والجواب: أن الأصل في تغذية الأطفال في السنتين الأوليين إرضاعهم من أمهاتهم، باعتبار أن ذلك هو الوضع الطبيعي المتأتي من صنع الله الذي وضع لكل مخلوق حاجاته وفق تنظيم وأسس من المعجزات، وقد ظل لبن الأم هو الأصل لكل طفل أنى كان، وحيثما كان، ولكن هذا قد لا يتيسر نتيجة ما قد يطرأ من أحوال، فقد لا تستطيع الأم إرضاع أطفالها لمرض أو عجز، وقد لا يستطيع الطفل الرضاع من أمه لسبب عضوي أو نفسي، وهكذا يصبح اللجوء إلى البدائل أمرًا تقتضيه الضرورة.
ولعل الزمن المعاصر أكثر الأزمنة خروجًا على الأصل في إرضاع الأطفال لأسباب متعددة، ربما أهمها عزوف الأمهات عن إرضاع أطفالهن لأسباب نفسية، أو اجتماعية؛ مما جعل اللجوء إلى البدائل في الإرضاع أمرًا شائعًا شجع عليه تنافس شركات الألبان في ملء الأسواق بالعديد من أنواع الحليب المجفف للأطفال.
ونتيجة للأبحاث التي صاحبت هذا الوضع تبين أن لبن الأم ينفرد بالخصائص الطبيعية التي أوجدها البارئ -عز وجل-، وأن الأطفال الذين يرضعون من أمهاتهم يتفوقون صحيًّا ونفسيًّا بخلاف الأطفال الذين يرضعون رضاعة صناعية، ولعل هذا هو السبب في محاولة جعل لبن الأمهات سلعة تجارية كما أشير إلى ذلك في السؤال.
وقد ورد النص في كتاب اللـه عن مسألـة الرضاعـة للأولاد في قوله -تعالـى-: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233]، وقوله -تعالى-: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: 6]، فدلت الآية الأولى على أن الأمهات أحق بإرضاع أطفالهن من غيرهن؛ لقول الله -تعالى-: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ}، ولكن هذا من وجه آخر دليل على جواز إرضاعهم من غير أمهاتهم؛ لأنه -تعالى- لم يقل وعلى الوالدات، وقد تأكد هذا في قوله -تعالى- في الآية الأخرى: {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى}، فاقتضى ذلك جواز إرضاع الأطفال من غير أمهاتهم وفق مقتضيات الحاجة والأحوال كما سنرى.
وقد بحث الفقهاء مسألة بيع لبن الأمهات:
ففي مذهب الإمام أبي حنيفة: لا يجوز بيع هذا اللبن، فقالوا: “ولا ينعقد بيع لبن المرأة في قدح”؛ لأنه ليس بمال، وقد استدلوا على ذلك بإجماع الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-، فقد روي عن عمر وعلي أنهما حكما في ولد المغرور بالقيمة([1])، وبالعقر بمقابلة الوطء([2])، ولم يحكما بوجوب قيمة اللبن بالاستهلاك، ولو كان هذا مالًا لحكما به، وكان هذا بمحضر من الصحابة، ولم ينكره منهم أحد، فكان ذلك إجماعًا، كما استدلوا على عدم الجواز بالمعقول؛ لأنه لا يباح به شرعًا على الإطلاق، بل لضرورة تغذية طفل، وما كان حرامًا الانتفاعُ به شرعًا إلا لضرورة لا يكون مالًا كالخمر، والدليل على أنه ليس بمال: أنه لا يباع في الأسواق، إضافة إلى أنه جزء من الآدمي، وهذا محترم ومكرم في جميع أجزائه، وليس من الكرامة والاحترام ابتذاله بالبيع والشراء([3]).
وفي مذهب الإمام مالك: خلاف ذلك، فيجوز “بيع لبن الآدميات؛ لأنه طاهر منتفع به”، وذلك قياسًا على لبن الأنعام، أما القول في مذهب الإمام أبي حنيفة بشرف الآدمي، وأن الإرضاع من لبن الأمهات أبيح للضرورة، فيرد عليه بما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها أرضعت كبيرًا، فحرم عليها، فلو كان حرامًا ما فعلت ذلك، ولم ينكر عليها أحد من الصحابة، فكان هذا إجماعا عن إلغاء الفرق([4]).
وفي مذهب الإمام الشافعي: يجوز بيع لبن الآدميات؛ لأنه طاهر منتفع به، ولا كراهة فيه، فجاز بيعه كلبن الشاة، ولأنه غذاء للآدمي كالخبز، أما القول بأنه لا يباع في العادة “فإنه لا يلزم من عدم بيعه في العادة ألا يصح بيعه، ولهذا يجوز بيع بيض العصافير، وبيع الطحال، ونحو ذلك مما لا يباع في العادة”([5]).
وفي مذهب الإمام أحمد: يجوز بيعه؛ لكونه طاهرًا ينتفع به كلبن الشاة؛ لأنه يجوز أخذ العوض عنه في إجارة الظئر، فيضمنه من أتلفه([6]).
وفي الإنصاف: أن في بيعه وجهين:
الأول: أنه يصح بيعه مطلقًا، وعليه المذهب.
والوجه الثاني: أنه لا يصح بيعه مطلقًا، وقد كرهه الإمام أحمد([7]).
ومن هذا يتبين أن عامة الفقهاء على جواز بيع لبن الأمهات باستثناء الإمام أبي حنيفة كما سبق ذكره.
قلت: ووجه الجواز لبيع لبن الأمهات واضح فيما تضمنته آية الرضاع في سورة الطلاق من أحكام:
فالحكم الأول: وجوب الأجر للمطلقة على إرضاع الولد إذا لم تأتمر بالمعروف، وأبت أن تقبل إرضاعه إلا بأجرة، بدليل قول الله -تعالى-: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ}.
والحكم الثاني: حق المطلقة في حالة “التعاسر” أي: الامتناع عن إرضاع الولد، مثلها في ذلك مثل الأجير الذي لا يقبل العمل إلا برضاه، وعندئذ يجب على الوالد استئجار مرضعة أخرى لولده، بدليل قول الله -تعالى-: {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى}.
والحكم الثالث: حكم عام يوجب إجبارها على إرضاع الولد إذا أبى ثدي غيرها؛ لما سيؤدي إليه امتناعها من تعرضه للضرر، فاستوجب ذلك حفظ نفسه بإجبارها على إرضاعه.
أما مسألة حفظ لبن الإمهات لبيعه كأي سلعة تجارية أخرى فأمر يتعلق بعرف الزمان والمكان، فإذا اتفق أنْ قامت مؤسسات في بلد ما بالعناية بهذا اللبن وحفظه؛ لبيعه في الأسواق، فليس في تغذية الأطفال به حرج طالما أنه يجوز بيعه؛ لأن ما يجوز بيعه من المطعومات أو المشروبات يحل أكله أو شربه.
ولكن هذا الأمر يتعلق به مسألتان مهمتان:
المسألة الأولى: مدى صلاحية بيع هذا اللبن من الناحية الطبية، وتلك مسألة لها قواعدها وأحكامها الطبية، والمهم أن يكون صالحًا لتغذية الأطفال به في مراحل حياتهم الأولى.
والمسألة الثانية: الناحية الشرعية، فالأصل أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، بدليل قول الله -تعالى-: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: 23]، وقول رسول الله -ﷺ-: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)([8]).
وللفقهاء آراء حول عدد الرضعات التي يقع بها التحريم، فمنهم من يرى أنها ثلاث([9])، ومنهم من يرى أنها خمس([10])، ومنهم من يرى أن التحريم يقع بمجرد الرضاع، قَلَّ أو كَثُرَ([11]).
فإذا افترضنا صحة ما قيل في المسألة عن إمكانية بيع لبن الأمهات في الأسواق فلهذا حالتان:
الحالة الأولى: إن عُرف مصدره من امرأة بعينها فتطبق الأحكام الشرعية في مسائل الرضاعة.
والحالة الثانية: إذا لم يُعرف مصدره من امرأة بعينها، كما هو حال الدم الذي تستورده المستشفيات من الخارج، فنكون عندئذ أمام حالة جهالة الأم، أو الأمهات اللاتي تولد منهن اللبن، والجهالة في هذه الحال ترفع التحريم بالنسبة للزواج بين المرتضعين منه؛ لأن ما يثبت به الرضاع هو الإقرار أو البينة([12]).
وخلاصة المسألة: أن الأصل في تغذية الأطفال في السنتين الأوليين من حياتهم إرضاعهم من أمهاتهم، ولكن هذا قد لا يتيسر، فيصبح اللجوء إلى البدائل أمرًا تقتضيه الضرورة، ومن هذه البدائل: لبن المرضعات من غير الأمهات، بدليل قول الله -تعالى-: {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى}.
أما حفظ هذا اللبن وبيعه فأمر يتعلق بعرف الزمان والمكان، فإذا وجد هذا فليس في تغذية الأطفال به حرج -إن شاء الله -؛ لأن ما جاز بيعه جاز أكله أو شربه، فإذا فرض صحة ما قيل عن إمكانية بيعه في الأسواق فله حالتان:
الحالة الأولى: إن عرف مصدره من أم بعينها فتطبق الأحكام الشرعية في مسائل الرضاعة.
والحالة الثانية: إن لم يعرف مصدره من امرأة بعينها فنكون عندئذ أمام “جهالة الأم” التي تولد منها اللبن، والجهالة في هذه الحال ترفع التحريم في مسائل الرضاعة.
والله أعلم.
([1]) المغرور بالقيمة: من وطأ امرأة معتقدًا أنها له، وولدت، ثم استحقت. انظر: القاموس الفقهي لسعدي أبو جيب، ص273، وانظر: فتح القدير لابن الهمام، ج5، ص 258.
([2]) العقر بالوطء: صداق المرأة إذا وطئت بشبهة، فتح القدير ج5، ص257، وبدائع الصنائع للكاساني، ج7، ص37.
([3]) بدائع الصنائع للكاساني ج5 ص145-146، وانظر: فتح القدير لابن الهمام على الهداية للمرغيناني ج6 ص423-424، وحاشية رد المحتار لابن عابدين ج5 ص71.
([4]) مواهب الجليل للحطاب، ج4 ص265، وعقد الجواهر الثمينة لابن شاس ج2 ص337.
([5]) المجموع شرح المهذب للنووي، ج9 ص254، والوجيز في فقه مذهب الإمام الشافعي للغزالي، ج1، ص 174.
([6]) كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي، ج3، ص154، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي، ج2، ص 142.
([7]) الإنصاف للمرداوي، ج4، ص276-278.
([8]) أخرجه البخاري (٢٦٤٥)، وأخرجه مسلم (١٤٤٧) باختلاف يسير، أخرجه الإمام أحمد في المسند ج1 ص 339.
([9]) فقه الإمام أبي ثور لسعدي جبر، ص493، والمغني والشرح الكبير لابن قدامة، ج9 ص193.
([10]) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي، ج7، ص174، والمغني والشرح الكبير لابن قدامة، ج9، ص192، والمحلى بالآثار لابن حزم، ج10، ص189.
([11]) بدائع الصنائع للكاساني، ج4، ص7، 8، وشرح منح الجليل لعليش، ج4، ص373، والمغني والشرح الكبير لابني قدامة، ج9، ص192.
([12]) انظر: بدائع الصنائع للكاساني، ج4، ص14، 15، وانظر: شرح منح الجليل لعليش، ج4، ص381 – 382، ونهاية المحتاج للرملي، ج7، ص182 – 185، والمغني والشرح الكبير لابن قدامة، ج9، ص222 – 228.