وقبل هذا وردنـا في المجلة سؤال من فضيلة الأخ الشيخ / أبو الکلام شفيق القاسمي المظاهري، أحد علماء الهند والأمين العام لقسم الإفتاء لجماعة أهل السنة والجماعة في جنوب الهند، عن صدور مثل هذه الفتوى مع بعض الاختلاف البسيط من شخص آخر في الهند.
وقد سبق أن أجبنا فضيلته عن هـذا السؤال في كتيب اسمه (رسالة إلى أهل السنة والجمـاعـة في جنوب الهند) تم توزيعه مع العدد السابع والستين من المجلة.
وسؤال آخر يتفرع من السؤال الأول حول دوافع هذه الفتوى وأمثالها، وأهداف أصحابها ومبتغاهم في هذه المرحلة التي تواجه فيها الأمة هجومًا على عقيدتها وتراثها.
والجواب عن هذين السؤالين من وجهين:
الوجه الأول: حكم زواج غير المسلم بالمسلمة.
هذا الحكم لا يحتاج إلى كثير من الاجتهاد، إذا كان الزوج مشركًا فالحكم فيه كتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ وإجماع الأمة:
أما الكتاب: فقول الله تعالى: {وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ} [البقرة:221].
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية: يعني تعالى ذكره بذلك أن الله قد حرم على المؤمنات ألا ينكحن مشركًا، كائنًا من كان المشرك من أي أصناف الشرك كان، فلا تنكحوهن أيها المؤمنون فإن ذلك حرام عليكم. . ثم قال: أخبرنا معمر عن قتادة والزهري في قوله: {وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ} قال لا يحل لك أن تنكح يهوديا أو نصرانيا ولا مشركًا من غير أهل دينك. . وعن عكرمة والحسن البصري قال: حرم على المسلمات على رجالهم يعني المشركين([1]).
وذكر الفخر الرازي أن قوله تعالى: {وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ}، فلا خلاف هاهنا أن المراد به الكل، وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر البتة على اختلاف أنواع الكفرة([2]). وذكر الإمام القرطبي في تفسيره في قوله تعالى: {وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ} أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك، وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه، لما في ذلك من الـغـضـاضة على الإسلام ([3]).
وفي الكتاب أيضًا قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة:10].
قال الإمام القرطبي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} المراد إذا هاجرت المؤمنات إلى رسول الله وتركن أزواجهن المشركين {فَامْتَحِنُوهُنَّ} قيل: إنه كان من أرادت منهن إضرار زوجها، فقالت: سـأهـاجر إلى محمد ﷺ فلذلك أمر ﷺ بامتحانهن، واختلف فيما كان يمتحنهن به، فقال ابن عباس كانت بأن تستحلف بالله أنها ما خرجت من بغض زوجها، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقًا لرجل منا؛ بل حبا لله ولرسوله، فإذا حلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك، أعطى النبي ﷺ زوجها مهرهـا، وما أنفق عليها ولم يردها؛ فذلك قوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}.
وقيل إن الامتحان كان بأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله قاله ابن عباس أيضًا.
قوله تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} أي هذا الامتحان لكم، والله أعلم بإيمانهن لأنه متولي السرائر، {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} أي بما يظهر من الإيمان، وقيل: إن علمتموهن مؤمنات قبل الامتحان {فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} أي لم يحل الله مؤمنة لكافر، ولا نكاح مؤمن لمشركة.
وهـذا أدل دليل على أن الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها إسلامها لا هجرتها([4]). وقال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: «كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وقال مجاهد {فَامْتَحِنُوهُنّ}، فاسألوهن عما جاء بهن، فإن كان جاء بهن غضب على أزواجهن أو سخـطة أو غيرة ولم يؤمن، فارجعوهن إلى أزواجهن، وقال عكرمة: يقال لها ما جاء بك إلا حب الله و رسوله، وما جاء بك عشق رجـل منـا، ولا فرار من زوجك فذلك قوله {فَامْتَحِنُوهُنَّ}، وقال قتادة كانت امتحانهن أن يستحلفن بالله: ما أخرجكن النشـوز؟ وما أخرجـكن إلا حب الإسلام وأهله وحرص عليه؟ فإذا قلن ذلك قبل ذلك منهن، وقوله تعالى – {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ}، فيه دلالة على أن الإيمان يمكن الاطلاع عليه يقينًا، وقوله تعالى: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ} هذه الآية هي التي حرمت المسلمات، وقد كان جائزًا في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة، ولهذا كان أمر أبي العاص بن الربيع زوج ابنة النبي ﷺ زينب – رضي الله عنها- وقد كانت مسلمة، وهو على دين قومه، فلما وقع في الأساري يوم بدر بعثت امرأته زينب في فدائه بقلادة لها كانت لأمها خديجة، فلما رأها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة، وقال للمسلمين: (إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها فافعلوا)، ففعلوا فأطلقه رسول الله ﷺ على أن يبعث ابنته إليه، فوفى له بذلك وصدقه فيما وعده، وبعثها إلى رسول الله ﷺ مع زيد بن حارثة – رضي الله عنه- فأقامت بالمدينة من بعد وقعة بدر، وكانت سنة اثنتين إلى أن أسلم زوجها أبو العاص بن الربيع سنة ثمان فردها عليه بالنكاح الأول ولم يحدث لها صداقًا([5]).
والسـؤال في هذا المقام هل يعـد الكـتابي في حكم المشرك فيحرم زواج المسلمة منه؟ يجيب على هذا السؤال فريقان:
الأول- يرى أن هذا التحريم هو الأصل القاطع الذي لا مجال للخلاف فيه؛ استدلالًا وعملًا بقول الله تعالى. {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ} [التوبة:30]
وقوله عز ذكره: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ} [المائدة:73] وقوله -تعالى-: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون} [التوبة:31]؛ واستدلالا كذلك بأن عبدالله بن عمر لما سئل عن نكاح النصرانية واليهودية قال: «إن الله حرم المشركات على المؤمنين ولا أعلم من الإشراك شيئا أكبر من أن تقول المرأة ربها عيسى وهو عبد من عباد الله([6])، فإذا كان هذا في حق زواج المسلم منها، فهو في حق زواج غير المسلم منها أولى وآكد، كما يستدل أيضًا بأن الكثير من العلماء على أن لفظ المشرك يندرج فيه الكفار من أهل الكتاب، وإن النقـل قد تواتر عن رسول الله ﷺ أنه كان يسمي كل من كان كافرًا بالمشرك([7]).
وفي المقابل هناك من ينفي كون الكتابي مشركًا ويحتج بأن الله فصل بين أهل الكتاب والمشركين في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد} [الحج:17] وقوله: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} [البينة:1]وقوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} [البينة:6]، وقوله -تعالى-: {مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة:105]، فهذا – كما يقول – عطف على معطوف عليه والعطف هنا يقتضي المغايرة، ومن يقول هذا قد يقول أيضا: إن اليهود ليسوا كلهم مشركون هم طائفة صغيرة من أتباع، وأن من يقول منهم إن عزيرا ابن الله فنحاص([8])، كما قد يقول إن النصارى ليسوا كلهم يعتقدون في ألـوهيـة عيسى، أو يشركونه مع الله، وأن من يقول ذلك بعض طوائفهم، والأقوال في هذا لا تنتهي.
قلت: وايـا كانت الحجـج والأقاويل في هذا فإن سلف الأمة وخلفها من علمائها وفقهائها ومفسريـها فهموا من كتاب ريهم ومن سنة نبيهم محمد ﷺ تحريم نكاح المسلمة من الكتابي ولم يمار في هذا الفهم أحد منهم، وقد أشرنا آنفا إلى ما قاله في ذلك علماء التفسير.
أما في الفقه ففي مذهب الإمام أبي حنيفة: قال الإمام الكاساني: «إن المرأة إذا كانت مسلمة فلا يجوز إنكاح المؤمنة الكافر، بدلالة قوله تعالى: {وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ}، ولأن في نكاح المؤمنة الكافر خوف وقوع المؤمنة في الكفر؛ لأن الزوج يدعوها إلى دينه والنساء في العادة يتبعن الرجال، فيما يؤثرون من الأفعال، ويقلدنهم في الدين. . إلى قوله: فلا يجوز إنكاح المسلمة الكتابي، كما لا يجوز إنكاحها الوثني والمجوسي؛ لأن الشرع قطع ولاية الكافرين عن المؤمنين بقوله تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} [النساء:141]، فلو جـاز إنكاح الكافر المؤمنة لثبت له عليها سبيل وهذا لا يجوز([9]).
وفي مذهب الإمام مالك: قال في شرح منح الجليل فيمنع عقد النكاح لمسلمة، فلا ولاية لكافر سواء كان ذميًا أو حربيًا أو مرتدًا على مسلمة لقول الله تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} [النساء:141]، وقال ابن جزي إن نكاح كافر مسلمة يحرم على الإطلاق بإجماع([10]).
وفي مذهب الإمام الشافعي: قال الإمام الماوردي في الحاوي: المسلمة لا تحل لكافر بحال سواء كان الكافر كتابيًا أو وثنيًا([11]).
وفي مذهب الإمام أحمد: قال الإمام ابن مفلح في المبدع: لا يحل لمسلمـة نكاح كافـر، لا نعلم فيه خلافا([12])، وفي المغني قال الإمام ابن قدامة: لا يجوز لكافر نكاح مسلمة، قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم ([13]).
وفي المذهب الظاهري: قال الإمام أبو محمد علي بن حزم ولا يحل لمسلمة نكاح غير مسلم أصلًا([14]).
قلت: هذه هي النصوص بحرفيتها كما وردت في الكتاب والسنة وفي كتب الأئمة، وحين ننقلها إنما هو بيان للحق وبراءة للذمة، وأيًا كان القول حـول كون الكتابي مشركًا أم غير مشرك، فإن إجماع الأمة وسلفها وخلفها منعقد على تحريم زواج المسلمة بغیر المسلم، أيًا كانت صفته، والإجماع حجة ثابتة فهو المصدر الثالث لشريعة الله وعامة العلماء على أن منكره يكفر.
الوجه الثاني: دوافع هذه الفتوى وأهدافها:
لا أحد يعرف على وجه التحديد دوافع هذه الفتوى التي صدرت من هذا الشخص أو ذاك، خاصة وأن هذه المسألة لم تكن قضية أو مشكلة بين المسلمين، وأهل الكتاب وأراد هذان الرجلان البحث عن حل لها؛ حتى الذين يتعصبون للمرأة ويقولون إنهم يدافعون عن حقوقها لم يطالبوا بما أفتى به هذان الرجلان.
نعم: نحن لم نفهم أن تحريم زواج المسلمة من غير المسلم يجرها إلى الوراء كما قال أحد الرجلين، بل إن هذا قول لا يقوله عـاقل، قد يكون لهذا وأمثاله بواطن وسلوكيات لا نعرفها، وقد يكونون في مرحلة من الخلل الفكري الذي يحدث عندما تنحرف النفس فتختلط عليها الألوان فتراها على غير حقيقتها.
وربما يذهب الظن إلى أن هؤلاء إنما يبحثون عن منافع لا يستطيعون الوصول إليهـا إلا إذا أفتوا بمثل هذه الفتاوى؛ لتكون وسيلتهم للوصول إلى هذه المنافع، بعد أن ظنوا أن الأمة في حال من الضعف قد لا تستطيع فيه مواجهتهم، سيما وهي محاطة بظروف دولية تبحث فيها عن مأمن من فوضى القوة والسيطرة، التي تسود العالم أو بعض أجزائه.
والغالب أن هؤلاء إنما يبحثون فعلا عن هذه المنافع رغم معرفتهم بخطأ وبطلان فتاواهم وفسادها، وقد حدث مثل هذا حينما كان رسول الله ﷺ يؤسس الدولة، وكان هـذا التأسيس يتطلب مواجهة المعـادين لها؛ ففي تلك المرحلة كانت فئة من المنافقين تهتم بمصالحها الدنيوية مع المعادين لدين الله، ولم يكن يهمهم من هذا الدين ولا من الدولة إلا بقدر ما ينتفعون منه، وكان على رأس هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول، وكان هذا يسارر المشركين واليهود خوفا على مصالحه معهم، مع ظنه السيء في رسـول الـلـه مـحـمـد ﷺ ومـا جـاء به من دين الله، واعتقاده أن هذا الدين سوف يفشل، وأن الغلبة ستكون للمعادين له، ولم يدر هو وأضرابه أن الله يعلم أسرارهم، ودواخلهم فأنزل فيهم قوله تعالى {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِين} [المائدة:52]، {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِين} [المائدة:53].
ومع قوة القوى المعادية وسند المنافقين لها إلا أن الله نصر دينه وأعـز رسوله ﷺ، فأصبح عمل المنافقين مجرد تـاريخ يتلي للاعتبار والاتعاظ فحسب.
هذا في الماضي أمـا في الزمن المعاصر: فقد عرف تاريخ الأمة الحديث مرزا غلام أحمد القادياني وجماعته من الجهلة والمارقين، وقد أجهد هذا نفسه وحاول إقناع المسلمين وغيرهم في الهند طاعة المستعمر للهند أنذاك، والانقياد له مدعيا أن هذا من طاعة الله، كمـا حاول تعطيل الجهاد، ووصفه بما ينقل مع عقيدته ومبادئه المنحرفة، وقد عرف الناس من كان وراءه، ومن كان يدفع له المال، ومع كل ما كان له من زخم دعاوی أضفاه عليه المستعمر إلا أن الهنود رفضـوا دعاواه، وجاهدوا بكل قوة التحرير بلادهم، وكان من نتيجة هذا الجهاد تحرر الهند، وتكوين دولتي الباكستان وبنغلاديش المسلمتين، وبقي مرزا غلام أحمد مجرد اسم في تاريخ الردة وخدمة المستعمرين.
وفي الختـام نـقـول: إن هؤلاء الذين يتجرؤون على الله بهذه الفتاوى، ويتوسلون بها إلى الـقـوى الأجنبية، من أجل منافعهم الشخصية إنما يرتكبون خطأ وإثمًا كبيرًا في حق دينهم وأمتهم.
أما قولهم بأنهم يجتهدون في الإسلام ويبينون أحكامه فهذا قول باطل، وإثم مبين، وقد شدد الله في عقوبة من يحل ما حرمه، أو يحرم ما أحله، فقال تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُون} [النحل:116]، {مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم} [النحل:117]، كما بين رسول الله أن الأمة ستبتلى بأقوام حدد صفاتهم وسلوكهم بقوله: (يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يقولون من قول خير البرية يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)([15]).
ولا يسعنا إلا أن نسأل الله عز وجل أن يعز دينه، ويعلي كلمته، وأن يرد كل ضال إلى الحق، إنه سميع مجيب.
([1]) جامع البيان عن تأويل أي القرآن، ج۱ ص۳۷۹-۳۸۰.
([2]) تفسير الفخر الرازي، ج3 ص 65
([3]) الجامع لاحكام القرآن ۳۰ ص ۷۲
([4]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج۱۸ ص ٦٢-٦٣
([5]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ج 4 ص٣٥١، والحديث حسن إسناده الألباني في إرواء الغليل، (٥/٤٣).
([7]) تفسير الفخر الرازي، ج3 ص٥٧ -٦٥
([8]) تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور ج2 ص ۳6۰
([9]) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للإمام الكسائي، ج۲ ص۲۷۱-۲۷۲، وانظر كتاب المبسوط للسرخسي، ج5 ص٤٥، والبناية شرح الهداية لبدر الدين العيني، ج5 ص ۲۳۹.
([11]) الحاوي الكبير للماوردي، ج۱۱ ص ٣٤٩.
([12]) المبدع في شرح المقنع لابن مفلح، ج7 ص70.
([13]) المغني مع الشرح الكبير، ج۷ ص۱۰۸
([15]) أخرجه الترمذي في كتاب الفتن، باب في سنة المارق سنن الترمذي ج4 ص 417-٤۱۸. برقم (۲۱۸۸)، صححه الألباني في صحيح الجامع، (٨٠٥٢).