الجواب: التبرج التكشف للعيان، وتبرجت المرأة إذا أظهرت زينتها ومـحـاسنـها للأجانب([1]). والأصل في النهي عن التبرج الكتاب والسنة:
أما الكتاب: فقول الله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور:60]، أي غير مظهرات، ولا متعرضات للعيون بـالزينة. وقوله عز وجل آمـرا نـسـاء الأمة: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب:33]، والعـلة في النهي عن التبرج الخوف من الوقوع في الإثم، وارتكاب الخطيئة، كما كان يحدث في الجاهلية من تكشف المرأة وإظهار زينتها للأجانب، مما جعلها عرضة للابتذال، وافتتان الرجال بها، والوقوع في الخطيئة، فكان النهي للمرأة المسلمة نهي تحريم عن مشابهتها حتى لا تقع فيما وقعت فيه.
وأمـا السـنة: فما روي أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام فقال لها: «أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئًا ولا تسرقي، ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى([2]).
والنهي عن التبرج شامل لكل ما هو زينة أمام الرجال الأجانب، وقد سئلت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- عن أنـواع الزينة كالصباغ، والخضـاب، والخواتم، والرقاق من الثياب، فقالت: يا معشر النساء قصتكن قصة امرأة واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات، أي: لا يحل، لكن أن يروا منكن محرما([3]).
ومن التبرج أن تلبس المرأة ثيابًا رقيقـة تصف بدنهـا ومحاسنها، ومنه ما يشاهد في هـذا الزمان من قيام بعض الفتيات المسلمات من لبس القمصان والسراويل الضيقة التي تبرز أعـضـاء أجسامهن، مما يلفت نظر الرجال إليهن.
ومن التبرج تحويل الحجاب إلى زي مثل ما يفعله بعض النساء مما يلفت نظر الرجال إليهن، فكل ما دخل في حكم التبرج بأي صـفة أو شكل بعد محرمًا عن أبي هريرة – رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺقال: «صنفان من أهل النار لم أرهما، قـوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا»([4])، قال الإمام ابن العربي: «إنما جعلهن كاسيات؛ لأن الثياب عليهن، وإنما وصفهن بأنهن عاريات؛ لأن الثوب إذا رق يصفهن، ويبدي محاسنهن، وذلك حرام»([5]).
قلت: هـذا بإيجاز عن التبرج الـذي حرم على المرأة فعله أمام الرجال الأجانب، أمـا تبرجهـا لزوجها فهي مأمورة به، ذلك أنه إظهار للزينة، وهذا مما يجب على الزوجة فعله لزوجها، فهي إن فعلته من تلقاء نفسها دخل في حكم وجوب حسن المعاشرة بينها وبينه، وإن فعلته بحكم أمر زوجها لها به دخل في حكم وجوب طاعته، والآثار التي تدل على وجوب هذه الطاعة كثيرة، منها ما رواه حصین بن محصن عن عمة له، أتت النبي ﷺ في حاجة لها، ففرغت من حاجـتها، فقال لها رسول الله ﷺ: «أذات زوج أنت؟ قالت نعم، قال: فكيف أنت له؟ قالت: ما آلوه إلا مـا عـجـزت عنه، قال: انظري أين أنت منه فإنما هو جنتك ونارك»([6]).
ومنها ما رواه عبدالله بن عباس – رضي الله عنهما- قال: «جاءت امرأة إلى النبي ﷺ قالت: يا رسول الله أنا وافدة النساء إليك، ما من امرأة تسمع مقالتي إلى يوم القيامة إلا سرها ذلك، الله رب الرجال والنساء، وآدم أبو الرجال والنساء، وحواء أم الرجال والنساء، وأنت رسول الله إلى الرجال والنساء، كتب الله الجهاد على الرجال فإن استشهدوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون، وإن ماتوا وقع أجرهم على الله، وأن رجعوا أجرهم الله، ونحن النساء تقوم على المرضي وتداوي الجرحي فما لنا من الآخرة، قال رسول الله ﷺ (يا وافدة النساء أبلغي من لقيت من النساء طاعة الزوج واعترافها بحقه يعدل ذلك كله)([7]).
وقد تعرض الفقهاء –رحمهم الله- لمسألة زينة المرأة لزوجها، وما يجب عليها، فقال ابن عباس – رضي الله عنهما-: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي؛ لأن الله تعالى يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}([8]).
وفي مذهب الإمام أبي حنيفة: يحق للزوج إجبار زوجته على التطييب وما في حكمه، وله منعها من كل مـا يتأذى به من رائحته كالثوم والبصل ورائحة الدخان([9]).
وفي مذهب الإمام مالك: قال الإمام القرطبي: للزوج أن يرى من المرأة الزينة، وأكثر من الزينة([10]).
وفي مذهب الإمام الشافعي وجهان في مسألة منع الزوج لزوجته من كل ما يتأذى به: الوجه الأول: له منعها، الوجه الثاني: ليس له ذلك([11]).
وفي مذهب الإمام أحـمـد: يحق للزوج إجبار زوجته على النظافة مما تعافه النفس، كطول الأظفار، وأما ما له رائحة كالثوم والبصل والكراث ففيه وجهان:
أحدهما: له منعها من ذلك، والثاني: ليس له منعها منه([12]).
قلت: فاقتضى ما ذكر أن على الزوجة واجبًا لزوجها في التزين له بما يقتضيه حكم حسن المعاشرة، والطاعة له، وأن المقصود بالتبرج المحرم هـو تبرج المرأة للأجانب، أما الزوج فتبرجها له بعد من باب الزينة الواجبة عليها.
وخلاصة المسألة: أن التبرج المحرم هو إظهار زينة المرأة للأجانب، ومن ذلك أن تلبس ثيابًا رقيقة تصف بدنها ومحاسنها، ومنه ما يشاهد في هذا الزمان من قيام بعض الفتيات المسلمات بلبس السراويل، والقمصان الضيقة، التي تبرز أعضاء أجسامهن مما يلفت نظر الرجال إليهن، فكل ما أظهر زينة المرأة للأجانب بأي شكل أو صفة يعد محرمًا، أما تبرج الزوجة لزوجها فلا يدخل في حكم التبرج المحرم، بل هي مأمورة به، ذلك أنه إظهار للزينة، وهذا مما يجب على الزوجة لزوجها، فهي إن فعلته من تلقاء نفسها دخل في حكم وجوب حسن المعاشرة بينها وبينه، وإن فعلته بحكم أمر زوجها لها به دخل في حكم وجوب طاعته المأمورة بها.
والله أعلم.
([1]) المصباح المنير للفيومي ج ۱ ص ٤٢، والمعجم الصافي لصالح العلي ص 34
([2]) أخرجه الإمام أحمد في المسند ج ٢ من ١٩٦، صحح إسناده أحمد شاكر في تخريج المسند لشاكر، (١١/٧٥).
([3]) الجامع لاحكام القرآن للقرطبي ج ۱۲ ص310.
([4]) أخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب الكاسيات العاريات المائلات المميلات، صحيح مسلم مع شرحه إكمال إكمال المعلم للأبي ج 7 ص ٢٨٤ – ٢٨٥.رقم الحديث ١٢٥.
([5]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج12 ص310.
([6]) أخرجه الإمام أحمد في المسند ج 4 ص ٣٤١، صحح إسناده الألباني في آداب الزفاف، ( ٢١٣).
([7]) أخرجه الديلمي في مسنده برقم 854، وابن الجوزي في أحكام النساء ص ١٤٦، قال الهيثمي في مجمع الزوائد، (٤/٣٠٨): فيه رشدين بن كريب وهو ضعيف.
([8]) المغني لابن قدامة كتاب عشرة النساء والخلع ج ۱۰ ص ۲۲، وصحح أحمد شاكر في عمدة التفسير، خبر ابن عباس، (١/٢٧٧).
([9]) الفتاوى الهندية للشيخ نظام وجماعة من علماء الهند ج ۱ ص ۳۷۱ – 375، وانظر شرح فتح القدير لكمال ابن الهمام ) ج3 ص 437، وحاشية به المحتار لابن عابدين ج3 ص ۲۰۸.
([10]) جامع الأحكام الفقهية ج 3 ص ۲۹4.
([11]) المهذب للشيرازي ج ۲ ص ٦٦.
([12]) انظر المغني ج۱۰ ص۲۲۰-۲۲۱، وكشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي ج 5 ص ١٨٤.