ومفاد المسألة سؤال من أحد الإخوة الأطباء في المملكة العربية السعودية يقول فيه: إن امرأة تلد لأول مرة وقد قررت الطبيبة المشرفة عليها أنها تحتاج إلى جراحة قيصرية عاجلة ولا يستطيع أحد إجراءها إلا طبيب متخصص، ولما عُرِض الأمر على زوجها رفض ذلك بحجة أن الطبيب الذي سيجريها رجل، ولا يجوز له النظر إلى عورتها كما يقول.

حكم منع الزوجة من إجراء عملية قيصرية لأن من يجريها رجل

والسؤال هو عما إذا كان من حق الزوج أن يرفض إجراء هذه العملية ونحوها، وتعريض زوجته وجنينها للخطر.

والجواب من حيث العموم: أن الله عز وجل عظم أمر النفس، وأمر بالحفاظ عليها، وتوعد من يتعدى عليها بغير حق؛ والأصل في هذا الكتاب والسنة:

أما الكتاب: فالآيات كثيرة منها قول الله عز وجل: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195]، وهذا عام في كل ما يؤذي النفس أو يؤدي بأي وسيلة إلى الإضرار بها، وقوله عزوجل: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة:32]، وقوله عزوجل: {وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِين} [البقرة:190]، وهذا عام في كل اعتداء يؤدي إلى الإضرار بالنفس.

ولما اقتضت حكمة الله تحريم بعض الأطعمة والأشربة استثنى منها ما يحفظ النفس عندما تكون ثمة ضرورة لحفظها، فقال عزوجل: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} [البقرة:173]، وقوله عزوجل: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيم} [الأنعام:145]، وقد استثنى عز وجل من أُكْرِه على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان فقال تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل:106]([1]). وفي هذه الآيات دلالة على حرمة النفس وعظم شأنها عند الله، فما كان عز وجل ليستثني مما حرمه إلا وقد أوجب على خلقه صيانة النفس والحفاظ عليها لعلم علمه، وحكمة قدرها.

أما السنة: فالأحاديث كثيرة جدًا منها قول رسول الله ﷺ: (قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا)([2]).

وقد انبنت على هذه الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله -عليه أفضل الصلاة والسلام- قواعد من الفقه تؤكد حفظ النفس وصيانتها من الاعتداء والعبث، ومن ذلك قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) والضرورة هي: “العذر الذي يجوز بسببه إجراء الشيء الممنوع” والمباح ما ليس به مؤاخذة([3])، ويتفرع من هذه القاعدة عدة أحكام منها لو أصبح شخص في حال الهلاك من الجوع أو العطش؛ فله أخذ مال غيره ولو جبرًا على أن يؤدي ثمن ما أخذ فيما بعد. ومن هذه الأحكام ما لو أكره شخص شخصًا آخر على إتلاف مال الغير أبيح للمجْبَر (بفتح الباء) فعل ذلك، رغم ما لمال هذا الغير من حرمة كحرمة النفس، وعلى المجبِر (بكسر الباء) الضمان، ومن هذه الأحكام لو تعرض شخص لخطر حيوان الغير أو آلاته أو أشيائه جاز له إتلاف ذلك وعليه ضمانه.

ومن هذه القواعد أن (الضرر يزال)؛ لأنه عدوان وظلم، وشريعة الله تحرم الظلم، وتأمر برد الظالم عن ظلمه صونًا للنفوس، ودفعًا للتشاجر والفتن، وينبني على هذه القاعدة عدة أحكام:

منها حق الجار أن يسقط جدار جاره المائل، وذلك دفعًا للضرر الذي قد يحدث من انهيار الجدار عليه.

ومنها حق الجار في أن يمنع جاره من إحداث ضرر له في نفسه أو في راحته، كسد الهواء أو إحداث روائح مؤذية أو نحو ذلك مما يسبب الضرر والأذى.

ومن هذه القواعد أنه (لا ضرر ولا ضرار).

والأصل في هذا تحريم الضرر لأنه ظلم، وقد حرم الله الظلم على نفسه وعلى عباده، كما ورد في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا. . . )([4]). والضرر عام يشمل كل ما يؤدي إلى إيذاء المرء في نفسه أو ماله ماديًا كالقتل أو الجراح، أو معنويًا كالكلمة السيئة، وكما أن الضرر لا يجوز فإن الضرار (أي مقابلة الضرر) بمثله كذلك لا يجوز([5]). هذا من حيث العموم كما ذكر، أما عن الزوج في المسألة فإن تحريم إضراره بزوجته آكد وأعظم؛ لأنه مؤتمن عليها في كل شأن من شئونها الدينية والدنيوية، وهذه الأمانة تقتضي منه بالضرورة عدم ضرها؛ لأن الله -عز وجل- نهى عن ذلك نهي تحريم في قوله -تعالى-: {وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق:6]، وهذا النهي يشمل كل ما يؤذي الزوجة في نفسها أو عقلها أو مالها أو عرضها، ولا شك أن منعها من إجراء العملية القيصرية، وتعريض حياتها وجنينها للخطر يُعد ظلمًا لها، بل هو اعتداء على حياتها، وتبرير ذلك بعدم جواز كشف عورتها للطبيب، تبرير خاطئ للأدلة المؤكدة على وجوب حفظ النفس مما أشير إليه آنفًا؛ ولما ورد من أدلة تبيح كشف العورة عند الضرورة:

منها ما ورد في مذهب الإمام مالك من أنه يباح النظر إلى وجه المرأة لتحمل الشهادة، ويباح أيضًا إلى الفرج لتحمل شهادة الزنا([6]).

وفي مذهب الإمام الشافعي يجوز استيعاب وجه المرأة بالنظر للشهادة، وإذا دعت الحاجة إلى كشف العورة لاغتسال (أو نحوه) جاز، بل قال صاحب الذخائر بجواز كشفها في الخلوة لأدنى غرض، ولا يشترط حصول الحاجة([7]).

وعند الإمام النووي إذا كانت حاجة شرعية، فيجوز النظر إلى المرأة كما في حالة البيع والشراء والتطبب والشهادة ونحو ذلك([8]).

وفي مذهب الإمام أحمد يباح للطبيب النظر إلى ما تدعو الحاجة إليه من بدن المرأة من العورة وغيرها حتى الفرج؛ لأنه موضع ضرورة فأشبه الحاجة إلى الختان، كما أن للشاهد النظر إلى وجه المشهود عليها؛ لتكون الشهادة واقفة على عينها.

قال الإمام أحمد لا يشهد على امرأة إلا أن يكون قد عرفها بعينها، وإذا عامل امرأة في بيع أو إجارة فله النظر إلى وجهها ليعلمها بعينها فيرجع إليها بالدرك([9]).

ومن ذلك ما صدر من مجلس المجمع الفقهي الإسلامي عن موضوع منع الزوج زوجته من تناول العلاج الموصوف لها لمرض الصرع، بحجة أن ما بزوجته مس من الجن أو أن الأدوية الموصوفة لها نوع من المخدر، وقد رأى المجلس بالإجماع “أنه ليس للزوج منع زوجته من تناول العلاج المناسب المباح شرعًا الموصوف لها من الطبيب الثقة المؤتمن؛ لأن في منعها من العلاج إلحاقًا للضرر بها وقد نهى رسول الله ﷺ عن الضرر فقال: (لا ضرر ولا ضرار) وهذا الحكم ينطبق أيضًا على كل ولي، فلا يجوز له منع المولى عليه من العلاج المباح له شرعًا”([10]).

ومن ذلك أيضًا ما صدر من مجلس مجمع الفقه الإسلامي من أن “الأصل أنه إذا توافرت طبيبة متخصصة يجب أن تقوم بالكشف على المريضة، وإذا لم يتوافر ذلك فتقوم بذلك طبيبة غير مسلمة ثقة، فإن لم يتوافر ذلك يقوم به طبيب مسلم، وإن لم يتوافر طبيب مسلم يمكن أن يقوم مقامه طبيب غير مسلم على أن يطلع من جسم المرأة على قدر الحاجة في تشخيص المرض، ومداواته وألا يزيد عن ذلك، وأن يغض الطرف قدر استطاعته، وأن تتم معالجة الطبيب للمرأة هذه بحضور محرم أو زوج أو امرأة ثقة خشية الخلوة”([11]).

قلت: إن الزوج في المسألة لم يفعل ما فعل كرهًا لزوجته، أو قصد الإضرار بها خاصة، وهي في تلك الحالة من ألم الولادة وخطورتها، ولكنه في غمرة (غيرته) لم يدرك مخاطر تصرفه على زوجته، وللغيرة مجال غير مجال الولادة، ووقوع الخطر على الزوجة، فالغيرة في تلك الحالة من الخطر مما يبغضه الله بل يحرمه، وفي هذا روي أن رسول الله ﷺ قال: (إن من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله، ومن الخيلاء ما يحب الله ومنها ما يبغض الله، فأما الغيرة التي يحب الله فالغيرة في ريبة، وأما التي يبغض الله فالغيرة في غير الريبة، وأما الخيلاء التي يحب الله اختيال الرجل بنفسه عند القتال وعند الصدقة، والاختيال الذي يبغض الله الخيلاء في الباطل)([12]).

وفي رواية أخرى قال -عليه الصلاة والسلام-: (إن من الغيرة مايحبه الله ومنها ما يبغضه الله. . . فأما الغيرة التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، والغيرة التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة)([13]).

وينبني على ما سبق أنه لا يجوز للزوج أن يمنع زوجته من العملية القيصرية، بحجة أن الذي سيجريها لها رجل، فما دام أنه لم يتوافر في المكان طبيبة متخصصة قادرة على إجراء العملية، فيباح إجراؤها من قبل الطبيب المتخصص، وإذا حدث أن تعرضت الزوجة لضرر من جراء منعها من هذه العملية فيكون الزوج ضامنًا لما أصابها من ضرر.

وخلاصة المسألة: أن الله عز وجل عظم أمر النفس، وأمر بالحفاظ عليها، وتوعد من يتعدى عليها بغير حق. ولما اقتضت حكمة الله تحريم بعض الأطمعة والأشربة، استثنى منها ما يحفظ النفس عندما تكون ثمة ضرورة لحفظها، والأصل في هذا كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وقد انبنت على أحكامهما قواعد من الفقه تؤكد على حفظ النفس وصيانتها من الاعتداء، ومن ذلك قاعدة: “الضرورات تبيح المحظورات”، وقاعدة: “الضرر يزال”، وقاعدة: “لا ضرر ولا ضرار”.

هذا من حيث العموم في الحفاظ على النفس، أما عن المسألة فإن تحريم إضرار الزوج بزوجته آكد وأعظم؛ لأنه مؤتمن عليها في كل شأن من شئونها الدينية والدنيوية، وهذه الأمانة تقتضي منه بالضرورة عدم ضرها، ولا شك أن منعها من إجراء العملية القيصرية، وتعريض حياتها وجنينها للخطر يعد ظلمًا لها، وتبرير ذلك بعدم جواز كشف عورتها للطبيب تبرير خاطئ؛ لأنه يباح للطبيب النظر إلى ما تدعو الحاجة إليه من بدن المرأة، بما في ذلك الفرج؛ لأنه موضع ضرورة، ولا مجال للغيرة في تلك الحالة من الخطر، فهذه الغيرة مما يبغضها الله بل يحرمها؛ لأنها غيرة في غير ريبة.

وعلى هذا لا يجوز للزوج في المسألة أن يمنع زوجته من العملية القيصرية، ما دام أنه لم يتوافر في المكان طبيبة متخصصة قادرة على إجراء العملية، فيباح حينئذٍ إجراؤها من قبل طبيب متخصص، وإذا حدث أن تعرضت الزوجة لضرر من جراء منعها من هذه العملية، فيكون الزوج ضامنًا لما أصابها من ضرر.

والله أعلم.

([1])وهذه نزلت في عمار بن ياسر فقد أعطى المشركين بلسانه ما أرادوا منه مكرهاً، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال له عليه الصلاة والسلام: (كيف تجد قلبك؟) قال: مطمئن بالإيمان فقال -عليه الصلاة والسلام- (فإن عادوا فعد)، قال الحاكم في المستدرك على الصحيحين، (٣٤٠٥): صحيح على شرط الشيخين.

([2]) أخرجه النسائي في كتاب تحريم الدم، باب تعظيم الدم، ج7 ص82، صححه الألباني في صحيح الجامع، (٤٣٦١).

([3])  درر الحكام شرح مجلة الأحكام العدلية لعلي حيدر الكتاب الأول ص33 – 34.

([4]) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، ج16 ص132.

([5])  درر الحكام شرح مجلة الأحكام العدلية لعلي حيدر.

([6]) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس، ج2، ص8.

([7]) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للشيخ محمد الشربيني الخطيب، ج4، ص447، وانظر نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي، ج2، ص6.

([8]) شرح النووي على صحيح مسلم، المجلد2، ص 31.

([9])  انظر هذا بنصه في المغني والشرح الكبير للإمام ابن قدامة، ج7، ص 459، والكافي للإمام ابن قدامة، ج4، ص 215، والشرح الكبير لابن قدامة والإنصاف للمرداوي، ج20، ص44، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي، ج3، ص6. والشرح الكبير مع المغني، ج12، ص9، 21.

([10]) قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثانية عشرة المنعقدة في مكة المكرمة في الفترة من 15 رجب 1410هـ إلى 22 رجب 1410هـ.

([11]) قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي رقم85/12/د8 المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري باجوان بروناي (دار السلام) من 1 إلى 7 محرم 1414هـ.

([12])  رواه أبو داود والنسائي وابن حبان، مُسند الإمام أحمد بن حنبل، ج5، ص446، السنن الكبرى للبيهقي، ج7، ص308، حسنه الألباني في صحيح النسائي، (٢٥٥٧).

([13]) رواه أبو داود والنسائي وابن حبان، مُسند الإمام أحمد بن حنبل، ج5، ص 445-446، والسنن الكبرى للبيهقي، ج7، ص 308، صححه الألباني في صحيح الجامع، (٥٩٠٥).