كلمة الطلاق ربما تكون سهلة على من يتلفظ بها؛ لأنه يرى في الزواج نوعا من المتعة المجردة، ولكن هذه الكلمة صعبة على من يرى أن الأصل في الزواج السكينة والمودة والرحمة، ولكنه يضطر إلى الطلاق بسبب الضرورة، أو بفعل الحاجة كما يقول بعض الفقهاء. ومع إباحة الله عز وجل للطلاق لما تقتضيه طبيعة البشر وسلوكهم، فقد جعل الأصـل في الزواج الدوام، والثبات فاقتضى ذلك أن يكون الطلاق للضرورة أو الحـاجـة.
والأصل في هذا الكتاب والسنة والاجماع:
أما الكتاب: فقول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} [الروم:21]
فقد بين الله في هذه الآية أن من آياته الدالة على عظمته وقدرته، أن جعل الزواج سكينة للزوجين لما تقتضيه غريزتهما وطبيعتهما الجسدية، ثم جعل بينهما مودة ورحمة، فدل ذلك على أن الله عز وجل، أراد من الزواج الثبات والدوام، ليحصل به التناسل والتكاثر في قوله عز وجل: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل:72]، ثم بين عز وجل أحكام الطلاق وعلله وموجباته لثلا يكون مدعاة للهو والعبث ومهد له بقوله: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} [البقرة:226]، وفي هذا بيان بأن الزوج إذا حلف ألا يجامع زوجته، فله أن ينتظر أربعة أشهر، فإذا رجع عن حلفه، وجامع زوجته، وجب عليه أن يكفر عن يمينه، وسيغفر الله له ما ارتكبه من إثم في حقها، ثم قال عز وجل: {وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم} [البقرة:227] أي أن الزوج إذا أراد عدم الرجوع عن حلفه وعزم على الطلاق، فإن الله يسمع أقواله ويعلم أفعاله، وسيحاسبه عما في نفسه من النوايا، ثم بين عز وجل أن على الزوجة المطلقة أن تتربص ثلاثة قروء، والقرء هو الحيض أو الطهر فقال: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:228]، وأمر الله واضح بأن على الزوجة المطلقة الانتظار مدة العدة، فان أراد زوجها مراجعتها فهو أحق بردهـا؛ عملًا بقول الله عز وجل: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا} [البقرة:228]، وفي هذا إرشـاد من الله لزوجين أن يصطلحا ويعودا إلى رباط الزوجية، وأن يدركا أن لكل منهما حقًا على صاحبه لا ينقص منه شيء، وهـذا مراد قوله عز وجل: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، ولما كان الطلاق في الجاهلية مؤذيًا للمرأة، ومجحفا في حقها حيث لم يكن له حد فيطلقها الزوج، وإذا دنت عـدتها راجعها، وكان يفعل ذلك عشرات المرات فتبقى معلقة معذبة، فأبطل الله ذلك في قوله عز وجل: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُون} [البقرة:229]، ومراد الله واضح أن للزوج حق الرجوع إلى زوجته إذا طلقها الطلقة الأولى والثانية، فإذا طلقها الطلقة الثانية فهو مخير بين أن يمسكها بمعروف، أو يطلقها بإحسان، وحينئذ لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وهنا أوجب الله عليه حسن المعاشرة لزوجته، وعدم إيذائها إذا أراد إمساكها، كما أوجب عليه إعطاءها حقوقها من صداق وخلافه إذا أراد تسريحها، كما أوجب عليه عدم أخذ شيء من مالها كمهرها بدون رضاها، باستثناء حالة واحدة وهي افتداء نفسها منه إذا كرهت هي البقاء معه، فتعطيه شيئا من المال لكي يطلقها وهو ما يعرف في الشريعة بالخلع، وهذا يشترط فيه ألا يكون (طلبها الطلاق)، بسبب ظلمه أو تعسفه فلا يحل له حينئذ أخذ شيء منها، بل يجب عليه أن يطلقها عملا بقول الله عزوجل: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة:229]، وعملا بقوله عز وجل: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا} [البقرة:231]، وقد دلت هذه الآيات المحكمات في مجملها على أن الطلاق ليس عبثًا، ولا لـعـبـا بـالأحكام الشرعيـة، وهذا مراد الله في قوله عزوجل: {وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا}، وإنما أباحه الله لما تقتضيه الحاجة، عندما يصعب التوافق والتعايش بين الزوجين، فيكون عندئذ رحمة لهما.
أما في السنة: فقد و ردت عموم الأحاديث الدالة على كره الطلاق منها قول رسول الله -عليه الصلاة والسلام-: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق»([1])، وفي رواية أخرى «ما أحل الله شيئًا أبغض إليه الطلاق، ([2])، ولما أخبر -عليه الصلاة والسلام- عن رجل طلق من امراته ثلاث تطليقات جميعا قام غضبان ثم قال: “أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهر كم”([3]).
وأما الإجماع: فقد دلت الأخبار والآثـار على أن الطلاق ليس مجرد عبث أو لعب، وإنما أباحه الله عندما تدعو إليه الضرورة أو الحاجة، وما قيل عن طلاق الصحابة -رضوان الله عليهم- كطلاق عمر لزوجته أم عاصم وطلاق عبدالرحمن بن عوف والمغيرة بن شعبة وغيرهم فمحمله وجود الحاجة([4]).
هـذا عن الطلاق من حيث العموم أما بخصوص المسألة: (أي جمع الطلاق ثلاثًا بكلمة واحدة)، فللفقهاء في ذلك عدة آراء:
ففي مذهب الإمام أبي حنيفة: إذا جمع الزوج الطلاق ثلاثًا بكلمة واحدة عد هذا طلاقًا بدعيـًا يقع به الطلاق، ويكون الزوج بذلك عاصيًا، واستدل الأحناف على قولهم هذا بعدد من الآثار منها: حديث ابن عمر قلت يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثًا؟ قال: «لا كانت تبين منك وتكون معصية»([5]).
ومنها حديث مجاهد قال كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق أمرأته ثلاث) قال فسكت حتى ظننت أنه رادُّها إليه، ثم قال ينطلق أحدكم فيركب الحمولة ثم يقول يا ابن عباس يا ابن عباس، فإن الله عز وجل قال: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} فإنك لم تتق الله، فلم أجد لك مخرجًا، عصيت ربك وبانت منك امرأتك([6]).
ومنها ما في الموطا أن رجلًا قال لعبد الله بن عباس إني طلقت امرأتي مائة تطليقة فماذا ترى علي؟ فقال ابن عباس طلقت منك ثلاثا وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوا([7]).
ومنها ما في الموطأ أيضا أن رجلًا جاء إلى ابن مسعود فقال: اني. طلقت امرأتي ثماني تطليقات فقال ما قيل لك؟ فقال قيل لي بانت منك، قال: صدقوا([8]).
وحول ما ورد أن ابن عباس قال كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه([9]).
قال أصحاب الإمام أبي حنيفة، إن إمضاء عمر الثلاث عليهم لا يمكن مع عدم مخالفة الصحابة له علمه بأنها كانت واحدة، إلا وقد اطلعوا في الزمان المتأخر على وجود ناسخ هـذا، إن كان على ظاهره، أو لعلمهم بانتهاء الحكم، كذلك لعلمهم بإناطته بمعان علموا انتقاءها في الزمان المتأخر، فإننا نرى الصحابة تتابعوا على هذا الأمر، ولا يمكن وجود ذلك منهم مع اشتهار كون حكم الشرع المتقرر كذلك أبدا([10])، وقالوا: إن إجماع الصحابة ظاهـر في إيقاع طلاق الثلاث، ولم ينقل عن أحد منهم أنه خالف عمر حين أمضاها وعلى هذا “فلو حكم حاكم أن الثلاث بفم واحد واحـدة لم ينفذ حكمه؛ لأنه لا يسوغ الاجتهاد فيه فهو خلاف لا اختلاف”([11]).
وفي مذهب الإمام مالك: يكره جمع الطلاق بالثلاث في واحدة ويلزم، وفي هذا قال الإمام سحنون قلت لعبد الرحمن بن قاسم: هل كان مالك يكره أن يطلق الرجل امرأته ثلاث تطليقات في مجلس واحد؟ قال: نعم، كان يكرهه أشـد الكراهية ويقول طلاق السنة أن يطلق الرجل امرأته تطليقة واحدة. . وسئل رحمه الله هل يلزمه الطلاق بالثلاث في كلمة واحدة قال: نعم([12])، وقد شدد أصحاب المذهب في كراهيته فهذا ابن العربي يقول ما ذبحت دیکًا قط، ولو وجدت من يرد المطلقة ثلاثًا، لذبحته بيدي([13])، واستدلوا على كراهيته بما استدل به أصحاب أبي حنيفة من الأحاديث، وإجماع عدد من الصحابة على منعه.
وفي مذهب الإمام الشافعي: لا يحرم جمع الطلقات؛ استدلالًا بقصة عويمر العجلاني عندما لاعن امرأته عند رسول الله ﷺ فقد طلقها ثلاثا قبل أن يخبره ﷺ أنها تبين منه باللعان، فلو كان إيقاع الثلاث حرامًا لنهاه عن ذلك، ليعلمه هو ومن حضره، واستدلالًا أيضا بأن فاطمة بنت قيس شكت النبي ﷺ أن زوجها طلقها البتة، قال الشافعي: يعني والله أعلم ثلاثا، ولم تعلم أن النبي ﷺ نهى عنه، وعنده تقع الثلاث عند جمعهن كذلك([14]).
وفي مذهب الإمام أحمد: جمع الطلاق بالثلاث في كلمة واحدة لا يلزم منه إلا طلقة واحدة؛ استدلالًا بما ثبت عن ابن عباس في أحمد الحديث المتقدم ذكره أن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة، واستدلالا أيضا بما روي أن ركانة بن عبد يزيد طلق امراته ثلاثا في مجلس واحد وجاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني طلقت امرأتي سهيمة البتة، والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله ﷺ وما أردت إلا واحدة؟، فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحـدة، فردها رسول الله ﷺ عليه([15]). واستدلالًا أيضًا بما نقـل عن طائفة من السلف والخلف من أصحاب رسول الله ﷺ مثل الزبير بن العوام وعبدالرحمن بن عوف، وما نقل أيضًا عن عدد من التابعين ومن بعدهم مثل طاووس وخلاس بن عمرو ومحمد بن إسحاق وداود الظاهري وأكثر أصحابه وأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين([16]).
وفي مذهب الإمام ابن حزم: طلاق الثلاث مجموعة سنة واسم الطلاق يقع عليها، وعلى الثنتين وعلى الواحدة، فإذا ذلك كذلك، فهو ما نوى من عدد الطلاق([17]).
ويتبين مما سبق تباين أقوال الفقهاء في الثلاث في كلمة واحدة، فعند الإمام أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل في الرواية الأخيرة عنه أنه طلاق محرم يقع بالثلاث، وعند الإمام الشافعي وأحمد بن حنبل في الرواية الأولى عنه أنه طلاق مباح لازم، وعند بعض أصحاب أبي حنيفة، ومالك وأحمد بن حنبل (كالإمام ابن تيمية) أنه طلاق محرم، ولا يلزم منه إلا طلقة واحدة، وعند الإمام ابن حزم أنه طلاق سنة.
قلت: قد ينزغ الشيطان، أو تضيق النفس بين الزوج وزوجته، فيطلقهـا بعد أن يفقد إرادته فينـدمان كلاهما، أو أحدهما على ماحدث، ولهذا فالأصل والأفضل أن يكون الطلاق طلقة واحدة، وهذا هو طلاق السنة؛ حتى يكون للمطلق مجال لإعادة زوجته ما دامت في العدة؛ عملًا بقول الباري عزوجل: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق:1]، {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق:2]، فإن طلق الزوج زوجته طلقتين، أو ثلاثًا بكلمة واحدة، فالصواب – والله أعلم- النظر إلى نيته وقصده “فإن كان ينوي فعلًا إيقاع اثنتين “لزمه ذلك، وبقي له تطليقة أخرى”، وإن كان ينوي فعلًا إيقاع الطلاق ثلاثا لزمه ذلك، “وبانت منه زوجته فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره”. وإن كان ينوي بكلمة الثلاث واحدة “فواحدة”، ويستدل على هذا بالكتاب والسنة؛ أما الكتاب فقول الله تعالى: { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب:5].
أما السنة: فقول رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»([18])، وقوله -عليه الصلاة والسلام- لركانة بن عبد يزيد في الحديث المتقدم ذكره: «ما أردت إلا واحدة»، فلما قال ركانة: “ما أردت إلا واحدة”، رد رسول الله ﷺ زوجته إليه، وكذلك ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنه- أن طلاق الثلاث كان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر يعد واحدة، وأن سبب ما أمضاه عمر لما رأى الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة. وكذلك ما روي عن جمع من الصحابة والتابعين وجمع من الفقهاء ممن سبق ذكرهم بأن طلاق الثلاث بعد واحـدة؛ لهذا كله ينبغي معرفة نية المطلق وقصده، فما كان ينويه من لفظه في طلاقه يلزمه، وحسابه على الله.
وخلاصة المسألة: أن الأحكام من كتاب الله، وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام- بينة في أن الطلاق ليس عبثًا ولا لعبًا، وإنما أباحه الله عندما تدعو إلـيـه الـضـرورة أو الحاجة، أما جمع الطلاق بالثلاث في کلمة واحدة، فقد تباينت فيه آراء الفقهاء لعدد من الأئمة منهم الإمام مالك وأحمد بن حنبل في القول الأخير، أنه طلاق محرم يقع بالثلاث، وممن قال بذلك الإمام الشافعي، لأنه طلاق مباح لازم، وعند بعض أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد والإمام ابن تيمية أنه طلاق محرم لا يلزم منه إلا طلقة واحدة، وعند الإمام ابن حزم أنه طلاق سنة، والنية هي الأساس فيه.
ولعل الصواب والله أعلم: النظر إلى نية المطلق وقصده فإن طلق زوجته طلقتين بكلمة واحدة، وكان ينوي فعلا إيقاع اثنتين لزمه ذلك، وبقي له تطليقة أخرى، وإن طلق ثلاثًا بكلمة واحدة وكان ينوي فعلًا، إيقاع الطلاق ثلاثًا لزمه ذلك، وبانت منه زوجته، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وإن كان ينوي بكلمة الثلاث واحدة فواحدة.
والله تعالى أعلم بالصواب.
([1]) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب حدثنا سويد بن سعيد برقم (۲۰۱۸)، سنن ابن ماجه ج1 ص650، وأخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب في كراهية الطلاق. برقم (۲۱۷۸)، سنن ابي داود ج۲ ص ٢٥٤-٢5٥. صححه السيوطي في الجامع الصغير، (٥٣).
([2]) أخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب في كراهية الطلاق، (۲۱۷۷)، سنن أبي داود ج2 ص 254، صححه السيوطي في الجامع الصغير، (7775)..
([3]) أخرجه النسائي في كتاب الطلاق، باب الثلاث المجموعة وما فيه من التغليظ، سنن النسائي مع حاشية السندي ج6 ص١٤٢-١٤٣، صححه الألباني في غاية المرام، (٢٦١).
([4]) شرح فتح القدير لابن الهمام على الهداية للمرغيناني ج3 ص ٤٦٥.
([5]) وتمام الحديث أن ابن عمر رضي الله عنهما طلق امرأته تطليقة وهي حائض ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين أخريين عند القرنين فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال بها ابن عمر ما هكذا أمرك الله، إنك قد أخطأت السنة، والسنة أن تستقيل الظهر تنطلق لكل فرده قال فأمرني رسول الله ﷺ فراجعتها ثم قال: إذا هي طهرت فطلق عند ذلك أو أمسك فقلت یا رسول الله أفرايت لو أني طلقتها ثلاثا كان يحل لي أن أراجعها، قال “لا کانت تبين منك وتكون معصية”. رواه الدارقطني في سننه ج 4 ص31، والبيهقي في السنن الكبرى ج۷ ص۳۳۰. قال ابن الملقن في شرح البخاري لابن الملقن، (٢٥/١٨٨): إسناده جيد.
([6]) أخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث، برقم (۲۱۹۷)، سنن ابي داود ج۲ ص ٢٦٠، صححه الألباني في صحيح أبي داود، (٢١٩٧).
([7]) أخرجه الإمام مالك الموطأ كتاب الطلاق، باب ما جاء في البتة، الموطأ مع شرحه تقرير الحواك للسيوطي ج۲ ص۷۹-۸۰، وأخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الطلاق، باب في الرجل يطلق امراته مائة أو ألفاً فى قول واحد، المصنف ج 5 ص ۱۳، قال شعيب الأرنؤوط، تخريج شرح السنة، (٩ / ٢١٤): [روي] موصولا ورجاله ثقات.
([8]) أخرجه الإمام مالك الموطاء كتاب الطلاق، باب ما جاء في البتة، الموطأ مع شرحه تنوير الحوالك ج ۲ ص۷۹، صحح إسناده شعيب الأرنؤوط في تخريج شرح السنة، (٩ / ٢١٤).
([9]) رواه مسلم في كتاب الطلاق، باب طلاق الثلاث، صحيح مسلم بشرح النووي ج۱۰ ص ۷۱، وأخرجه الإمام أحمد فى المسند ج ١ ص ٣١٤.
([10]) شرح فتح القدير ج3 ص ٤٧٠.
([11]) شرح فتح القدير ج3 ص ٤٧٠، وانظر في مذهب الإمام أبي حنيفة كشف الحقائق شرح كنز الدقائق الافغاني مع شرح الوقاية ج1 ص۱۸۹، وحاشية الطحطاوي ج۲ ص١٠٥، وحاشية رد المحتار ج۳ ص ۲۳۲-۲۳۳.
([12]) المدونة الكبرى للإمام مالك بن أنس الاصبحي رواية الإمام سحنون بن سعيد التنوخي من الإمام عبدالرحمن بن قاسم ج۲ ص١٦.
([13]) شرح منح الجليل على مختصر العلامة خليل الشيخ محمد عليش ج4 ص35، وانظر المعونة في مذهب عالم المدينة للبغدادي ج۲ ص٨٢٦-٨٢٩، وشرح الزرقاني على مختصر سيدي خليل ج4 ص۸۳، وعقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شناس ج۲ ص ١٥٧، ومواهب الجليل الشرح مختصر خليل للحطاب ج4 ص۳۹.
([14]) انظر في هذه المسألة مغني المحتاج إلى معرفة معاني الفاظ المنهاج لمحمد الشربيني الخطيب ج۳ ص ۳۱۱، وإنهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي ج۷ ص۸، ويجيرمي على الخطيب ج3 ص50، والإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع لمحمد الشربيني الخطيب ج1 ص ١٥٣، وحاشية سليمان الجمل على شرح المنهج للشيخ زكريا الأنصاري من ٣٦١ وحواشي عبد الحميد الشرواني واحمد بن قاسم العبادي على تحفة المنهاج ج۸ ص4۸. وايضا المجموع شرح المهذب للنووي ۱۷۴ ص ۱۲۱-۱۳۳۰
([15]) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب طلاق البتـة، برقم(٢٠٥١)، سنن ابن ماجه ج۱ ص ٦٦١، وأخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب في البتة، برقم (٢٢٠٦)، سنن ابي داود ج۲ ص ٢٦٣، صححه ابن الملقن في البدر المنير، (٨/١٠٤).
([16]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ج33 ص ٨، ١٤-١٧، ۷۸۰۷۱، وانظر أيضا شرح الزركشي على مختصر الخرقي ج5 ص ٣٧٣-٣٧٦، ونيل المأرب لشرح دليل الطالب لعبد القادر ابن عمر التغلبي الشيباني ج۲ ص ١٧٥-١٧٦، والمبدع في شرح المقنع لابن مفلح ج۷ ص ٢٦١-٢٦٣، ومطالب أولي النهي في شرح غاية المنتهى الرحيياني ج5 ص ٣٣٣-٣٣٤، وحاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع لعبد الرحمن ابن قاسم ج6 ص ٤٩٣-٤٩٦.
([17]) المحلي للإمام بن حزم ج9 ص ٤٠٥.
([18]) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، برقم (1)، فتح الباري ج۱ ص۱5.