بالفتح- المرأة العفيفة وجمعها حُصُنٌ([13]). والأصل في شرط الإحصان قول الله تعالى في الآية السابقة {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} والمحصنات أي العفيفات المحصنات لفروجهن.

قلت: فوجوب العفة في المرأة شرط للزواج منها سواء كانت مسلمة أو كتابية، فالأديان السماوية كلها توجب عفاف المرأة ولا مجال لأي قول خلاف ذلك، وفي ديننا قال الله عز وجل: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} [المائدة:5]، والخدين الخليل الذي يزني بالمرأة تحت أي اسم، وقال عز وجل: {الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِين} [النور:3]، فاقتضى هذا أن الزاني لا يطأ إلا مثله من الزواني أو المشركات، كما أنه لا يطأ الزانية أو المشركة إلا زانٍ مثلها أو مشرك، وقد حرم الله الزنا على المؤمنين والمؤمنات، فلا يتزوج زانٍ امرأة عفيفة إلا بعد أن يتوب إلى الله التوبة النصوح بشروطها المعلومة، ولا تزوج زانية من عفيف إلا بعد توبتها التوبة النصوح بشروطها المعلومة.

الشرط الثاني: إذن الولي: والمراد أن يكون النكاح بإذن من له الولاية على المرأة، والأصل فيه قول رسول الله ﷺ: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل)([14])، وينبني على هذا أن بعض الذين يتزوجون من كتابيات في الغرب بغير رضاء أوليائهن يعد مخالفًا لهذه الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام.

الشرط الثالث: وجوب الصداق للزوجة سواء كانت الزوجة مسلمة أو كتابية ما لم تهبه لزوجها، والأصل في وجوبه قول الله تعالى: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا} [النساء:4]، وقوله عز وجل: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء:24]، وأهل السنة والجماعة مجمعون على أن المقصود بـ”الأجور” المهور، خلافًا للإمامية الذين يستدلون بذلك على جواز زواج المتعة، وهو التفسير الذي عارضه أهل السنة والجماعة؛ استنادًا إلى تحريم زواج المتعة عام حجة الوداع.

وخلاصة المسألة: أن الأصل أن يتزوج المسلم من المسلمة لاتحاد الدين بينهما، ولما كان أهل الكتاب أهل دين سماوي كان قائمًا قبل الإسلام، فقد أباح الله للمسلم أن يتزوج منهم، وحرم عليه أن يتزوج من غيرهم من المشركين، وعلى هذا فإن الشرط الأول في سؤال الأخ السائل هو عدم جواز زواج المسلم بغير المسلمة إلا إذا كانت من أهل الكتاب، وفي هذا الزواج يشترط ثلاثة شروط: أولها: أن تكون الزوجة عفيفة محصنة؛ عملًا بقول الله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} فان كانت قد أحدثت، فيحرم الزواج منها، إلا أن تكون قد تابت إلى الله توبة نصوحًا بشروطها المعلومة. الشرط الثاني: أن يأذن وليها؛ عملًا بقول رسوله ﷺ: (أيما امرأة تزوجت بدون إذن وليها فنكاحها باطل). وعلى هذا فإن بعض المسلمين الذين يتزوجون من النساء الغربيات بدون اذن أهلهن يعد مخالفًا لهذه الأحكام. الشرط الثالث: إيتاء الزوجة مهرها؛ عملًا بقول الله عزوجل: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} وقوله عزوجل: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً}.

والله تعالى أعلم.

([1])  انظر في تفصيل ذلك الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج3 ص66-69.

([2]) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، ج9 ص326-327.

([3])  فتح الباري، ج9 ص 326 – 327.

([4])  الجامع لأحكام القرآن، ج3 ص 66 – 69.

([5])  بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني ج2 ص270-271.

([6]) انظر في تفصيل ذلك مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ج35 ص213-228.

([7]) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني، ج2 ص270-271، وشرح فتح القدير لابن الهمام ج3 ص228-230، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي ج2 ص109-110، وحاشية رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين ج3 ص45-47، وحاشية الطحطاوي ج2 ص21-22، وكشف الحقائق للأفغاني ج1 ص166.

([8]) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس ج2 ص53، وشرح الزرقاني على مختصر سيدي خليل ج3 ص225-226، والمعونة على مذهب عالم المدينة للبغدادي ج2 ص799-800، والمدونة الكبرى للإمام مالك برواية الإمام سحنون ج2 ص215-216، وشرح منح الجليل على مختصر العلامة خليل للشيخ عليش ج3 ص361-362.

([9]) المجموع شرح المهذب للنووي ج16 ص232-233، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي ج6 ص289 -294، وفتح الوهاب بشرح منهج الطلاب للأنصاري ج2 ص45-46، والأم للإمام الشافعي ج5 ص7-8، ومغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للشربيني الخطيب ج3 ص187-188، وقليوبي وعميرة ج3 ص250.

([10])  الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل للمرداوي ج8 ص135، وانظر شرح الزركشي على مختصر الخرقي ج5 ص775، والمغني مع الشرح الكبير للإمامين ابني قدامة ج7 ص500.

([11]) الإباحة مع تقييد ذلك بالحرائر منهن خلافاً للإمام أبي حنيفة الذي لا يفرق بين الحرائر وغيرهن. ولما كانت مسألة الحرائر والإماء من الأمور التي ليس لها وجود في الزمن المعاصر فلم يعد بنا حاجة للحديث عن التفريق بين كتابية وأخرى.

([12]) المحلى بالآثار، ج9 ص17.

([13])  المصباح المنير ج1 ص139.

([14]) أخرجه أبو داود في كتاب النكاح باب في الولي برقم (2083)، ج2 ص 229، وأخرجه الترمذي في كتاب النكاح باب ما جاء لا نكاح إلا بولي برقم (1102) ج3 ص407-408، وأخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح باب لا نكاح إلا بولي برقم (1879) ج1 ص605، صححه الألباني في إرواء الغليل، (١٨٤٠).