- والجواب: إن بر الولد لوالديه واجب عليه بلا خلاف، وهذا أصل في عقيدة المسلم، والأساس فيه الكتاب، والسنة، والمعقول.
أما الكتاب: فقول الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء:23]، {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء:24]، والقضاء في هذه الآية يفيد الحكم والإلزام بما لا يُقْبلُ من المقضي عليه سواه؛ وقد دلت هذه الآية على ثلاثة أحكام:
أولها: أن الله عز وجل أمر الخلق بعبادته وحده؛ لأنه خلقهم من العدم إلى الوجود، وهذا الخلق يقتضي تعظيم الموجد وشكره، وأول هذا التعظيم إفراده بالعبادة دون سواه ناهيك بأن الأصل في خلق الخلق هو لعبادة الخالق وحده، لقوله عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات:56].
وثاني الأحكام: الأمر بالاحسان إلى الوالدين وفي هذا تعظيم لشأنهما لكونهما الوعاء الذي احتضن المخلوق بعد أن خلقه الله، وذلك بحمله وإرضاعه وتربيته بما تشمله هذه التربية من نفقة ورعاية وحماية، وفي هذا يقول الإمام فخر الدين الرازي: “إن لفظ الآية مشتمل على قيود كثيرة كل واحد منها يوجب المبالغة في الاحسان إلى الوالدين: أحدها: أنه تعالى قال في الآية المتقدمة: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} [الإسراء:19]، ثم إنه تعالى أردفه بهذه الآية المشتملة على الأعمال التي بواسطتها يحصل الفوز بسعادة الآخرة؛ فذكر من جملتها البر بالوالدين، وذلك يدل على أن هذه الطاعة من أصول الطاعات التي تفيد سعادة الآخرة. وثانيها: أنه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتوحيد وثنى بطاعة الله تعالى، وثلث بالبر بالوالدين وهذه درجة عالية ومبالغة عظيمة في تعظيم هذه الطاعة. وثالثها: أنه تعالى لم يقل: وإحسانا بالوالدين، بل قال: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} فتقديم ذكرهما يدل على شدة الاهتمام. ورابعها: أنه قال: {إِحْسَانًا} بلفظ التنكير والتنكير يدل على التعظيم، والمعنى: وقضى ربك أن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا عظيما كاملا؛ وذلك لأنه لما كان إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة وجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك، ثم على جميع التقديرات فلا تحصل المكافأة؛ لأن إنعامهما عليك كان على سبيل الابتداء وفي الأمثال المشهورة أن البادئ بالبر لا يكافأ”([1]).
وثالث الأحكام: مضاعفة الإحسان إلى الوالدين عندما يكونان في مرحلة تشتد فيها رعايتهما بسبب كبر سنهما، وفي هذا تنبيه وتحذير للولد؛ أما التنبيه فهو الأمر بالحرص على رعايتهما، وأما التحذير فهو النهي عن الضيق بهما في هذه المرحلة.
أما السنة: فقد وردت عن رسول الله ﷺ عدة أحاديث تأمر ببر الوالدين، وتحذر من عقوقهما، ومن ذلك ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «رغم أنفُ ثم رغم أنفُ، ثم رغم أنفُ» قيل: من يا رسول الله، قال: «من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما، ثم لم يدخل الجنة»([2]). وما رواه أيضا أن رجلا جاء إلى رسول الله -عليه الصلاة والسلام- فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي، قال: «أمُّك» قال: ثم من؟ قال: «أمُّك» قال: ثم من؟ قال: «أمُّك» قال ثم من؟ قال: «أبوك»([3]). ومن ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «رضا الرب في رضا الوالد وسخط الرب في سخط الوالد»([4]). ومن هذه الأحاديث ما رواه أبو الدرداء أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه»([5]).
وأما المعقول: فإن من أبسط قواعد العلاقة أن يشكر الإنسان من قدم له شيئا في حال ضعفه، أو حتى في حال قوته؛ فالوالدان منذ اللحظة التي يستهل فيه الولد حياته، يقدمان له كل ما يملكانه في حياتهما، وليس من شيء أغلى عندهما من أن يريا هذا الوليد وقد تمتع بكل أسباب القوة والحب، حتى ولو كان ذلك على حساب صحتهما، وبعد هذا أليس من الواجب على هذا الولد أن يقدم لهما “بعض” ما قدماه له من حب ورعاية؟
نقول هذا في هذا الزمان الذي كثر فيه العقوق، وضاقت فيه نفوس بعض الأولاد بوالديهم، بعد أن زاغت أبصارهم، وفسد سلوكهم، واتبعوا شهواتهم، وانقادوا لهواهم، فتناسوا ما كان أباؤهم وأمهاتهم يفعلون لهم في صغرهم.
قلت: هذا من حيث العموم، أما من حيث سؤال الأخ السائل عن خلافه مع والديه بسبب تصوفهما، أن ما نقل عن “بعض” أهل التصوف وما قرئ عن “البعض” الآخر منهم بعيد عن حقيقة الإسلام، فثمة من يقول منهم يكره الحياة الدنيا، وهذا يخالف سنة الله في خلقه، فالحياة الدنيا كما أرادها الله مقدمة للحياة الآخرة، ولم تكن إلا لحكمة أرادها، وقدرا قدّره وليس من الإسلام في شيء الاعتراض على ما أراده الله، ومنهم من رأى أن وجوده في الحياة “مجرد جبر” لا خيار له فيه، أي أنه جعل نفسه مجرد آلة مسيرة لا تملك إرادة ولا تقدر على تدبير، وفي هذا التفكير من الخطأ والخطر ما فيه؛ لأنه يلغي التكليف، ويلغي شخصية المسلم ويقضي على قدراته وطاقاته.
ومنهم من تجرأ أكثر من ذلك فرأى أن “القلب مصدر المعرفة”، وهذا يعني أن الأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ وتناقلها السلف والخلف، ليست مصدرا للأمر أو النهي وإنما ينبغي الاعتماد على القلب، كقولهم “حدثني قلبي عن ربي” وفي هذا من الانحراف ما هو بيِّن وجلي([6]).
فعلى هذا إن كان والدا الأخ السائل ممن يرتكبون البدع والمنكرات التي فعلها أو يفعلها بعض أهل التصوف، فيجب عليه عدم طاعتهما فيما يأمرانه به من هذه البدع والمنكرات؛ لأن طاعتهما معصية لله، ولا طاعة لمخلوق في معصيته، وعليه في هذه الحال مصاحبتهما بالمعروف، فيما هو خارج عن معصية الله، عملا بقول الله عز وجل: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْن} [لقمان:14]، {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان:15]([7]). والمصاحبة بالمعروف التي أشارت إليها الآية الكريمة تعني الإحسان إليهما، ومن ذلك مساعدتهما في حال حاجتهما، وزيارتهما في حال مرضهما بل وتمريضهما، والشفقة عليهما، ومساعدتهما، وعدم الضجر والضيق منهما، وبذل كل ما يجب أن يفعله الولد مع والديه، ماعدا طاعتهما في معصية الله.
كما أن على الأخ السائل أن ينصح والديه ويقنعهما، بما يجب عليهما من تجنب البدع والمنكرات مما يخل عليهما في دينهما ويحبط عملهما.
وخلاصة المسألة: أن بر الولد لوالديه واجب عليه، والأصل فيه الكتاب والسنة، فإن كان والدا الأخ السائل ممن يرتكبون البدع والمنكرات، مثلما فعلها أو يفعلها بعض أهل التصوف من الملحدين والمنحرفين، فيجب عليه عدم طاعتهما فيما يأمرانه به من هذه البدع والمنكرات؛ لأن طاعتهما معصية لله ولا طاعة لمخلوق في معصيته، وعليه في هذه الحال مصاحبتهما بالمعروف فيما هو خارج عن هذه المعصية، كما أن عليه نصحهما في رفق ولين؛ لكي يجتنبا هذه البدع التي تحبط عملهما.
والله أعلم.
([1]) تفسير الفخر الرازي، ج20 ص188.
([2]) صحيح مسلم، برقم (2551)؛ مسند الإمام أحمد، برقم (8538).
([3]) صحيح البخاري، برقم (5626)؛ صحيح مسلم، برقم (2548)؛ صحيح ابن حبان، برقم (433، 434)؛ سنن ابن ماجه، برقم (2706، 3658)؛ الترغيب والترهيب، برقم (3766).
([4]) رواه الترمذي، في أبواب البر والصلة، برقم (1899)، قال الألباني في السلسلة الصحيحة، (٥١٦): حسن بجموع الطرق..
([5]) صحيح ابن حبان، برقم (425)؛ سنن ابن ماجه، أورد بالأرقام (1900، 2089، 3663)؛ مسند الإمام أحمد، أورد بالأرقام (27551، 27568، 27592)؛ الترغيب والترهيب، أورد بالرقمين (3752، 3753)، صححه الألباني في صحيح الترمذي، (١٩٠٠). .
([6]) مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، العدد الثاني والثلاثون، ص229-230.
([7])وقد روي عن سعد بن مالك أن هذه الآية نزلت فيه، فقد كان رجلا برا بأمه فلما أسلم قالت له: يا سعد ما أراك هذا الذي قد أحدثت لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتُعيّرُ بي فيقال: يا قاتل أمه. فقال: لا تفعلي يا أماه فإني لا ادع ديني هذا لشيء، فمكثت يوما وليلة لم تأكل فأصبحت قد جهدت، فمكثت يوما آخر وليلة لم تأكل فأصبحت قد جهدت، فمكثت يوما وليلة أخرى لا تأكل فأصبحت قد اشتد جهدها، فلما رأى ذلك قال: يا أمة تعلمين والله لو كان لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي، فأكلت. (أورده الطبراني في كتاب العُشْرة).