ومفاد المسألة: أن الأم تتولى مالًا لأحد أولادها، ولما تبين لها حاجة ولدها الآخر أعطته مما تتولاه من مال لأخيه قبل أن تستأذنه، في ذلك ظنًا منها أنها تملك التصرف في مال ولدها، وقد تحرج الولد من الاعتراض على تصرف أمه؛ خشية الإساءة إليها، ولكنه لم يرض بما فعلته في ماله. والسؤال هو ما إذا كانت الأم قد تجاوزت حقها، وما يجب عليها أن تفعله؟

حكم ما إذا أعطت الأم أحد أولادها من مال أخيه دون إذنه

والجواب من حيث العموم أنه: لا يجوز لأحد التصرف قولًا أو فعلا في مال غيره ما لم يأذن له في ذلك، وعدم الجواز هذا مبني على الأصل العام القائم على حرمة مال المسلم، وعدم جواز التعدي عليه دون سبب مشروع، استدلالًا بقول رسول الله ﷺ (إن دماءكم وأمـوالـكـم وأعـراضـكـم عـلـيـكـم حرام)([1])، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: (لا يأخذن أحـدكـم مـتـاع أخيه لاعبًا ولا جادًا فإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليردها إليه)([2]). وحكم التصرف في مال الغير دون إذنه يعد غصبًا إذا كان التصرف فعليًا، كسكن الدار أو أخذ المال، أو قيادة السيارة دون إذن صاحبها، أما إن كان التصرف بالقول فيعد فضولًا، كالبيع المجرد دون التسليم.

وبناء على الأصل العام في النهي عن التعدي على مال الغير دون إذنه، نصت مجلة الأحكام العدلية -من كتب الفقه الحنفي- على أنه لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذنه، ومن ذلك عدم دخول دار الآخر أو مزرعته المسيجة بدون إذنه، وعدم حق الشريك ركوب الحيوان المشترك، أو أن يحمله متاعًا دون إذن الشريك الآخر. . وهكذا([3]). ومن الأصل العام أيضًا المشار إليه نصت المجلـة على أنه “لايجوز لأحـد أن يأخذ مال أحد بلا سبب شرعي “، ومن ذلك أن من دفع شيئا إلى آخر غير واجب عليه أداؤه فله استرداده ما لم يكن أعطاه إياه على سبيل الهبة”([4])، هـذا هو الأصل العـام في حرمة مـال الغيـر، وعدم التعدي عليه.

ويستثنى منه أخذ اللقطـة بقصد تعريفها وإرجاعها إلى صاحبها، وبناء جدار الجار الغائب إذا تهدم، وكـان على الجار البـاني ضرر من بقائه متهدمًا، وأخذ الزوجة من مال زوجها لنفقتها وأولادها؛ استدلالًا بقول رسول الله ﷺ لزوجة أبي سفيان: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)([5]).

أما أهم الاستثناءات فهو حق الأب في تملك مال ولده، ودليل ذلك قول رسول الله ﷺ: (إن أطـيـب مـا أكـلـتـم من كسبكم وإن اولادكم من كسبكم)([6]). وفي رواية عند ابن ماجه: (إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من أموالهم)([7]). وقوله ﷺ للولد الذي قال إن أبي اجتاح مالي (أنت ومالك لأبيك)([8]).

وفي مذهب الإمام أحمد: قيد هذا الحق بشروط خمسة:

أولها: أن يكون المال المتملك فاضلًا عن حاجة الولد، وألا يكون في الأخذ من ماله ما يضره كرأس ماله الخاص بتجارته.

وثاني الشروط: ألا يكون التملك في مرض موت أحدهما (الوالد أو الولد)؛ لأنه بالمرض (انعقد السبب القاطع للتملك).

وثالثهما: ألا يعطي الأب ماتملكه من مال ولده لولد آخر.

و رابعهما: أن يتم التملك بالقبض مع القول أو النية.

وخامس الشروط: أن يكون المال المتملك عينا موجودة فلا يجوز تملك دين ابنه؛ لكونه لا يملك التصرف فيه قبل قبضه([9]).

وهذا الحق للأب في تملك مال ولده قاصر عليه وحده؛ فليس للأم نفس الحق لقول رسول الله ﷺ في الحديث المتقدم ذكره: (أنت ومالك لأبيك)؛ لأن الخبر ورد بهذا النص، فلا يصح قياس غير الأب عليه من أم أو جد خلافهما من الأقارب([10])، وفي قول أخـر إن الأم كالأب فيحق لها أن تأخـذ من مال ولدها ما تشاء([11])، والعلـة في تفرد الأب بالتملك من مال ولده دون الأم هي -كمـا يقـول الإمام ابن قدامة- أن له ولاية على ولده وماله إذا كان صغيرًا، وله شفقة تامة، وحق متأكد ولا يسقط ميراثه بحال، والأم لا تأخذ؛ لأنها لا ولاية لها. . ([12]). وهذا قد لا يكون دقيقًا؛ لأن الأم وإن لم يكن لها ولاية إلا أن لها شفقة تامة على ولدها، قد تكون أكثر من شفقة الأب عليه، وحقها أكثر من حق الأب عليه؛ استدلالًا بقول رسـول الله ﷺ لمن سأله عمن هو أحق الناس ببره: (أمك، ثم أمك، ثم أمك)([13]).

ولعل الـفـقـهـاء الذين قصـروا حق التملك من مال الابن على الأب واستبعاد الأم هو التقيد بالنص في قول رسول الله ﷺ (أنت ومالك لأبيك)، وهـذا الحكم لا يعني بالضرورة منع الأم من التملك من مال ولدها كحال الأب، ومن ثم تقييد هذا الحق بالشروط التي نص عليها الفقهاء في حق الأب.

فالأمر في السؤال مسألة واقع، فإن كان تملك الأم لمال ولدها بقصد نفقتهـا ومعاشها وشئون حياتهـا، فهذا حق مطلق لها، محكوم بقول الله تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء:36]، وهل هناك إحسان أهم من أن ينفق الولد على أمه ويسد حاجتها؟ وهو محكوم أيضا بقول رسول الله ﷺ (أمك) قالها ثلاث مرات، أما إن كان قصد الأم هو الأخذ من مال ولدها بقصد إعطائه لولد آخر، فهذا لا يجوز إلا بإذنه؛ لأنه لا يتعلق به حق لأخيه، فإن إذن لها في ذلك فقد جاء بالحسنيين: رضاء أمه والبر بأخيه.

وخلاصـة المـسـألـة: أنـه لـيـس للأم حق الأخـذ من مال ولدهـا، لـتـبر به ولـدهـا الآخر؛ لأنه لا يتعلق به حق لأخيه، ولا يـجـوز الأخذ من ماله إلا بإذنه، فإن أذن لها فقد جاء بالحسنيين، رضاء أمه والبـر بأخيه، أما إن كان تملك الأم من مال ولدها بقصد نفقتها، فهذا حق مطلق لها؛ لأنه من باب الإحسان الذي أمر الله به الولد لوالديه.

والله أعلم.

 

([1]) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى، صحيح البخاري ج۲ ص۱۹۱، وأخرجه مسلم في كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض وصحيح مسلم بشرح النووي ج۱۱ ص۱۷۰.

([2]) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب من يأخذ الشيء على المزاح، برقم (5003) سنن أبي داود ج4 ص301، صحح إسناده شعيب الأرنؤوط في تخريج شرح السنة، (٢٥٧٢).

([3]) انظر درر الحكام شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر الكتاب الأول البيوع ص85، وانظر شرح القواعد الفقهية، للشيخ أحمد بن محمد الزرقا ص٤٦١.

([4]) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ص٨٦، وانظر شرح القواعد الفقهية ص٤٦٥.

([5]) أخرجه البخاري في كتاب النفقات، باب إذا لم ينفق الرجل، فالمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف، برقم (5364)، فتح الباري، ج9 ص٤١٨.

([6]) أخرجه أبو داود في كتاب البيوع، باب فـي الرجل يأكل من مال ولده برقم (٣٥٢٨). والنسائي في كتاب البيوع، باب الحث على الكسب، والترمذي في كتاب الأحكام، باب ما جاء أن الوالد يأخذ من مال ولده، برقم (١٣٥٨)، سنن الترمذي، ج3 ص639، صححه الألباني في إرواء الغليل، (١٦٢٦).

([7]) أخرجه ابن ماجه في كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده، برقم (۲۲۹۲)، سنن ابن ماجه، ج٢ ص ٧٦٩، صححه الألباني في صحيح ابن ماجه، (١٨٧٠).

([8]) أخرجه أبو داود في كتاب البيوع، باب في الرجل يأكل من مال ولده برقم (٣٥٣٠). سنن أبي داود ج۳ ص۲۸۹، وأخرجه ابن ماجه في كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده، برقم (۲۲۹۱، ۲۲۹۲)، سنن ابن ماجه، ج٢ ص ٧٦٩. صحح إسناده أحمد شاكر في تخريج المسند لشاكر، (١١/١٢٤).

([9]) انظر نيل المأرب بشـرح دليل الطالب للإمام عبدالقادر الشيباني الحنبلي ج۲ ص۲۲ ومطالب أولى النهي في شرح غاية المنتهى الرحيباني ج 4، ص ٤١٠-٤١١، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي ج ۲ ص ٥٢٧ – ٥٢٨، وكتاب الفروع لابن مفلح ج 4 ص ٦٥١.

 

([10]) المراجع السابقة، وانظر في المذهب الحنفي شرح الوقاية لعبدالله بن مسعود رحمة الله هامش كشف الحقائق شرح كنز الدقائق ج۱ ص ٢٤٠ – ٢٤١. والحديث صحح إسناده أحمد شاكر في تخريج المسند لشاكر، (١١/١٢٤).

([11]) انظر الإنصاف للمرداوي ج7 ص ١٥٥.

([12]) المغني والشرح الكبير لابن قدامة ج6 ص٢٩٤.

([13]) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب مـن أحق الناس بحسن الصحبة؟ برقم (٥٩٧١)، فتح الباري، ج10 ص٤١٥، وأخرجه الإمـام أحمـد المسند، ج۲ ص۳۲۷-۳۲۸، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الأدب، باب بر الوالدين، برقم (٣٦٥٨). سنن ابن ماجه، ج۲ ص۱۲۰۷.