- نأمل إن شاء الله إلقاء الضوء على هذه القضية من جميع جوانبها المختلفة.
- المفقود كما يعرفه الفقهاء من انقطع خبره لغيبة ظاهرها الهلاك، كمن يفقد من بين أهله، أو في مفازة أو بين الصفين إذا قتل قوم أو من غرق في مركبة([1]).
- ومع أن وسائل الاتصال في الوقت الحاضر قد تسهل معرفة المفقود؛ خلافًا لما كان عليه الحال في الماضي من صعوبة الاتصال إلا أن ما يحدث في هذا الزمن من حروب تتسم في بعضها بالاستئصال العرقي، والانتقام باختطاف الأشخاص وأسرهم أو قتلهم وجهل حالاتهم، يزيد من حالات المفقودين في العصر الحديث مما يؤثر على أزواجهم، وأوضاعهم الأسرية.
- وقد ضيق بعض الفقهاء في اجتهادهم بالنسبة للزوجة في حال فقد زوجها.
- ففي مذهب الإمام أبي حنيفة: يُعد المفقود حيًا في حق نفسه وميتًا في حق غيره، ومعنى هذا أن يجري عليه حكم الحي فيما كان له، فلا يورث ماله ولا تبين منه امرأته؛ لأنه كالحي حقيقة، ويجري عليه حكم الميت فيما لم يكن له فلا يرث من غيره، كأنه في حكم الميت حقيقة.
وعلى هذا يجب على الزوجة أن تنتظر حتى يأتيها البيان بحياته أو موته، واستدلوا على ذلك بأن رسول الله ﷺ قال في امرأة المفقود: (إن امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان)([2]). وأن عليًا -رضي الله عنه- قال: ‹‹إنها امرأته ابتليت فلتصبر حتى يستبين موت أو طلاق››، كما استدلوا على بقاء حال المفقود إلى أن يتبين أمره أن النكاح عرف ثبوته، والغيبة لا توجب الفرقة، والموت في حيز الاحتمال، فإذًا لا ينبغي إزالة النكاح بالشك، وقد فرعوا على هذا القول بأن يحكم بموت المفقود بعد مضي مائة وعشرين سنة من مولده؛ أخذًا بأن أحدًا لا يعيش أكثر من هذه المدة، وقيل يُحكم بموته بعد مضي مائة سنة؛ لأن الظاهر أن الإنسان لا يعيش أكثر من هذه المدة.
أما في ظاهر المذهب فيقدر موت المفقود بقدر موت أقرانه([3]).
وفي مذهب الإمام مالك: إذا نُعِي المفقود إلى زوجته، فتزوجت من آخر ثم قدم الزوج الأول، فعندئذٍ ترد إلى الأول بعد تفريقها واستبرائها من الزوج الثاني، لا فرق في ذلك إن كان له منها أولادٌ أم لا.
أما إذا غاب الرجل عن امرأته فعمي خبره، وانقطع أثره، ولا يعلم أين موضعه ولا تعرف حياته من موته فامرأته مخيرة حينئذٍ بين بقائها على ما هي عليه، وبين أن تختار فراقه، فإن اختارت فراقه فعليها الذهاب إلى الحاكم، فتخبره عن حالها، وعليه النظر في حالها، وعليه كذلك أن يسأل عن أخبار زوجها في المواضع التي يظن وجوده فيها، فإن لم يقف له على خبر فيضرب لها أجلًا مدته أربع سنين؛ لأنه هو الغالب من مدة الحمل، فإن جاء في المدة أو علمت حياته فهي زوجته ويبطل خيارها. وإن مضت المدة ولم يوقف له على خبر فتعتد عدة الوفاة. فإن عاد وهي في العدة فهي امرأته، وإن انقطعت قبل العلم بخبره فلها أن تتزوج من غير حاجة إلى إذن الإمام.
فإن جاء قبل تزويجها فهي امرأته، أما إن جاء بعد تزويجها ففي المذهب روايتان: إحداهما: أنه لا سبيل له عليها، وذلك لبينونتها منه سواء دخل بها الزوج الثاني أم لم يدخل، والرواية الأخرى: أنه إذا لم يدخل بها فهي للأول، وإن كان الزوج الثاني قد دخل بها فهي له([4]).
وفي مذهب الإمام الشافعي: في زوجة المفقود قولان:
القول الأول: أن تتربص أربع سنين بحكم حاكم؛ لأنها مدة أكثر الحمل الذي يتحقق فيه براءة الرحم، ثم تعتد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا فإذا انقضت هذه المدة حلت للأزواج، وهذا قول الإمام الشافعي في القديم.
القول الثاني: أن تبقى على حالها محبوسة على قدوم زوجها وإن طالت غيبته، ما لم يأتها يقين عن وفاته، وهذا قول الإمام في الجديد([5]).
وفي مذهب الإمام أحمد: تتربص زوجة المفقود أربع سنين بعد رفع أمرها إلى الحاكم ليحكم بضرب المدة، وعدة الوفاة، فإذا تربصت المدة المذكورة واعتدت ثم قدم زوجها الأول ردت إليه، إن كان قبل الدخول بها، فإن كان قدومه بعد الدخول والوطء، فيخير الأول بين أخذها، وبين تركها مع الثاني وهذا هو المذهب، وفيه أقوال أخرى مفصلة في مظانها([6]).
ومن هذا يتبين أن أقوال الفقهاء قد تباينت في المدة اللازمة لانتظار زوجة المفقود زوجها، فمنهم من رأى بقاءها على الزوجية تنتظر قدوم زوجها، وإن طالت غيبته، وليس لها الحق في أن تتزوج من غيره ما لم يأتها يقين بوفاته، وذهب إلى هذا من الصحابة الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، والإمام أبو حنيفة والإمام الشافعي في قوله الجديد، واستدلوا على ذلك بما روي أن رسول الله ﷺ قال: (إن امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان أو قال الخبر)([7]).
ومن الفقهاء من حدد مدة الانتظار بأربع سنين، وقال بهذا جمع من الصحابة منهم عمر بن الخطاب، وابن عباس وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر -رضوان الله عليهم-. كما قال به من الفقهاء الإمام مالك والإمام الشافعي (في قوله القديم) والإمام أحمد والأوزاعي، لكون هذه المدة مما يتحقق فيها براءة الرحم. قلت: إن القول بأن تنتظر الزوجة أجلًا غير محدد فيه ضرر كبير لها وقد نهى الله عن الإضرار بها في قوله تعالى: {وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ} [الطلاق:6]، والضرر هنا اسم جامع لكل ما تتأذى منه الزوجة في علاقتها مع زوجها، وقد وصى رسول الله ﷺ بالنساء عمومًا، فقال في خطبته الشهيرة في حجة الوداع (واستوصوا بالنساء خيرًا. . . )([8]). وهذه الوصية تأمر بكل ما فيه نفع للمرأة، وتنهى عن كل ما فيه ضرر لها.
ولا شك أن الفقهاء الذين حددوا مدة انتظارها بأربع سنين قصدوا تخفيف الضرر عنها، فعدوا هذه المدة كافية لمعرفة حال الزوج ومعرفة براءة رحمها منه، ولعل هذا في زمن كانت فيه الاتصالات غير متيسرة، وأحوال الطب غير متقدمة.
أما وقد تقاربت البلدان بحكم وسائل الاتصالات المعاصرة، فقد أصبح من اليسير معرفة حال المفقود من خلال هذه الوسائل، كما أصبح من الممكن معرفة براءة رحم زوجته من عدمها، لهذا ينبغي النظر في حال زوجته بما يزيل عنها الضرر من انتظاره مدة طويلة.
وإجمالًا يمكن تصور المفقود ومن في حكمه من خلال الحالات التالية:
أولًا: إذا كانت غيبته معلومة كمن يعرف مكانه، ويأتي أهله خبره فعلى زوجته انتظاره، ولكن لها الحق في طلب فسخ النكاح لغير سبب الغيبة كعدم النفقة، أو ادعاء الضرر بسبب طول الغيبة، أو نحو ذلك من الأسباب التي تبرر طلب فسخ النكاح.
ثانيًا: إذا كان الغائب محكومًا بالسجن لسنوات طويلة، ولكنها معلومة كحال المقاتلين الذين يقاتلون من أجل حرية بلدانهم، فلزوجته الخيار في انتظار عودته، أو طلب فسخ النكاح بحكم ما ينالها من ضرر.
ثالثًا: إذا كان الغائب في الأسر، وكانت مدة أسره غير معلومة فلزوجته الخيار في انتظاره، أو طلب فسخ النكاح بسبب ما قد ينالها من ضرر بسبب هذا الانتظار.
رابعًا: إذا كان الغائب قد انقطع خبره كما لو فقد في البحر، أو فقد في فتنة ومضت مدة تضررت فيها زوجته، (ولو لم تكن هذه المدة أربع سنين) فلها الخيار في انتظاره، أو طلب فسخ النكاح، وعلى الحاكم البحث والتحري عنه من خلال وسائل الاتصالات كالإعلان في الصحف أو في وسائل الإعلام الأخرى.
وفي كل الحالات والافتراضات السابقة يقدر القاضي مدى حق الزوجة في طلب فسخ النكاح، ومدى ما أصابها من ضرر يحق لها بسببه طلب الفسخ.
هذا من حيث العموم أما من حيث السؤال محل المسألة، فينبغي التفريق بين حالتين، الأولى: إن كانت فسخت النكاح لغيبة الزوج وعدم نفقته ولم يحكم بموته فتستمر في نكاحها الثاني، ولا يد للأول عليها.
وإن كانت فارقته لفقده وحكم بموته واعتدت عدة الوفاة وورثته ففيها الخلاف السابق.
ومن ظاهر السؤال يتبين أن المرأة تزوجت بمجرد خبرٍ عارض وكان عليها التيقن عن هذا الخبر؛ لأن غرقى السفن يُعْرفون من خلال تسجيل أسمائهم وجنسياتهم في بياناتها، ولم يتبين من ظاهر السؤال أن الزواج الأخير قد تم بناء على حكم أو أن الإجراءات الشرعية ـ مثل الإعلان عن فقد الزوج أو نحو ذلك ـ قد اتخِذت، فعلى هذا يحق للزوج الأول المطالبة بعودة زوجته إليه، بحكم الحاكم وبعد استبرائها من الزوج الثاني.
وخلاصة المسألة: أن من الفقهاء من أوجب على الزوجة انتظار زوجها الغائب مهما طالت مدة غيابه، وليس لها الحق في أن تتزوج غيره ما لم يأتها يقين بوفاته، ومع ما لاجتهادهم رحمهم الله من أسباب إلا أن انتظار الزوجة أجلًا غير محدد فيه ضرر لها، لما تحتاجه من زوج ينفق عليها ويرعاها، وينجب منها وقد نهى الله ورسوله عن الإضرار بها.
ومن الفقهاء ـ وهم الأغلب ـ من حدد مدة انتظار زوجة الغائب بأربع سنين، وقد قصدوا من ذلك تخفيف الضرر عنها والتأكد من براءة رحمها خلال هذه المدة، ولعل هذا في زمن كانت فيه الاتصالات غير ميسرة، أما وقد تقاربت البلدان بحكم تطور وسائل الاتصال، فقد بات من اليسير معرفة حال الغائب من خلال هذه الوسائل، كما أن تقدم الطب في العصر الحاضر، جعل من اليسير معرفة براءة الرحم من عدمها.
هذا من حيث العموم، أما السؤال في المسألة فيتبين من ظاهره أن المرأة تزوجت من زوج آخر بمجرد خبر عارض. وكان عليها أن تتيقن عن هذا الخبر؛ لأن غرقى السفن يعرفون من خلال تدوين أسمائهم وجنسياتهم في بيانات السفن وسجلاتها، ولم يتبين من ظاهر السؤال أن الزواج الأخير قد تم بناء على حكم أو أن الإجراءات الشرعية المعتادة من إعلان عن المفقود وخلافه قد اتُخذت، فعلى هذا يحق للزوج الأول المطالبة بعودة زوجته إليه بحكم الحاكم، وبعد استبرائها من الزوج الثاني.
والله أعلم.
([1]) الإنصاف للمرداوي ج9، ص288، وقيل في تعريف المفقود هو الغائب الذي لا يدرى حياته ولا موته، انظر شرح فتح القدير لابن الهمام على الهداية للمرغيناني ج6، ص141.
([2]) كنز العمال للبرهان فوري، ح16، ص 329، وسنن الدارقطني، ج3، ص 312، قال أبو حاتم الرازي في علل ابن أبي حاتم، (١٢٩٨): هذا حَديثٌ مُنكَرٌ، ومُحَمَّدُ بنُ شُرَحْبِيلَ: متروكُ الحديثِ، يروي عن المغيرةِ بنِ شُعْبةَ، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحاديثَ مناكيرَ أباطيلَ..
([3]) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني، ج6، ص196. وانظر شرح فتح القدير لابن الهمام على الهداية للمرغيناني ج6، ص 141 ـ 148. والمبسوط للسرخسي ج11، ص 34 ـ 38. وكشف الحقائق للأفغاني ج1، ص 334. وحاشية الطحطاوي للطحطاوي، ج2، ص 508 ـ 510.
([4]) المدونة الكبرى للإمام مالك برواية الإمام سحنون مع مقدمات بن رشد ج2، ص 29 ـ 31، وانظر المعونة على مذهب عالم أهل المدينة للبغدادي ج2، ص 820 ـ 823، والكافي في فقه أهل المدينة المالكي للقرطبي ص 259 ـ 260، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدسوقي ج2، ص 479 ـ 481، وعقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم أهل المدينة لابن شاس ج2، ص 269 ـ 271، وبلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك للصاوي ج1، ص 504 ـ 506، وشرح منح الجليل على مختصر العلامة خليل للشيخ عليش ج4، ص 318 ـ 327، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل للحطاب ج4، ص 155 ـ 158.
([5]) الحاوي الكبير للماوردي ج14، ص 365 ـ 370، والمجموع شرح المهذب للنووي ج18، ص 155 ـ 161، والأم للإمام الشافعي ج5، ص 239 ـ 240، وفتح الوهاب بشرح منهج الطلاب للأنصاري ج1، ص 107.
([6]) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف.. للمرداوي ج9، ص 288 ـ 294، والمغني والشرح الكبير لابن قدامة ج9، ص 130 ـ 143، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي ج3، ص 222 ـ 223، وكتاب الفروع لابن مفلح ج5، ص 545 ـ 548.
([7]) كنز العمال للبرهان فوري، ج16، ص329، سنن الدارقطني، ج3، ص312.
([8]) أخرجه مسلم في كتاب الرضاع باب الوصية بالنساء، ج10 ص58.