سائل يسأل: ما حكم من ينكر النسخ في الشريعة؟

حكم من ينكر النسخ في الشريعة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد، أما بعد،،،
فالجواب: إن وقوع النسخ في الشريعة ثبت بالأدلة القاطعة، والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ البقرة (106)، وقوله جل في علاه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ النحل (101 – 102)، وقد أجمع المسلمون على وقوعه. وقال ابن كثير رحمه الله: “والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى، لما له في ذلك من الحكم البالغة، وكلهم قال بوقوعه”( (تفسير القرآن العظيم في تفسيره (1/379).))، وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله:” ونفاة النسخ هؤلاء، وإن لم يحكم عليهم بالكفر: إلا أنهم لا يقرون على قولهم، بل يجب التحذير منهم، وبيان بطلان قولهم نصيحة للإسلام والمسلمين”( (“المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ السعدي” (12 / 558).)).
والنسخ: التبديل، ونُسِخَ الشيء أي: أُزيل، وقد يكون للشرع المنسوخ بديل يحل محله، وقد لا يكون له، فيزول من أصله، وأخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن عباس-رضي الله عنهما-قوله: ﴿مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ﴾، يقول: «ما نبدل من آية، أو نتركها لا نبدلها»( (() التفسير، (1/201).)).
والمرَاد: أن الله–عندما ينسخ آية من كتابه، أو ينسيها يأتي بخير منها أو مثلها، فهو أعلم بأحوال خلقه، وما يضرهم، وما ينفعهم؛ فقد يحوِّل الحكم بحل أمر إلى حرمته، وقد يحوِّل حرمة أمر إلى حله، وفي هذا رد على اليهود الذين أنكروا النسخ.
وقوله: ﴿أَوۡ نُنسِهَا﴾ دليل على أنه قد ينزل الحكم، ثم ينسيه من نزل عليه؛ لما يرى في ذلك من الحكمة، وقد ورد في الأثر: أن رجلًا قام من الليل ليقرأ سورة من القرآن، فلم يقدر على شيء منها، وقام آخر، فلم يقدر على شيء منها، وقام آخر، فلم يقدر كذلك، فغدوا على رسول الله-ﷺ-، فقال أحدهم: قمت الليلة يا رسول الله! لأقرأ سورة من القرآن، فلم أقدر على شيء منها، وقام الآخر فقال: وأنا-والله-كذلك، فقام الآخر، وقال مثل ما قاله صاحباه، فقال رسول الله-ﷺ-: «إنها مما نسخ الله البارحة» ( (() أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار، (رقم 2034)، والطبراني في مسند الشاميين، (رقم 3001). )).
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة: «وأما قوله: ﴿نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ﴾ يقول: آية فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي»( (() التفسير، (1/285).)).
والله تعالى أعلم.