كتب أحد الإخوة يشير إلى أن في بلاده شيخًا يسمى م. . ب يدعي أنه يزوج الفتيات (خاصة من تأخرن منهن في الزواج) بالبديل الرباني. وقد وضع إعلانًا في إحدى الصحف يدعو فيه الفتيات للاتصال به مع دفع مبلغ من المال قدره سبعمائة دينار، ويسأل الأخ المذكور عن الحكم الشرعي في هذا، ثم يشير إلى أن في بلاده خمسة ملايين من الفتيات العوانس.

حكم من يدعي تزويج الفتيات بما أسماه البديل الرباني

الجواب: إنه لم يتبين من السؤال معنى هذا التزويج أو طبيعته أو المقصود منه، وأمور الزواج الشرعي معروفة، ومعلومة من الدين بالضرورة، ولا نعلم أن هناك زواجًا أو تزويجًا بهذا الاسم.

فإن كان الرجل المشار إليه يعمل للتوفيق بين فتى وفتاة للزواج بقصد إحصانهما، وإنجابهما للذرية وفق قواعد الزواج ومقاصده الشرعية، فهذا أمر مطلوب، بل فيه أجر كبير، لما فيه من التعاون على البر والتقوى الذي أمر الله به في قوله عزوجل: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة:2]، وقوله عزوجل: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} [الحج:77]، وقول رسوله -عليه الصلاة والسلام-: ‹‹المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلِمُهُ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة››([1]).

والتقريب بقصد التزويج له طرق كثيرة:

منها: أن يسعى بين الفتى والفتاة من أقاربه، أو معارفه أو غيرهم حتى يتم الإيجاب والقبول منهما.

ومن هذه الطرق: أن يشفع لدى والد الفتاة لمن يريد الزواج منها، وهذا من أفضل القربات عند الله، لقوله عزوجل: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا} [النساء: 85] وقول رسوله -عليه الصلاة والسلام-: ‹‹أفضل الشفاعة أن يشفع بين الاثنين في النكاح››([2]) وقوله -عليه الصلاة والسلام-: ‹‹اشفعوا فلتؤجروا››([3]). وكل من عمل عملًا مشروعًا يبتغي أجره فله مبتغاه؛ لأن ‹‹الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى››، كما صح ذلك عن رسول الله ﷺ([4]).

وإن كان الرجل المشار إليه في السؤال يقصد بالتزويج المذكور تحت هذا الاسم المجازي حث الفتيات على العفاف، وغض البصر، وحفظ الفرج والصبر على ما قسمه الله لهن، وحثهن كذلك على الدعاء، والطلب من الله أن يكتب لهن الزواج، أو أنه يرغبهن في الزواج، ويحثهن على إقناع آبائهن وأمهاتهن بالتيسير في المهر، وعدم المغالاة فيه إذا كانوا يفعلون ذلك، فهذا الفعل من باب الدعوة إلى الهدى، وشاهده قول رسول الله ﷺ: ‹‹من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة››([5])، وهذا الفعل أيضًا من باب الأمر بالمعروف، وشاهده قول الله عز وجل:{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران:110].

أما إن كان الرجل المذكور يفعل ما يفعل تحت غطاء الاسم الذي وضعه، وأعلن عنه لكي يمارس السحر، أو الشعوذة، أو الكهانة، أو العرافة بقصد الحصول على المال، فهذا كله من المحرمات، فالسحر وما في حكمه يعد من الكفر، وشاهد هذا كتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ:

أما الكتاب: فقول الله عز وجل: {وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة:102] وقوله تعالى:{وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه:69] قوله تعالى: {أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُون} [الأنبياء:3].

أما سنة رسوله ﷺ: فما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: ‹‹اجتنبوا السبع الموبقات ›› قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: ‹‹الشرك بالله والسحر. . ››([6]). وقوله -عليه الصلاة والسلام-: ‹‹ومن أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ››([7]).

وأكل أموال الناس بالباطل يعد من المحرمات والأصل في التحريم كتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ، أما الكتاب فقول الله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [البقرة:188]، وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29]، وفي هاتين الآيتين خطاب للأمة يتضمن التحريم على المرء

 

أكل مال غيره، ويدخل فيه كل ما يأخذه الساحر أو الكاهن من جُعل أو خلافه، لكون هذا الأخذ محرمًا، ولكون عمل الآخذ محرمًا في أصله.

أما شاهده من السنة فقول رسول الله ﷺ: ‹‹إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام››([8])، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: ‹‹إن رجالًا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة››([9])، وقوله -عليه الصلاة والسلام- لأنس لما سأله أن يجعله مستجاب الدعوة: ‹‹يا أنس أطب كسبك تجب دعوتك، فإن الرجل ليرفع اللقمة من الحرام إلى فيه فلا يستجاب له دعوة أربعين يومًا››([10]). وقد روى زيد بن أرقم -رضي الله عنه- قال: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان يجيئه كل يوم بخراجه فيسأله: من أين أتيت بها؟ فإن رضيه أكله وإلا تركه، قال فجاءه ذات ليلة بطعام وكان أبو بكر صائمًا، فأكل منه لقمة ونسي أن يسأله، ثم قال له: من أين جئت بهذا؟ فقال: كنت تكهنت لأناس في الجاهلية وما كنت أحسن الكهانة، إلا أني خدعتهم، فقال أبو بكر: أفٍ لك كدت تهلكني ثم أدخل يده في فيه فجعل يتقيأ ولا يخرج، فقيل له: إنها لا تخرج إلا بالماء، فدعا بماء فجعل يشرب ويتقيأ حتى قاء كل شيء في بطنه، فقيل له: يرحمك الله كل هذا من أجل هذه اللقمة؟ فقال -رضي الله عنه- لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ‹‹كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به ››، فخشيت أن يثبت بذلك في جسدي من هذه اللقمة([11]).

فاقتضى هذا حكمًا أن كل من أخذ مالًا بغير حق نتيجة النصب، أو التحايل، أو الخداع، أو الغش، أو بأي صفة مماثلة فهذا الأخذ محرم بنصوص الكتابة والسنة.

وهذا الحكم ينطبق على الرجل في السؤال، إذا كان يفعل ما يفعله من إغراء للفتيات للحصول منهن على المال، فعلى كل صاحب مصلحة أن يستعدي عليه ولي الأمر في بلاده.

أما إذا كان ما يحصل عليه من المال لكونه يسعى للتزويج وفق مقاصد الزواج، وشروطه، وأحكامه المعلومة من الدين بالضرورة -كما ذكر أعلاه- فهذا لا بأس به إذا كان ما يطلبه معقولًا؛ لأن فعله هذا يعد من باب أخذ الأجرة على العمل، إذا تراضى عليها مع صاحب العلاقة.

 

قلت: أما ما ذكر الأخ صاحب السؤال أن في بلاده خمسة ملايين فتاة في عداد العوانس، فهذا من أشد المخاطر على الأمة، فلم يخلق الله الأنثى إلا للزواج من الذكر، لما في ذلك من حفظ للكائن البشري الذي خلقه لعبادته وإعمار الأرض، والأمة أو الأمم التي تبتلى بهذا العدد من العوانس، أو تبتلى بتحديد النسل وفقًا للدعاوى التي نعيشها في هذا الزمان، سوف تتعرض لأشد الأضرار في كينونتها السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، وهذا هو ما بدأ ينذر بالخطر في الأمم الأوروبية، التي سوف تتقلص في عدد أفرادها إلى أدنى المستويات في الزمن القادم، وهو ماجعل أصحاب العقول فيها يحذرون من هذه المخاطر.

إن أمة المسلمين مأمورة بتكثير نسلها لقول رسول الله ﷺ: ‹‹تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة››([12])، وهذا لا يتأتى إلا بالتشجيع على الزواج، وإزالة كل ما يعترضه من عوائق، ومن أهمها مساعدة الفتيان والفتيات على الزواج، بتيسير سبل العيش لهم من إقامة المساكن، وعدم المغالاة في المهور ونحو ذلك مما يشكو منه العديد من أفراد الأمة.

وقد أكد هذه الأمور رسول الهدى محمد ﷺ في قوله: ‹‹إن من أعظم النساء بركة أيسرهن صداقًا›› أو قال: ‹‹أيسرهن مؤنة››([13]). وفي لفظ آخر: ‹‹إن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها وتيسير رحمها››([14])، كما أكده خلفاؤه وصحابته والسلف الصالح، ومن ذلك قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: ‹‹إياكم والمغالات في مهور النساء فإنها لو كانت تقوى عند الله أو مكرمة عند الناس لكان رسول الله ﷺ أولاكم بها، ما نكح رسول الله ﷺ شيئًا من نسائه، ولا أنكح واحدة من بناته بأكثر من اثنتي عشرة أوقية، وهي أربعمائة درهم وثمانون درهمًا، وإن أحدهم ليغالي بمهر امرأته حتى تبقى عداوة في نفسه، فيقول لقد كلفت لك علق القربة يتخذه ذنبًا››([15]).

وخلاصة المسألة: أنه لم يتبين من السؤال معنى هذا الزواج، أو طبيعته، أو المقصود منه، ولا نعلم أن هناك زواجًا أو تزويجًا بهذا الاسم، فإن كان الرجل المشار إليه يعمل للتوفيق بين فتى وفتاة للزواج بقصد إحصانهما، وإنجابهما للذرية وفق قواعد الزواج ومقاصده الشرعية، فهذا أمر مطلوب، وفيه أجر كبير لما فيه من التعاون على البر والتقوى.

وإن كان يقصد بالتزويج (تحت هذا الاسم المجازي) حث الفتيات على العفاف، وغض البصر، وحفظ الفرج، وحثهن على الدعاء، والطلب من الله أن يكتب لهن الزواج أو أنه يرغبهن في الزواج، فهذا الفعل من باب الدعوة إلى الهدى والأمر بالمعروف.

أما إن كان الرجل المذكور في السؤال يفعل ما يفعل تحت غطاء الاسم الذي وضعه وأعلن عنه لكي يمارس السحر، أو الشعوذة، أو الكهانة أو العرافة بقصد الحصول على المال، فهذا كله من المحرمات.

فالسحر وما في حكمه يعد من الكفر بحكم الكتاب والسنة، وأكل أموال الناس بالباطل يعد من المحرمات، والأصل في تحريمه الكتاب والسنة، وهذا يقتضي أن كل من أخذ مالًا بغير حق نتيجة تحايل، أو إغراء، أو غش أو خداع، أو بأي صفة مماثلة يعد من أكلة المال بالباطل، وهذا ينطبق على الرجل في السؤال إذا كان يفعل ما يفعله بقصد إغراء الفتيات للحصول منهن على المال.

أما ما ذكره الأخ السائل عن العوانس في بلاده فهذه من أشد المخاطر والأضرار التي تواجه الأمة في أجيالها المعاصرة والقادمة، ولن يحصل حل لهذه المشكلة إلا بالتشجيع على الزواج، ومساعدة الفتيان والفتيات على تيسير سبل العيش لهم من إقامة المساكن، وتوفير فرص العمل، وعدم المغالاة في المهور استجابة لسنة رسول الهدى محمد ﷺ وخلفائه وصحابته والسلف الصالح من الأمة.

والله تعالى أعلم

 

([1]) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلم السلم ولا يسلمه، فتح الباري ج 5 ص 116، برقم (2442).

([2])  أخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح، باب الشفاعة في التزويج، سنن ابن ماجه ج1 ص635. برقم (1975)، ضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه، (٣٨٣).

([3])  أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء والشفاعة فيما ليس بحرام، صحيح مسلم بشرح النووي ج 16 ص 177.

([4]) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، فتح الباري ج 1 ص 15، برقم (1).

([5]) أخرجه مسلم في كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى  أو ضلالة، صحيح مسلم مع شرحه إكمال إكمال المعلم للأبي ج 9 ص 65-66، برقم (1615).

([6]) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، صحيح مسلم مع شرحه إكمال إكمال المعلم للأبي ج 1 ص 325، برقم (145).

([7])  أخرجه أبو داود في كتاب الطب، باب في الكاهن، سنن أبي داود ج4 ص215، برقم (3904)، يقول الحافظ ابن حجر في تعليقه على الحديث: ‹‹والوعيد جاء تارة بعدم قبول الصلاة، وتارة بالتكفير، فيحمل على حالين ›› فتح الباري ج 10 ص 227 – 228، والحديث صححه السيوطي في الجامع الصغير، (٨٢٦٦).

([8]) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب قول النبي ﷺ ‹‹رُب مبلغ أوعى من سامع ››، فتح الباري ج 1 ص 190، برقم (67).

([9]) أخرجه البخاري في كتاب فرض الخمس، باب قول الله تعالى (فإن لله خُمسه وللرسول)، فتح الباري ج 6 ص 251، برقم (3118)، قال الحافظ ابن حجر: يتخوضون: أي يتصرفون في مال المسلمين بالباطل.

([10]) ذكره الذهبي في كتاب الكبائر 118، وروي: “يا سعدُ، أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُستَجابَ الدَّعوةِ، والَّذي نفْسُ مُحمَّدٍ بيدِهِ, إنَّ العبدَ لَيَقذِفُ اللُّقمةَ الحرامَ في جَوفِهِ ما يُتقبَّلُ منه عملٌ أربعينَ يومًا, وأيُّما عبدٍ نَبَتَ لحمُهُ مِن سُحْتٍ, فالنَّارُ أَوْلى به” أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (6495) باختلاف يسير، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: إسناده فيه نظر..

([11]) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب أيام الجاهلية، فتح الباري ج 7ص 183، برقم (3842).

([12]) أخرجه الإمام أحمد في المسند ج3 ص158، وأخرجه ابن ماجه بلفظ: ‹‹أنكحوا فإني مكاثر بكم››، سنن ابن ماجه، كتاب النكاح، باب تزويج الحرائر الولود، ج1 ص599، برقم (1863)، صححه الألباني في إرواء الغليل، (١٧٨٤)..

([13]) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصداق، باب ما يستحب من القصد في الصداق، ج7 ص235، صححه السيوطي في الجامع الصغير، (١١٨٢).

([14]) أخرجه الإمام أحمد في المسند ج 6 ص 77، حسنه الألباني في صحيح الجامع، (٢٢٣٥).

([15]) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصداق، باب ما يستحب من القصد في الصداق، ج 7 ص 234، قال ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ، (٢/٩٢٩): مشهور.