ومفاد المسألة سؤال من الأخت/ خضراء علواش من الجزائر تقول فيه: ما رأيكم في سيدة متزوجة من رجل يسب الدين ويسب الله، {وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا}، ولا يصلي ثم إنه طلقها العديد من المرات، وهذه السيدة لها ثلاثة أولاد، وليس لها أحد، ولا عمل، ولا سكن، وهي محرمة عليه إلا أنها ترجع إليه للأسباب السابقة وهي خائفة من عقاب الله؟ (هكذا ورد السؤال).

حكم من رجعت إلى الزوج بعـد ما بانت منه بينونة كبرى

والجواب عليه يتطلب إيضاح أمرين:

الأمر الأول: حكم من بانت من زوجها بينونة كبرى:

إذا بانت الزوجة من زوجها بينونة كبرى بأن طلقها الطلقة الثالثة، حرمت عليه في أي صورة من صور المعاشرة؛ وذلك لانتهاء عقد الزوجية عملًا بقول الله عز وجل: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة:230]، وهذا يقتضي أن يتزوجها رجل آخر (غير محلل) ويبني بها ويطأها؛ لما روته عائشة -رضي الله عنها- أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: كنت عند رفاعة، فطلقني فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبدالرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال: ‹‹أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك››([1]). وما رواه أيضًا عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يطلق امرأته ثلاثًا ويتزوجها آخر، فيغلق الباب، ويرخي الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، هل تحل للأول؟ قال: ‹‹لا حتى يذوق العسيلة›› أي لا تحل للأول حتى يجامعها الآخر([2]).

فإذا وقع هذا ثم طلقها زوجها حلت لزوجها الأول، وينبغي أن يكون في نية كل منهما حسن المعاشرة بالمعروف، وإقامة حدود الله عملًا بقوله عزوجل: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُون} [البقرة:230].

الأمر الثاني: حكم ما إذا كان يجب للبائن بينونة كبرى سكن أو نفقة:

لقد تباينت آراء الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال:

الأول: لا يحق لها سكن ولا نفقة؛ وقد ذهب إلى ذلك الإمام أحمد وداود وأبو ثور، وحكي عن ابن عباس وعطاء والشعبي والحسن البصري والأوزاعي وابن أبي ليلى([3])، واستدلوا على ذلك بحديث فاطمة بنت قيس ومفاده أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب بالشام، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: ‹‹ليس لك عليه نفقة›› وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال: ‹‹تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند عبد الله بن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده فإذا حللت فأذنيني›› قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم بن هشام خطباني، فقال رسول الله ﷺ: ‹‹أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له، أنكحي أسامة بن زيد›› قالت: فكرهته، ثم قال: ‹‹أنكحي أسامة بن زيد›› فنكحته فجعل الله في ذلك خيرًا، واغتبطت به([4]).

القول الثاني: استحقاقها للنفقة والسكن، وقد ذهب إلى ذلك الخليفة عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز -رضي الله عنهما-، كما ذهب إليه الثوري، وقوم من الأحناف استدلالًا بقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ} [الطلاق:1]، وقوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ} [الطلاق: 6]، ففي هاتين الآيتين نهي عن إخراج المطلقة من بيت زوجها، وأمر بإسكانها حيث سكن، فدل ذلك على وجوب النفقة والسكن لها مع قولهم بعدم التعويل على حديث فاطمة بنت قيس لما قيل إن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال فيه: لا نترك كتاب الله وسنة نبيه ﷺ لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت([5]).

القول الثالث: استحقاقها للسكن دون النفقة، فإن كانت حاملًا فينفق عليها حتى تضع حملها، وقد ذهب إلى هذا الإمام مالك([6]).

القول الرابع: استحقاقها للنفقة دون السكن وقد روي هذا في قول آخر عن الإمام أحمد وآخرين، ودليلهم في ذلك قول الله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:241]، وقوله عز وجل: {وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق:6]، ودليلهم أيضًا أن المطلقة البائنة محبوسة بسبب الزوج إلى نهاية عدتها، فاستحقت بذلك النفقة إلى ذلك الأجل، أما عدم استحقاقها للسكن، فإن الله تعالى يقول: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم} [الطلاق:6]، فهذا يوجب أن تكون حيث يكون الزوج، والمطلقة البائنة لا تكون مع الزوج في سكن. قلت: وقد يكون القول بوجوب النفقة في العدة للمطلقة البائنة هو الأقرب للصواب؛ لأنها تفقد بحكم هذه البينونة حياة زوجية، ربما تكون قد عاشتها عددًا من السنين، وفي حال كهذه تحتاج إلى وقت تتدبر فيه أمرها، وتستقر فيه حياتها، فحري حينئذ أن يكون الزوج هو المسئول عن نفقتها إلى نهاية عدتها، فإن أسكنها في مكان غير سكنه فذلك خير؛ لأن الله أمر بالمودة والاحسان بين الزوجين، فقال تعالى: {وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة:237]، ولا شك أن من الفضل أن يحسن الزوج إلى زوجته ولو كانت بائنة منه؛ لأن الله يحب المحسن ويجازيه على إحسانه أيًا كان المُحْسنُ إليه، فإذا كان الإحسان إلى الزوجة، فذلك أعظم في أجره، وأكبر في قدره عند الله.

ومما سبق ذكره يتبين أن الزوجة إذا بانت من زوجها بينونة كبرى أصبحت أجنبية عنه، ولا تحل له إلا بعد أن ينكحها زوج آخر كما مر ذكره.

وينبني على هذا أن المرأة في السؤال إذا كانت ترجع إلى من بانت منه، لمعاشرته معاشرة زوجية، فقد ارتكبت إثمًا كبيرًا عليها التوبة إلى الله منه، ناهيك بأن هذا الزوج يعد منسلخًا من ملة الإسلام ما دام إنه على الحال التي هو عليها من سب الدين وسب الله، فهو مرتد يجري عليه ما يجري على المرتد من أحكام، ما لم يتب إلى الله توبة نصوحًا؛ استدلالًا بما أنزله الله في قصة المنافقين في غزوة تبوك، فقد كان هؤلاء يقولون في مجالسهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء، فنزل فيهم قول الله تعالى: {{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون} [التوبة:65]، {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة:66].

وعلى هذا لا يحل لهذه المرأة أن تتزوج منه مرة أخرى، أو تقيم معه أي علاقة محرمة، ما دام أنه على الحال التي هو عليها من الكفر، ولها الحق في المطالبة بحضانة أولادها إذا كانوا صغارًا وذلك لفقدانه الولاية عليهم، أما القول بأنه ليس لها سكن ولا عمل فهذا لا يبرر ما تفعله، وعليها أن تتقي الله {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2-3].

وخلاصة المسألة: أن الزوجة إذا بانت من زوجها بينونة كبرى أصبحت أجنبية عنه، ولا تحل له إلا بعد أن ينكحها زوج آخر؛ وينبني على هذا أن المرأة في السؤال إذا كانت ترجع إلى من بانت منه، لمعاشرته معاشرة زوجية، فقد ارتكبت إثمًا كبيرًا، وعليها التوبة إلى الله منه، ناهيك بأن هذا الزوج يعد منسلخًا من ملة الإسلام ما دام أنه على الحال التي هو عليها من سب الدين وسب الله، { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً} [الإسراء: 43]، ويجري عليه ما يجري على المرتد من أحكام.

وعلى هذا لا يحل للمرأة في السؤال أن تتزوج منه مرة أخرى، أو تقيم معه أي علاقة محرمة، ما دام أنه على الحالة التي هو عليها من الكفر، ولها الحق في المطالبة بحضانة أولادها إذا كانوا صغارًا، لكون أبيهم فقد الولاية عليهم، أما القول بأنه لا سكن لها ولا عمل فهذا لا يبرر ما تفعله، وعليها أن تتقي الله { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}.

والله أعلم.

([1]) نيل الأوطار للشوكاني ج4 ص253-254، والحديث أخرجه البخاري (٢٦٣٩)، ومسلم (١٤٣٣).

([2]) نيل الأوطار للشوكاني ج4ص253-254، والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود، (٢٣٠٩).

([3]) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني ج2 ص272-273.

([4])  أخرجه مسلم، (١٤٨٠)، وأخرجه الإمام مالك في كتاب الطلاق، باب ما جاء في نفقة المطلقة، برقم (1228)، الموطأ رواية الليثي ص397-398، وانظر نيل الأوطار ج4ص301-302.

([5]) قال الإمام الشوكاني: صرح الأئمة بأنه لم يثبت شيء من السنة يخالف قول فاطمة بنت قيس وما وقع في بعض الروايات عن عمر أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لها: ‹‹السكن والنفقة›› فقد قال الإمام أحمد لا يصح ذلك عن عمر، وقال الدارقطني: السنة بيد فاطمة قطعاً، وأيضاً تلك الرواية عن عمر عن طريق إبراهيم النخعي ومولده بعد موت عمر بسنتين، قال العلامة ابن القيم: ونحن نشهد بالله شهادة نسأل عنها إذا لقيناه أن هذا كذب على عمر وكذب على رسول الله ﷺ، وينبغي أن لا يحمل الإنسان فرط الانتصار للمذاهب والتعصب على معارضة السنن النبوية الصريحة الصحيحة بالكذب البحت، فلو يكون هذا عند عمر عن النبي ﷺ لخرست فاطمة وذووها ولم ينبذوا بكلمة ولا دعت فاطمة إلى المناظرة، نيل الأوطار ج4 ص304، وأخرجه مسلم، (١٤٨٠).

([6]) الموطأ ص436، الكافي في فقه أهل المدينة المالكي ج2 ص627.