ومفاد المسألة سؤال من الأخ/ ز. أ من ولاية ألينوي في الولايات المتحدة الأمريكية يقول فيه: تزوج رجل محصن للمرة الثانية خارج وطنه في البلد الذي يعمل فيه لمدة سنتين لتحقيق مصالح شخصية وجنسية وقد توافرت في هذا الزواج شروطه ولم تتوافر فيه مقاصده وهي النسل واستمرار الزواج وذلك أن النية هي الطلاق، فهل ينطبق الحديث الشريف ‹‹إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى›› على هذا الزواج ثم إن الطلاق بالنية عُلِق على زمن معين عند انتهاء العمل، والرجوع إلى الوطن فهل تعتبر الزوجة مطلقة بعد انتهاء العمل. ثم يقول الأخ السائل ما هو حكم الإسلام في هذا الزواج، وهل هو حلال أم حرام؟ (هكذا ورد السؤال).

حكم من تزوج وفي نيته الطـلاق بعد مدة أو أجل معين

والجواب على هذا من وجهين: أولهما: أن الأصل دوام الزواج واستمراره؛ وذلك أن الله جعل فيه السكينة والمودة وحفظ النسل بالإنجاب، وهذه الخصائص لا تتوافر في الزواج المؤقت والمضطرب، قال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} [الروم:21]، هذا هو الأصل ولكن هذا الأصل قد يتعرض لاستثناءات ثلاثة:

أولها: الطلاق في حكمه المعروف وقد أحله الله؛ لأنه قد يكون بعد خلاف بين زوجين اختلت بسببه علاقتهما؛ فيكون في تفرقهما مصلحة لهما، وفي هذا قال الله عز وجل: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلًا مِّن سَعَتِهِ} [النساء:130].

وثاني الاستثناءات: طلاق يتم بعد مدة معينة كأن يقوم الولي بتزويج موليته شهرًا أو سنة أو إلى أجل معلوم أو مجهول، فهذا نكاح المتعة وقد ذكرناه هنا لما قيل عن الشبهة فيه، وذلك لما روي عن ابن عباس رضي الله وبعض الصحابة والتابعين من جوازه أو كراهته([1]). ومع ذلك فإن الأدلة واضحة في تحريمه بدليل ما روى الربيع بن سبرة أنه قال: أشهد على أبي، أنه حدث أن النبي ﷺ نهى عنه في حجة الوداع([2])، وما رواه الإمام مالك في الموطأ([3])، ورواه ابن ماجه وغيره بلفظ أن رسول الله ﷺ قال: ‹‹يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع، ألا وأن الله قد حرمها إلى يوم القيامة ››([4]وقال فيه الإمام الشافعي: لا أعلم شيئًا أحله الله ثم حرمه ثم أحله ثم حرمه إلا المتعة([5]).

وقال الإمام أبو محمد بن حزم: “ولا يجوز نكاح المتعة وهو النكاح إلى أجل، وكان حلالًا على عهد رسول الله ﷺ ثم نسخها الله تعالى على لسان رسوله نسخًا باتًا”([6]).

وممن قال بتحريمها الإمام أبو حنيفة ومالك([7]وأحمد([8]).

وثالث الاستثناءات: نكاح يتم بنية الطلاق وقد تلجأ إليه ظروف أو مصلحة راجحة أو محتملة لكلا الزوجين أو لأحدهما، إما عندما يجد الزوج أنه في موطن غير موطنه، يمكث فيه شهرًا أو شهورًا، ويضطر إلى الزواج (رغم أن في نيته الطلاق)؛ تحصينًا لنفسه من إثم قد يقع فيه، أو عندما تنتهي حاجته غير المقدرة بمدة في البلد الذي يقيم فيه، وفي هذا قال الإمام ابن قدامة: “وأن تزوجها بغير شرط إلا أن في نيته طلاقها بعد شهر، أو إذا انقضت حاجته في البلد فالنكاح صحيح في قول عامة أهل العلم إلا الأوزاعي قال: هو نكاح متعة، والصحيح أنه لا بأس به، ولا تضر نيته، وليس على الرجل أن ينوي حبس امرأته، وحسبه إن وافقته وإلا طلقها”([9]).

قلت: ولعل هذا النكاح في صورته تلك يختلف عن نكاح المتعة؛ وذلك أن النية في هذا النكاح مبنية أصلًا على الاستمتاع وحده فانتفى بالكلية أحد الأهداف الأساسية من النكاح وهو التوالد.

أما النكاح بنية الطلاق وبغير شرط كما مر ذكره، فالغالب فيه انتفاء نية عدم التوالد، رغم وجود النية في الطلاق، وهذه النية أي نية الطلاق، قد تنقلب إلى نية معاكسة حين تنشأ محبة بين الزوج وزوجته، فيستمر زواجهما وينجبان.

فعلى هذا تنتفي شبهة تشبيه هذا النكاح بنكاح المتعة من حيث احتمال قابليته للاستمرار، إضافة إلى ما فيه من صد وتحصين من ارتكاب جريمة الزنا. وحتى على فرض وجود شبهة فيه عند من يقول بها، كما قالها من قبل الإمام الأوزاعي يبقى أهون الضررين.

الوجه الثاني: مدى جواز تعليق الطلاق على زمن معين كرجوع المسافر إلى وطنه، أو انتهاء مدة العمل في البلد الذي يقيم فيه.

 

لقد تفاوتت آراء الفقهاء في ذلك فعامتهم على جوازه، لما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه كان يقول: من قال لامرأته أنت طالق رأس السنة أنه يطؤها ما بينه وبين رأس السنة، كما روي مثل هذا عن عطاء وإبراهيم النخعي والشعبي وسفيان الثوري وعبد الله بن محمد بن الحنفية، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة والشافعي وأحمد.

وروي خلاف ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن والزهري وابن أبي ليلى وابن حزم([10]).

وخلاصة المسألة جواز النكاح بغير شرط وبنية الطلاق، وإذا علق الطلاق على أجل معين، وانتهى هذا الأجل وقع الطلاق.

والله أعلم.

 

([1]) الفواكه العديدة في المسائل المفيدة للشيخ أحمد بن إبراهيم المنقور الحنبلي ج2 ص31.

([2])  أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب نهي رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة أخيرًا برقم (5115)، فتح الباري ج9 ص 71.

([3])  الموطأ باب نكاح المتعة، ص407 – 408.

([4])  أخرجه مسلم في كتاب النكاح باب ما جاء في نكاح المتعة، صحيح بشرح النووي، ج9 ص 179-180.

([5])  نيل الأوطار للشوكاني ج6 ص33.

([6])  المحلى ج9 ص519-520.

([7]) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني الحنفي ج2 ص272-273.

([8]) الموطأ للإمام مالك ص407-408. والمغني والشرح الكبير ج7 ص573.

([9])  المغني والشرح الكبير ج7 ص 573.

([10])  انظر في هذه الأقوال: المغني مع الشرح الكبير للإمام ابن قدامة ج8 ص316-327، والمحلى للإمام ابن حزم ج10 ص213-216، ومعجم فقه السلف للكتاني 76 ص182.