ومفاد المسألة سؤال من الأخت كريمة… من الجزائر تقول فيه: إذا لم تستطع المرأة أن تغتسل لمرض، أو لم تجد ماء، فهل يجزئها التيمم عن الغسل؟ وإذا خافت بعض الشيء من البرد وأن يبقى شعرها مبللًا، أو خافت المرض فهل يجزئها التيمم؟.

هل يجزئ التيمم عن الغسل لمرض أو برد

  • والجواب: عن هذا من حيث العموم أن التيمم مجزئ للطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر عند عدم الماء أو العجز عن استعماله، وهو من الخصائص التي خص الله بها هذه الأمة دون غيرها، لقول رسول الله ﷺ: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)([1]).

والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع:

أما الكتاب: فقول الله عز وجل: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا}([2]). وقوله عز وجل: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا}([3]

وأما السنة: فالأحاديث كثيرة منها ما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله عز وجل: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ….}، قال: إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله والقروح، فيجنب، فيخاف أن يموت إن اغتسل، يتيمم([4])، ومنها ما رواه عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أنه لما كان في غزوة ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له فقال: (يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب) فقلت: ذكرت قول الله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}([5]). فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا([6]). ومنها ما رواه أبو ذر -رضي الله عنه- قال: اجتويت المدينة فأمرني رسول الله ﷺ بإبل فكنت فيها، فأتيت النبي ﷺ فقلت: هلك أبو ذر، قال: (ما أهلكك؟)، قلت: كنت أتعرض للجنابة وليس قربي ماء، فقال: (يا أبا ذر إن الصعيد الطيب طهور وإن لم تجد الماء عشر سنين)([7]). ومنها ما رواه عمران بن الحصين الخزاعي -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا معتزلًا لم يصل في القوم فقال: (يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم؟) فقال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء. قال: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك)([8]). ومنها ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله، إنّا قوم نسكن الرحال، ولا نجد الماء شهرًا أو شهرين، وفينا الجنب والنفساء والحائض فكيف نصنع، فقال ﷺ: (عليك بالتراب)([9])، ومنها ما رواه ابن عباس أن رجلًا أصابه جرح في عهد النبي ﷺ ثم أصابه احتلام، فأمره أصحابه بالاغتسال فاغتسل فمات فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: (قتلوه قتلهم الله ألم يكن شفاء العيِّ السؤال؟)([10]).

وأما الإجماع: فقد أجمع فقهاء الأمة على أن التيمم مجزئ للطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر والجماع، واستثنى عمر وعبد الله بن مسعود -رضي الله عنهما- جوازه في الجماع، وحجتهما في ذلك أن الله قال: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء} وهذا معناه المس باليد فلا يشمل الجنب، فيبقى هذا على الأصل، وهو وجوب الغسل بالماء على الجنب، ولما جاء رجل إلى عمر -رضي الله عنه- فقال: إني أجنبت فلم أجد الماء، فقال: لا تصل. وكان عمار بن ياسر -رضي الله عنه- جالسًا فقال: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد الماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت، فقال النبي ﷺ: (إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك ثم تنفخ فيهما ثم تمسح بهما وجهك وكفيك)، فقال عمر: اتق الله يا عمار، فقال: إن شئت لم أحدث به، وفي قول آخر أن عمر قال لعمار: ‹‹ نوليك ما توليت؟››([11])، ويقال إن عمر وعبد الله بن مسعود رجعا عن قولهما ذلك([12]).

وقد استدل الفقهاء على جواز التيمم بما ورد في الكتاب والسنة والإجماع، وفرعوا على ذلك أحكامًا كثيرة:

ففي مذهب الإمام أبي حنيفة: يجوز التيمم من الحدث مع شرائط ركنه، ومنها ألا يكون واجدًا للماء قدر ما يكفي الوضوء أو الغسل في الصلاة التي تفوت؛ لأن قول النبي ﷺ: (التيمم وضوء المسلم ولو إلى عشر حجج مالم يجد الماء)، ممتد إلى غاية وجود الماء. وعدم وجود الماء يشمل بعده بعدًا يرفع إلى درجة الحرج؛ لأن الله تعالى قال في سياق الآية المجيزة للتيمم {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6]، والحرج إما أن يكون مسببًا للضرر في نفس المسافر وإما لرفقته بانتظارهم له، والعدم أيضًا وجود مانع للماء كالأعداء أو اللصوص أو نحوهم مما يخاف معه هلاك النفس في حال طلبه على تلك الحال، كما يشمل عدم وجود الماء قِلّته، مما يسبب في حالة استعماله للوضوء أو الغسل ضررًا للنفس([13]).

وفي مذهب الإمام مالك: يجوز التيمم سفرًا أو حضرًا في حال فقد الماء الكافي للوضوء أو الغسل، أو عدم القدرة على استعماله مع وجوده، وهذا يشمل المكره والمسجون والخائف على نفسه، أو إذا كان استعمال الماء يزيد في المرض، أو الخوف من تأخر برئه، أو الخوف من حدوث مرض من نزلة أو حمى أو نحو ذلك، أو الخوف من سقوط العضو كالمجروح مثلًا، أو انعدام الوسيلة الموصلة للماء كمن كان بجانب بئر أو نهر أو نحوه، وكان لا يستطيع الحصول على الماء بسبب انعدام مضخة أو أي وسيلة للحصول عليه([14]).

وفي مذهب الإمام الشافعي: يجوز التيمم عن الحدث الأصغر والحدث الأكبر وهو الجنابة والحيض والنفاس والولادة، فإذا تيمم الجنب أو التي انقطع حيضها ونفاسها ثم قدرا على استعمال الماء لزمهما الغسل.

كما يجوز التيمم في حال المرض مع وجود الماء؛ والمرض على أربعة أقسام:

الأول: إذا كان يسيرًا لا يتضرر صاحبه باستعمال الماء كاليسير من الحمى، ووجع السن، أو تفور الطحال، فلا يجوز التيمم في هذه الحال لانتفاء المشقة وخوف التلف.

القسم الثاني: الخوف من التلف باستعمال الماء سواء كان قروحًا أو جراحًا أو غيرها، فإذا تيمم صاحبها وصلى فلا إعادة عليه إذا برئ.

والثالث: الخوف من استعمال الماء بما يؤدي إليه من شدة الألم وتطاول البرء مع الأمن من التلف؛ ففي جواز التيمم قولان في المذهب أحدهما: يجوز له أن يتيمم؛ لأنه مريض يتضرر باستعمال الماء، ولأنه لما جاز للمسافر أن يتيمم إذا بذل له الماء بأكثر من ثمنه لما يقابله من الضرر في ماله، فلأن يجوز للمريض أن يتيمم لما يلحقه من الضرر في نفسه أولى. والقول الثاني: ليس له أن يتيمم؛ لأنه قادر على الماء ولا يخاف التلف من استعماله؛ فلم يجز له أن يتيمم كمن به صداع أو حمى.

والقسم الرابع: الخوف من استعماله فيندر الشّين والشلل ويأمن التلف وشدة الألم. وهذا فيه خلاف أيضًا فهناك من لا يجيز التيمم وهناك من يجيزه وهناك من يقول يتيمم في الشلل ولا يتيمم في الشين؛ لأن في الأول إبطال العضو وفي الثاني قبحه، والشلل ضرر والشين ليس بضرر([15]).

وفي مذهب الإمام أحمد: يجوز التيمم في السفر المباح والمحرم والطويل والقصير، وهو مشروع لكل ما يفعل بالماء عند العجز عنه شرعًا. ولمشروعيته عدة شروط منها دخول الوقت للصلاة المفروضة، ومنها العجز عن استعمال الماء، ومن ذلك ما لو ذهب إلى خارج مكانه لقضاء عمل من أعماله ولم يمكنه حمل الماء معه، ولا الرجوع للوضوء إلا بتفويت حاجته جاز له التيمم. ومنها عجز المريض عن الحركة أو عمن يوضئه فيكون كالعادم للماء، ومنها الخوف من الضرر باستعمال الماء كمن به جرح، والخوف المبيح زيادة المرض أو بطؤه، أو وجود البرد الشديد؛ فإن كان يقدر على تسخين الماء لم يجز له التيمم. ومنها حدوث المرض بدلالة النص على ذلك في كتاب الله (مما تقدم ذكره) والشرط فيه الخشية من زيادته أو تطاوله. ومن هذه الشروط خوف العطش على نفسه، أو رفيقه، أو أي عطشان آخر، وذلك لحرمة النفس وتقديمها على الصلاة ويشمل ذلك الخوف على الحيوان من العطش؛ لأن للروح حرمة وسقيها واجب على شرط أن تكون محترمة، ومن هذه الشروط الخشية على نفسه أو ماله في طلبه كمن بينه وبين الماء مانع، كالعدو أو الحريق، أو يخاف فوات رفقته في حال طلبه للماء، وكذلك إذا خافت المرأة على نفسها كما لو كان طلبها للماء يعرضها للخطر من المجرمين أو العابثين، وكذلك تعذر الماء بزيادة كثيرة على ثمن المثل، أو كان يعجز عن أداء ثمنه. وعليه تعيين النية لما يتيمم له من وضوء وجنابة وغير ذلك([16]).

 وفي المذهب الظاهري: قال الإمام أبو محمد بن حزم: ويتيمم الجنب والحائض وكل من عليه غسل واجب كما يتيمم المحدث ولا فرق.. والنبي ﷺ قد بين أن الجنب حكمه التيمم عند عدم الماء([17]).

وخلاصة المسألة: جواز التيمم عن الحدث والجنابة والحيض والنفاس ولكل غسل واجب، وهو مشروع لكل ما يفعل بالماء عند العجز عنه شرعًا؛ وينبني على هذا أن الأخت السائلة إذا لم تستطع استعمال الماء بسبب المرض جاز لها التيمم، ولكن يشترط أن يكون هذا المرض مما يخشى عدم برئه، أو تباطؤ شفائه في حال استعمال الماء مما يلحق بالنفس الأذى أو الضرر، فإن كان المرض يسيرًا لا يخشى من آثاره على النفس، كمرض الأسنان أو آلام الظهر البسيطة أو الصداع أو ألم العين أو نحو ذلك من الأمراض المعتادة لم يجز التيمم؛ لأن التيمم بدل عن أصل وهو الماء، ولا يجوز اللجوء إلى البدل إلا في حال تعذر الأصل أو خشية ضرره.

كما أنه يجوز للأخت السائلة التيمم إذا لم تجد الماء أصلًا، أو كانت تجده ولكن يترتب عليها للحصول عليه ضرر في النفس، لكونه بعيدًا لا تقدر عليه إلا بمشقة بالغة، أو ضرر في الدين كما لو كان الحصول عليه يعرض للخطر في الدين، أو الضرر في المال كما لو كان ثمنه مرتفعًا لا يقدر عليه، كما يجوز لها التيمم إذا كان الماء باردًا ولا تستطيع تهيئته بالتسخين، ويسبب استعماله حدوث أعراض مرضية كالشلل أو تصلب الأعضاء أو تيبسها أو نحو ذلك. أما تبلل الشعر (مجرد التبلل) أو الخوف من المرض الناتج من الوهم، أو لمجرد الكسل أو كراهة استعمال الماء على الجسم، فهذا لا يجوز معه التيمم؛ لأن الأصل فيه أنه رخصة، ولا يجوز الأخذ بالرخصة إلا وفق أسبابها ومقتضياتها الشرعية.

والله تعالى أعلم.

 

([1]) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، فتح الباري لابن حجر العسقلاني، ج1 ص519.

([2]) سورة النساء من الآية 43.

([3]) سورة المائدة من الآية 6.

([4]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج5 ص216، والحديث رواه الدارقطني.

([5]) سورة النساء الآية 29.

([6]) رواه البخاري في كتاب التيمم باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض، انظر الفتح، ج1 ص541، ورواه أبو داود في باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم، من كتاب الطهارة، حديث رقم (334).

([7]) رواه أبو داود في كتاب الطهارة باب الجنب يتيمم، ومعنى اجتويت أي استوخمت ولم توافق طبع الراكن فيها وسببت بذلك له المرض، صححه الألباني في صحيح أبي داود، (٣٣٣).

([8]) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، فتح الباري، ج1 ص545، حديث رقم (348).

([9]) رواه الإمام أحمد في مسنده، ج2 ص278، في مسند أبي هريرة رضي الله عنه، حسنه شعيب الأرنؤوط في تخريج المسند لشعيب، (٧٧٤٧).

([10]) رواه أبو داود باب في المجروح يتيمم برقم (336)، والعي -بالكسر- الجهل، حسنه الألباني في صحيح أبي داود، (٣٣٧).

([11]) رواه البخاري في كتاب التيمم من كتاب الطهارة، انظر الفتح، ج1 ص528، ورواه أبو داود في باب التيمم برقم (322)، ومعنى تمعكت في التراب: أي تدلكت به.

([12]) المجموع شرح المهذب للإمام النووي، ج2 ص208.

([13]) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني، ج1 ص44-49، وانظر المبسوط للسرخسي، ج1 ص111-114، وحاشية الطحطاوي على الدر المختار للطحطاوي، ج1 ص125-126، وانظر شرح فتح القدير لابن الهمام على الهداية: شرح بداية المبتدي للمرغيناني، ج1 ص121-127، وانظر تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي، ج1 ص36-41.

([14]) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه إمام الأئمة مالك للكشناوي، ج1 ص123-130، وانظر شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك للزرقاني، ج1 ص5، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد لمحمد بن رشد القرطبي، ج1 ص46-49، والمدونة الكبرى للإمام مالك رواية الإمام سحنون مع مقدمات ابن رشد، ج1 ص145-148، وتنوير الحوالك شرح على موطأ مالك لجلال الدين السيوطي، ج1 ص74-76، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدسوقي، ج1 ص417، والمعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل أفريقية والأندلس والمغرب للونشريسي، ج1 ص64-69.

([15]) الحاوي الكبير للماوردي حققه وخرج أحاديثه جمع من العلماء، باب الطهارة ج1 ص303-306، وص326-332، وانظر المجموع شرح المهذب للإمام النووي، ج2 ص206-208، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي، ج1 ص263-265، وص280-283 منه.

([16]) المبدع في شرح المقنع لابن مفلح، ج1 ص205-128، وانظر الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل للمرداوي، ج1 ص263-290، والمغني لابن قدامة تحقيق د. عبد الله التركي وعبد الفتاح الحلو، ج1 ص310-216، ومن ص234-246، ومن ص246-247، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي في الفقه على مذهب الإمام أحمد، ج1 تحقيق الشيخ عبدالله الجبرين، ج1 ص323-326، وص344-366، والإقناع لطالب الانتفاع للحجاوي تحقيق د. عبد الله التركي، ج1 ص77-86.

([17]) المحلى بالآثار، ج1 ص367-368.