- والجواب: أن ما فعله صاحب القضية يعد نتيجة تلقائية لغياب العقل وزواله، وهو الفعل الذي حرمه الإسلام حرصًا منه على سلامة الإنسان وتصرفاته، وهذا الفعل المحرم مازال مشكلة الإنسان الذي يرتكبه بطوعه، ومن ثم يعاني من آثاره في نفسه، وأسرته وماله.
وقد وصف الله ذلك الفعل بأنه رجس من عمل الشيطان يريد به إيقاع الفتنة والعدواة، ويصد الإنسان عن ذكر الله وعن طاعته، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} [المائدة:90]، {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ} [المائدة:91]، وفي السنة أحاديث كثيرة عن تحريم الخمر ومساوئها، فعن عبدالله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: ‹‹من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة››([1]). وفي حديث آخر عنه -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: ‹‹كل مسكر حرام ومن شرب الخمر فمات وهو يدمنها ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة››([2]).
ولما كان الطلاق بين الزوجين قد يقع نتيجة السكر، فقد تعددت أراء الفقهاء في مسألة وقوعه:
ففي مذهب الإمام أبي حنيفة: إذا طلق السكران امرأته، فإن كان فعله بسبب محظور، بأن شرب الخمر طوعًا حتى سكر وزال عقله، فطلاقه واقع؛ استدلالًا بقول الله تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [البقرة:229]، إلى قوله عز وجل {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة:230]، وذلك من غير تفريق بين السكران وغيره إلا من خُص بدليل، ولأن زوال عقله بسبب معصية؛ فينزل قائمًا عقوبة عليه، وزجرًا له عن ارتكاب المعصية، وهذا بخلاف ما إذا كان زوال العقل بسبب البنج أو الدواء؛ لأن زواله ليس بمعصية. . . وإن كان سكره بسبب مباح، ولكن حصل له به لذة، كما لو شرب الخمر، وهو مكره حتى سكر، أو شربها لضرورة العطش فسكر فيقع طلاقه أيضًا؛ لأنه وإن زال عقله فإنما حصل بلذة، فيجعل قائمًا، ويلحق الإكراه والاضطرار بالعدم. وعند محمد صاحب أبي حنيفه أن من شرب النبيذ ولم يزل عقله، ولكنه صدع فزال عقله بالصداع لايقع طلاقه([3]).
وعند الإمام مالك: يقع طلاق السكران؛ استدلالًا بما روي عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أنهما سُئلا عن طلاق السكران إذا طلق امرأته أو قتل، فقالا: إن طلق جاز طلاقه، وإن قتل قُتِل([4])، والمشهور في المذهب وقوع طلاقه([5])؛ لأن أحكام التكليف المتعلقة بالتغليظ جارية عليه، كالقود إذا قتل، والحد إذا زنى أو قذف، ووجوب قضاء الصلاة، ومثل ذلك الطلاق([6]).
وعند الإمام الشافعي: أن من شرب خمرًا ونبيذًا فأسكره فطلق لزمه طلاقه. . ولا تسقط المعصية بشرب الخمر والمعصية بالسكر من النبيذ عنه فرضًا ولا طلاقًا([7])، ثم قال رحمه الله. . “فإن قال قائل فهذا مغلوب على عقله والمريض والمجنون مغلوب على عقله؟ قيل المريض مأجور، ومكفر عنه بالمرض، مرفوع عنه القلم إذا ذهب عقله، وهذا آثم مضروب على السكر غير مرفوع عنه القلم، فكيف يقاس من عليه العقاب بمن له الثواب؟ والصلاة مرفوعة عمن غلب على عقله، ولا ترفع عن السكران، وكذلك الفرائض من حج أو صيام أو غير ذلك”([8]) ولكن من شرب بنجًا ليتعالج به من مرض فأزال عقله، فلا يلزمه طلاق إذا طلق([9]).
وفي مذهب الإمام أحمد: يقع طلاق من زال عقله بسكر ونحوه إذا
شرب ما يزيل عقله، وهو عالم به مختار له، ولو خلط في كلامه وقراءته وسقط تمييزه بين الأعيان، فلا يعرف الطول من العرض([10]). ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية عدم وقوع طلاقه؛ لأنه “وإن كان عاصيًا في الشرب فهو لا يعلم ما يقول، وإذا لم يعلم ما يقول لم يكن له قصد صحيح، وإنما الأعمال بالنيات، وصار هذا كما لو تناول شيئًا محرمًا جعله مجنونًا، فإن جنونه وإن حصل بمعصية فلا يصح طلاقه، ولا غير ذلك من أقواله”([11]).
ويتبين من أقوال الفقهاء أن عامتهم ترى لزوم طلاق السكران([12]). وقد روي هذا عن ابن عباس وعلي ومعاوية، وهو مذهب سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد والحسن، وابن سيرين، والشعبي، وعدد من التابعين وهو قول الإمام أبي حنيفة ومالك وأحمد وأحد قولي الشافعي كما سبق بيانه.
وهناك أقوال أخرى ترى عدم لزوم طلاقه وقد روي هذا عن عثمان رضي الله عنه، وعمر بن عبدالعزيز، وعدد من التابعين وهو أحد قولي الإمام الشافعي. وعند الإمام أحمد رواية بعدم وقوعه([13])، وقال به الطحاوي والكرخي من علماء المذهب الحنفي اعتبارًا بزوال عقله بالبنج والدواء([14]).
أما الإمام ابن حزم: فرأيه واضح في هذه المسألة، وهو أن طلاق السكران غير لازم؛ استدلالًا بقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} [النساء:43]، وهذا بيان من الله تعالى أن السكران لايعلم ما يقول، ومن كان كذلك فهو سكران ومن علم ما يقول فليس بسكران. . ومن أخبر الله تعالى أنه لا يدري ما يقول فلايجوز إلزامه بشيء من الأحكام، لا طلاقًا ولاغيره، وقد ساق أبو محمد عددًا من الأدلة لتأييد رأيه([15]).
وينبني على ماسبق أن لزوم طلاق السكران محل خلاف بين الفقهاء، إلا أن عامتهم ترى لزومه، ولعل هذا هو الصواب فمن سكر طائعًا مختارًا فالأولى إيقاع تصرفاته. فإذا كان طلاق الصاحي يقع، حتى لو كان هازلًا بدليل قول رسول الله ﷺ: ‹‹ثـلاث جدهن جـد وهزلهـن جــد وهي النكـاح والطـلاق والرجعة››([16]) فمن العدل أن يقع طلاق من شرب مسكرًا طائعًا مختارًا حتى لايكون عدم وقوع طلاقه مكافأة له على معصيته.
أما القول في المسألة عن ممانعة صاحب القضية فلا معنى له؛ لأنه بالحالة الموصوفة في السؤال لم يكن مكرهًا، فاقتضى ذلك لزوم طلاقه على قول عامة الفقهاء.
وخلاصة المسألة: أن لزوم طلاق السكران من عدمه محل خلاف بين الفقهاء فذهب عامتهم إلى لزومه، فمن سكر طائعًا مختارًا فقد عصى الله، فوجب إيقاع تصرفاته مثله في ذلك مثل الصاحي.
وذهبت طائفة أخرى إلى عدم لزوم طلاقه؛ لأنه زائل العقل أشبه ما يكون بالمجنون، والنائم المرفوع عنهما القلم، ولعل من الأولى وقوع طلاقه حتى لا يكون عدم وقوعه مكافأة له على معصيته، أما ما ذكر في المسألة عن ممانعة صاحب القضية فلا معنى لذلك؛ لأنه شرب بطوعه فاقتضى ذلك لزوم تصرفه.
والله أعلم.
([1]) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأشربة، صحيح البخاري ج6ص240، وأخرجه النسائي في كتاب الأشربة، باب توبة شارب الخمر، سنن النسائي مع حاشية السندي ج8 ص317-318.
([2]) أخرجه مسلم في كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام، صحيح مسلم بشرح النووي ج13، ص172.
([3]) بدائع الصنائع للكاساني ج3 ص99-100، وانظر: حاشية رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين ج3ص235-240، وحاشية الطحطاوي على الدر المختار للطحطاوي ج2، ص106-107، وشرح فتح القدير لابن الهمام ج3 ص489-491، كشف الحقائق شرح كنز الدقائق لعبد الحكيم الأفغاني ج1 ص189.
([4]) المدونة الكبرى للإمام مالك برواية الإمام سحنون ج1 ص129-130.
([5]) القوانين الفقهية لابن جزي ص151، وعقد الجواهر الثمينة لابن شاس، ج2 ص161.
([6]) المعونة على مذهب عالم المدينة للبغدادي ج2ص84 وشرح منح الجليل على مختصر خليل ج4ص44-45، وانظر مواهب الجليل للحطاب ج4 ص43، التاج والإكليل للمواق هامش مواهب الجليل ج4 ص43.
([7]) الأم للإمام الشافعي ج5ص253.
([9]) الأم ج5 ص253، وانظر نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي ج6 ص424،؟وحواشي الشرواني والعبادي على تحفة المحتاج لابن حجر الهيثمي ج8 ص3-4، والمجموع شرح المهذب للنووي ج17 ص62-65، وكفاية الأخيار في حل غاية الاختصار لأبي بكر بن محمد الحسيني ج2 ص104-105، ومغني المحتاج للشربيني الخطيب ج3، ص390-391.
([10]) كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي ج2ص234-235، وانظر نيل المآرب بشرح دليل الطالب للإمام عبدالقادر التغلبي الشيباني ج2ص166.
([11]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية جمع وترتيب الشيخ عبدالرحمن بن قاسم وابنه محمد ج33 ص102-103.
([13]) المغني والشرح الكبير لابن قدامة ج8 ص255،؟وانظر المجموع للنووي ج17 ص62-65.
([14]) بدائع الصنائع ج3 ص99-100، وانظر الاختيار لتعليل المختار لابن مودود الموصلى الحنفي ج3 ص124.
([15]) المحلى بالآثار ج9ص471-476.
([16]) أخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب في الطلاق على الهزل، برقم(2194)، سنن أبي داود ج2ص259، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب من طلق أو نكح أو راجع لاعبًا برقم(2039)، ج1ص658، والترمذي في كتاب الطلاق، باب ما جاء في الجد والهزل في الطلاق برقم 1184،ج3ص490، قال أبو عيسى: ‹‹هذا حديث حسن غريب، والحمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ›› صححه الألباني في صحيح الترمذي، (١١٨٤).