ومفاد المسألة سؤال من الأخ حمو لطرش من الجزائر يقول فيه هل يجوز للخاطب رؤية مخطوبته؟

هل يجوز للخاطب رؤية مخطوبته

والجواب: إن الخاطب حين يخطب امرأة ما يفترض فيه الرغبة في الزواج منها، وهو في هذه الحال يتوقع أن تكون هذه زوجته التي سيعيش معها عمره، وينجب منها أولاده، والمخطوبة في الجانب الآخر يفترض فيها الرغبة في رؤية من ستتزوج منه وتعيش معه، وتنجب منه، فالزواج من كلا الجانبين عقد يفترض فيه الثبات والدوام ولا يكون على هذه الحال إلا إذا كان طرفاه قد رضيا به، وقبلاه رغبة وطواعية.

وشريعة الله قد جعلت الزواج سكينة ومودة ورحمة؛ استدلالًا بقول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم:21]، وهذه الشريعة بنصوصها ومقاصدها تبيح وتيسر كل ما يحقق الغاية من الزواج، ومن ذلك النظر إلى المخطوبة في حدود القواعد والأحكام الشرعية، ومن ذلك قول رسول الله ﷺ لمن تزوج امرأة من الأنصار ‹‹أنظرت إليها؟›› فلما قال لا، قال له -عليه الصلاة والسلام-: ‹‹اذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئًا›› وفي رواية أخرى أنه قال: ‹‹هل نظرت إليها. . . ››([1]).

ومن ذلك ما روي عن محمد بن سلمة أنه قال خطبت امرأة فجعلت أتخبأ لها، حتى نظرت إليها في نخلٍ لها فقيل له أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله ﷺ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ‹‹إذا ألقى الله في قلب امرئ خطبة امرأة، فلا بأس أن ينظر إليها››([2]) ومن ذلك أيضًا ما روي عن المغيرة بن شعبة قال: أتيت النبي ﷺ فذكرت له امرأة أخطبها فقال: ‹‹اذهب فانظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما›› فأتيت امرأة من الأنصار فخطبتها إلى أبويها وأخبرتهما بقول النبي ﷺ فكأنهما كرها ذلك. قال: فسمِعتْ ذلك المرأة وهي في خدرها فقالت: إن كان رسول الله ﷺ أمرك أن تنظر فانظر وإلا فأنْشُدك كأنها أعظمت ذلك، قال فنظرت إليها فتزوجتها فذكر من موافقتها([3]). ومن ذلك أيضًا ما روي عـن جابر بن عبدالله قال. قال رسول الله ﷺ: ‹‹إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل››، قال فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجها فتزوجتها([4]).

وهذه نصوص الفقهاء في النظر إلى المخطوبة:

ففي مذهب الإمام أبي حنيفة: ينظر الخاطب إليها إذا علم أنه يجلب في نكاحها، وعند تحديد الزوجة حين العقد لو قال الخاطب في الحاضرة المنتقبة تزوجت هذه جاز لكونها أصبحت معروفه بالإشارة وقيل يشترط فيها كشف النقاب([5]).

وأجاز الإمام أبوحنيفة: النظر إلى قدميها مع الوجه والكفين([6]).

وفي مذهب الإمام مالك: يجوز النظر إلى الوجه والكفين فقط؛ استدلالًا بقول الله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور:31]، وهما الوجه والكفان وهذا قياسًا أيضًا على جواز كشفهما في الحج، ويحمل الجواز هنا على الإذن للخاطب والمخطوبة، ويكره استغفالها أي النظر إليها بغير علمها، وذلك سدًا للذريعة مخافة أن يتسبب أهل الفساد بالنظر إلى محارم الناس ثم يقولوا كنا خطابًا، وفي المذهب أقوال منها أنه يحرم النظر إليها إذا علم الخاطب أنها لا تجيبه هي أو وليها وذكر بعضهم أنه يجوز لها أن تتزين لناظرها إذا سلمت نيتها في قصد النكاح([7]).

وفي مذهب الإمام الشافعي: يسن النظر إلى المخطوبة قبل الخطبة وإن لم تأذن، وذلك اكتفاء بإذن الشارع، وله تكرير النظر ولا ينظر لغير الوجه والكفين، ويكون النظر إليها إذا قصد نكاحها ورجا رجاء ظاهرًا أنه يجاب إلى خطبته، ولا يكون النظر بعد الخطبة؛ لأن ذلك قد يفضي إلى الترك فيشق عليها([8]).

وفي مذهب الإمام أحمد: يباح لمن أراد خطبة امرأة وغلب على ظنه إجابته، نظر ما يظهر منها غالبًا كالوجه والرقبة واليد والقدم لحديث: ‹‹إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل››([9]) وحديث: ‹‹إذا ألقى الله في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها››([10]) وله أن يكرر النظر بلا إذن منها، ولعل عدم الإذن أولى لحديث جابر (المتقـدم ذكره) وجواز النظـر مشروط بعدم الخلـوة بها لحديث ‹‹لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان››([11])، كما أنه مشروط أيضًا بعدم النظر إلى ما هو عورة منها لقول الله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور:31]([12]).

وعند الإمام ابن حزم: من أراد ان يتزوج امرأة فله أن ينظر منها متغفلًا لها وغير متغفل، ولكن لا يجوز له أن ينظر منها إلا الوجه والكفين فقط، ويأمر امرأة تنظر إلى جميع جسمها وتخبره، قال أبو محمد: “برهان ذلك قول الله عز وجل {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور:30]، فافترض الله عز وجل غض البصر جملة، كما افترض حفظ الفرج فهو عموم لا يجوز أن يخص منه إلا ما خصه نص صحيح، وقد خص النص نظر من أراد الزواج فقط”([13]).

ومما سبق ذكره من الأحاديث وأقوال عامة الفقهاء، يتبين جواز نظر الخاطب إلى مخطوبته وفق الأحكام الشرعية التي تقصر النظر على ما يظهر من المخطوبة غالبًا كالوجه والكفين، وعدم الخلوة بها قبل عقد الزواج.

قلت: وليس من أحكام الخطبة في شيء، ما يفعله أولئك الذين يختلطون مع خطيباتهم شهورًا، ويقيمون ويسافرون معهن بحجة تعرفِ كل منهما على الآخر، قبل الاتفاق على عقد الزواج، فهذا مما يتنافى مع المقتضى الشرعي، ويعد محرمًا لما قد يفضي إليه من ارتكاب الحرام؛ فالمخطوبة قبل إبرام عقد الزواج تعد بالنسبة للخاطب أجنبية، لا يجوز له النظر إليها إلا إذا كان قاصدًا الزواج منها، فإن كان غير ذلك حرم عليه النظر إليها.

ويجب على ولي المخطوبة عدم تمكين الخاطب من النظر إلى موليته إلا بعد تأكده من صلاح الخاطب، واستقامته ورغبته الصادقة في الزواج، ذلك أن بعض الخاطبين يستهوون تعدد النظر إلى محارم الناس، ولايتورعون عن إفشاء أسرارهم.

وخلاصة المسألة: جواز نظر الخاطب إلى مخطوبته بما يظهر منها غالبًا كالوجه والكفين، وهذا مشروط بعدم الخلوة بها، وعدم النظر إلى ما هو عورة منها، وليس من أحكام الخطبة في شيء ما يفعله أولئك الذين يختلطون مع خطيباتهم أيامًا أو شهورًا ويسافرون ويقيمون معهن بحجة تعرف كل منهما على الآخر قبل إتمام عقد الزواج، فهذا مما يعد محرمًا لما قد يفضي إليه من ارتكاب الحرام. فالمخطوبة قبل إبرام عقد الزواج تعد بالنسبة للخاطب أجنبية لا يجوز له النظر إليها إلا إذا كان يقصد الزواج منها.

والله تعالى أعلم.

 

 

([1]) أخرجه مسلم في كتاب النكاح باب ندب من أراد نكاح امرأة أن ينظر إلى وجهها وكفيها قبل خطبتها. صحيح مسلم بشرح النووي ج9، ص 210-211 وقيل أن المقصود بالشيء في الحديث صغر العينين وقيل زرقة.

([2]) أخرجه ابن ماجه في سننه في كتاب النكاح باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها برقم(1863)، وقال: ‹‹في الزوائد: في إسناده حجاج وهو ابن أرطأة الكوفي، ضعيف ومدلس، ورواه بالعنعنة، لكن لم ينفرد به حجاج، فقد رواه ابن حبان بإسناد آخر ›› سنن ابن ماجه، ج1، ص 599.

([3])  أخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح، باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها برقم (1865)، سنن ابن ماجه، ج1، ص 600، ومعنى يؤدم بينكما: أي يحصل بينكما المودة والألفة، وقيل: يؤدم مبني للمجهول وبعد أوله همزة قد تبدل بالواو، كما قيل أصله يدوم فقدمت الواو على الدال وهمزت فهو من الدوام.. وقيل: لا تقديم وإنما هو من الآدام؛ لأن الطعام يطيب به، (انظر في ذلك قليوبي وعميرة ج3، ص 280)، وأنشدك أي أسألك بالله.

([4])  أخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب في الرجل ينظر إلى المرأة وهو يريد تزويجها برقم (2082)، سنن أبي داود، ج2، ص 228-229، حسنه الألباني في صحيح أبي داود، (٢٠٨٢).

([5]) حاشية رد المحتار لابن عابدين، ج 3، ص8، وانظر شرح فتح القدير لابن الهمام على الهداية للمرغيناني، ج3، ص 192.

([6]) حاشية رد المحتار لابن عابدين، ج3، ص 8.

([7]) أخرجه مسلم في كتاب النكاح باب ندب من أراد نكاح امرأة أن ينظر إلى وجهها وكفيها قبل خطبتها. صحيح مسلم بشرح النووي ج9، ص 210-211 وقيل أن المقصود بالشيء في الحديث صغر العينين وقيل زرقة.

([8])  أخرجه ابن ماجه في سننه في كتاب النكاح باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها برقم(1863)، وقال: ‹‹في الزوائد: في إسناده حجاج وهو ابن أرطأة الكوفي، ضعيف ومدلس، ورواه بالعنعنة، لكن لم ينفرد به حجاج، فقد رواه ابن حبان بإسناد آخر ›› سنن ابن ماجه، ج1، ص 599.

([9])  أخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح، باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها برقم (1865)، سنن ابن ماجه، ج1، ص 600، ومعنى يؤدم بينكما: أي يحصل بينكما المودة والألفة، وقيل: يؤدم مبني للمجهول وبعد أوله همزة قد تبدل بالواو، كما قيل أصله يدوم فقدمت الواو على الدال وهمزت فهو من الدوام.. وقيل: لا تقديم وإنما هو من الآدام؛ لأن الطعام يطيب به، (انظر في ذلك قليوبي وعميرة ج3، ص 280)، وأنشدك أي أسألك بالله.

([10])  سنن ابن ماجه، ج1، ص 599، ومُسند الإمام أحمد بن حنبل، ج4، ص 225، وكنز العمال للبرهان فوري، ج16، ص 290، صححه الألباني في صحيح ابن ماجه، (١٥٢٢).

([11])  أخرجه الإمام في مسنده ج1ص222، صححه السيوطي في الجامع الصغير، (٢٧٨٠).

([12]) انظر في مذهب الإمام أحمد مطالب أولي النهى في  شرح غاية المنتهى للرحيباني ج5 ص 11-14، وانظر شرح الزركشي على مختصر الخرقي ج5، ص 143-147، والشرح الكبير مع المغني لعبدالرحمن بن قدامة ج7، ص341-343، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي ج 3، ص 4-5 وكتاب الفروع لابن مفلح ج5، ص152.

([13]) المحلى بالآثار للإمام ابن حزم، ج9، ص 161.