بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وصحبه أجمعين، وبعد،،
فالجواب: الأصل أن العبادات بدنية يؤديها المكلف بنفسه، فيصلي ويصوم بنفسه، والحج كذلك عبادة بدنية، ولكن تجوز فيها النيابة بالمال استثناء عند عدم القدرة عليه، كما تجوز فيها الصدقة أي الحج عن الحي غير القادر أو الميت بدون مال منه فللابن أن يحج عن أبيه، وللبنت أن تحج عن أمها، أو أبيها، والزوجة عن زوجها والصديق عن صديقه، ودليل ذلك توجيه رسول الله ﷺ للمرأة الخثعمية حين سألته قائلة: يارسول الله، إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج وهـو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، فقـال النبي ﷺ: (فحجي عنه)([1]).
ولما كانت النيابة في الحج استثناء من الوجوب المترتب على المكلف نفسه، فقد اشترط الفقهاء لها شروطًا:
ومن هذه الشروط في المذهب الحنفي: أن يكون المحجوج عنه عاجزًا عن أداء الحج بنفسه، وله مال فإن كان قادرًا فالتكليف مناط ببدنه لا تجزيء فيه النيابة.
ومن هذه الشروط استدامة العجز وقت الحج عن المحجوج عنه، وأن يستمر هذا العجز إلى بلوغ الأجل، فإن زال المرض قبله لم يجز حج النائب عنه؛ لأن جواز حجه عنه ثبت على خلاف القياس لواقعة العجز المستديم([2]).
وينبني على هذا أن جواز حج المريض، أو السجين، أو من في حكمهما ممن جازت النيابة عنه في الحج موقوف على استمرار السبب الموجب للنيابة، فإن شفي المريض وأطلق السجين وجب عليهما الحج.
وفي مذهب الإمام مالك: لا يجوز أصلًا أن يحج أحد عن أحد لا عن صحيح ولا عن مريض في حياته، وإنما يجوز الحج عمن أوصى إذا مات، ومن مات قبل أن يحج لم يلزم ورثته أن يحجوا عنه، ولا يحجوا من ماله، إلا أن أوصى فتكون وصيته في ثلثه؛ والحجة في ذلك أن المريض غير مستطيع للحج فلا يلزمه أن يحج عنه غيره من ماله؛ لأن الله تعالى يقول: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران:97]. ومعناه أن يحجوا البيت أي يفعلوه بأنفسهم فانتفى بذلك وجوبه على خلاف هذه الصفة. وكل عبادة تعلق فرضها بالبدن مع القدرة لم تنتقل إلى غيره مع العجز كالصلاة والصوم([3]).
وفي مذهب الإمام الشافعي: تجوز النيابة في الحج على من لا يستطيعه ببدنه، فإذا جهز من يحج عنه ثم كان على حال يستطيع فيها الحج لم تجز تلك الحجة عنه، وعليه أن يحج بنفسه، فإن لم يفعل حتى مات أو صار على حال لا يقدر فيها على الحج وجب عليه أن يجهز من يحج عنه. ومثل ذلك من كان زمنًا ثم ذهبت زمانته وعاش مدة يمكنه فيها الحج عن نفسه كان عليه أن يحج؛ لأن الإذن له كان على ظاهر عدم قدرته فإذا قدر على الحج ببدنه لم يجز له تركه([4]).
وفي مذهب الإمام أحمد: خلاف ذلك فإذا أحج العاجز (كالزمن أو المريض الذي لا يرجى برؤه) عن نفسه، ثم شفي لم يجب عليه حج آخر؛ لأنه جاء بما أمر به، وأدى حجة الإسلام فلم يلزمه بعد ذلك حج آخر، والقول بغير ذلك يفضي إلى إلزامه بحجتين ولم يوجب الله عليه إلا حجة واحدة([5]).
وعند الإمام ابن حزم: مثل ذلك قال أبو محمد: «إذا أمر النبي ﷺ بالحج عمن لا يستطيع الحج راكبًا ولا ماشيًا، وأخبر أنه دين أن يقضى عنه، فقد تأدى الدين بلا شك وأجزأ عنه، وبلا شك أن ما سقط وتأدى فلا يجوز أن يعود فرضه بذلك، إلا بنص ولا نص ههنا أصلًا بعودته، ولو كان ذلك عائدًا لبين -عليه السلام- ذلك إذ قد يقوى الشيخ فيطيق الركوب فإذا لم يخبر النبي ﷺ بذلك فلا يجوز عودة الفرض عليه بعد صحة تأديه عنه»([6]).
والأمر في هذا اجتهادي، فالفقهاء الذين رأوا أن النيابة في الحج مجرد استثناء على خلاف الأصل في عدم النيابة في العبادات، رأوا في زوال السبب (عدم الاستطاعة) موجبًا للحج. والفقهاء الذين رأوا جواز النيابة جوازًا مطلقًا رأوا عدم وجوب الحج عن المحجوج عنه، ولو زال السبب الموجب للحج عنه؛ لأنه فعل ما أبيح له فلم يلزمه أن يتكلف ما لا يجب عليه، ولكل من الرأيين حججه ودلائله. ولعل الأفضل للمريض المحجوج عنه أن يحج إذا شفي من مرضه، فالأصل أن المسلم يرغب في الحج ويريد أداءه لتعلق نفسه به استشعارًا منه بعظم أمره، وما فيه من المنافع التي ذكرها الله في كتابه في قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} [الحج:27]. وحدوث المرض له جعله غير مستطيع له فاضطر إلى البدل أي الإنابة عنه، فإذا زال السبب في عدم الاستطاعة فالمفترض أن المحجوج عنه يرغب في أداء شعيرة الحج بنفسه ولهذه الرغبة المفترضة سببان: أولهما: أن المسلم من شأنه أن يتشوق لرؤية بيت الله الحرام. وثانيهما: أن حج النائب لن يكون في طبيعته مثل حج المحجوج عنه، فمع أن النائب سوف يؤدي نسكه نيابة عمن أنابه إلا أن حج الإنسان بنفسه يختلف عن حج نائبه فمشاعره -مثلًا- في الدعاء والتقرب إلى الله غير مشاعر من أنابه وهكذا، والنائب الذي أخذ على نيابته أجرة يعد أجيرًا، والأجير قد يخلص في عمله وقد لا يخلص، وذلك على خلاف الآجر الذي يخلص في عمله بحكم خصوصيته له؛ ولهذا فإن من الواجب على المسلم المبادرة بالحج قبل أن يطرأ له طارىء، أو يعرض له عارض فالحج خير، وقد أمر الله بالاستباق إلى الخيرات في قوله تعالى: {فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ} [البقرة:148]. وقد ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة)([7])، وعلى هذا فخير للمريض المشار إليه أن يحج بنفسه، ويحمد الله على شفائه وما بلغه من الوصول إلى بيت الله الحرام، ويشهد ما ذكره الله من المنافع للحجاج في أمور دينهم ودنياهم.
وخلاصة المسألة: أن الفقهاء في هذه المسألة فريقان: فريق يرى أنه إذا زال العجز الموجب للنيابة في الحج، وجب على المحجوج عنه أن يحج بنفسه فإذا شفي المريض أو أطلق السجين وجب عليهما الحج، وفريق يرى أنه لا يلزم عن المحجوج عنه حجة أخرى إذا شفي من مرضه؛ لأنه جاء بما أمر به، وأدى حجة الإسلام فلم يلزمه بعد ذلك حج آخر. والأمر في هذه المسألة اجتهادي، ولعل الأفضل للمريض المحجوج عنه في المسألة أن يحج بعدما شفي من مرضه؛ لأن النيابة في الحج كانت لعلة المرض فإذا شفي منه فمن الخير له أن يحج حجة الإسلام؛ لأن حجه بنفسه يختلف في طبيعته وكيفيته عن حج نائبه.
وأن هذا مستحب لا واجب، إذ أن الوجوب قد سقط بأداء النائب والله أعلم
([1]) أخرجه الإمام البخاري في كتاب جزاء الصيد، باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، برقم (1854)، فتح الباري، ج4 ص79، وأخرجه مسلم في كتاب الحج، باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما أو للموت، صحيح مسلم بشرح النووي ج9 ص98، وأخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب حج المرأة عن الرجل، سنن النسائي ج5 ص119، وأخرجه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الحج عن الشيخ الكبير والميت، برقم (928)، سنن الترمذي ج3 ص267، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده ج1 ص212.
([2]) بدائع الصنائع للكاساني ج2 ص212-213، وحاشية رد المحتار لابد عابدين ج2 ص598-599، وشرح فتح القدير لابن الهمام ج3 ص144-146، والاختيار لتعليل المختار لابن مودود الموصلي ج1 ص170-171.
([3]) الكافي في فقه أهل المدينة المالكي لابن عبد البر ص133، والمعونة على مذهب عالم أهل المدينة للبغدادي ج1 ص501، وانظر أسهل المدارك شرح إرشاد المسالك للكشناوي ج1 ص443-444.
([4]) الأم للشافعي ج2 ص113-114، 123، والمجموع شرح المهذب للنووي ج7 ص100-102، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي ج3 ص252-253.
([5]) المغني والشرح الكبير لابن قدامة ج3 ص177-178، والإنصاف للمرداوي ج3، ص405، والفروع لابن مفلح ج3 ص245-246، ومطالب أولي النهى للرحيباني ج2 ص283-284.
([6]) المحلى بالآثار لابن حزم ج5 ص40-41.
([7]) أخرجه ابن ماجه في كتاب المناسك، باب الخروج إلى الحج، برقم (2883)، سنن ابن ماجه ج2 ص962، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده ج1 ص214، حسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، (٢٣٤٩).