الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد، أما بعد،،،
فالجواب: قد اختلَفَ العلماءُ في حُكمِ التَّسليمةِ الثَّانيةِ في صلاة الجنازة على قولينِ:
القولُ الأوَّلُ: التَّسليمةُ الثانيةُ في صلاة الجنازة: مستحبَّةٌ وليست واجبةٌ، وهذا مذهبُ المالكيَّةِ( (((مواهب الجليل)) للحطاب (2/231). وقالوا: يسلِّم جِهة يساره، لكن إنْ كان فيها أحدٌ من المأمومين أدرك ركعةً مع إمامه ولو صبيًّا. يُنظر: ((الكافي)) لابن عبد البر (1/205)، ((الشرح الكبير)) للدردير (1/244).)) والشافعيَّةِ( (((المجموع)) للنووي (3/481)، وينظر: ((أسنى المطالب)) لزكريا الأنصاري (1/167).))، وروايةٌ عن الإمام أحمدَ( (((الفروع)) لابن مفلح (2/247)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (1/396)))، وهو مذهبُ الجمهورِ مِن الصَّحابةِ والتابعين، وقال النَّوويُّ رحمه الله: (وبهذا قال جمهورُ العلماء من الصَّحابة والتابعين فمَن بعدهم) ( (((المجموع)) (3/481)و((شرح النَّووي على مسلم)) (5/83).))، واستدلوا بما رواه عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ((مِفتاحُ الصَّلاةِ: الطُّهورُ، وتحريمُها: التَّكبيرُ، وتحليلُها: التَّسليمُ))( (رواه أبو داود (61)، والترمذي (3)، وابن ماجه (224) (275)، وأحمد (1/123) (1006). قال الترمذيُّ: أصحُّ شيء في هذا الباب وأحسنُه. وقال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (1/36): رواه أبو داود بسندٍ صحيح. وحسَّنه النَّووي في ((الخلاصة)) (1/384)، وابن حجر في ((نتائج الأفكار)) (2/230)، وقال الشَّوكاني في ((نيل الأوطار)) (2/184): له طرق يقوِّي بعضها بعضًا، فيصلح للاحتجاجِ به. وصحَّح إسناده أحمد شاكر في تحقيق ((المسند)) (2/218)، وحسَّن إسناده ابنُ باز في ((حاشية بلوغ المرام)) (207)، وقال الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)): حسن صحيح.)).
وَجْهُ الدَّلالَةِ: أنَّ التَّسليمةَ الواحدةَ يقَعُ عليها اسمُ تسليمٍ، ولأنَّ التَّسليمةَ الواحدةَ يخرُجُ بها مِن الصَّلاةِ، فلم يجِبْ عليه شيءٌ آخَرُ فيها( (((المغني)) لابن قدامة (1/397).)).
القول الثاني: أنَّ التَّسليمةَ الثانيةَ في صلاة الجنازة فرضٌ، وهذا مذهبُ الحنابلةِ( (((الإنصاف)) للمرداوي (2/85)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/388، 389).))، وقولٌ عند المالكيَّةِ ( (((الفواكه الدواني)) (1/487).))،و استدلوا بما رواه جابرِ بنِ سمُرةَ رضيَ اللهُ عنه، قال: إنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إنَّما يكفي أحدَكم أنْ يضَعَ يدَه على فخِذِه، ثم يُسلِّمَ على أخيه مِن على يمينِه وشِمالِه))( (رواه مسلم (431).))، وقالوا بأنَّه -صلى الله عليه وسلم- جعَلَ الاكتفاءَ بالسَّلامِ يمينًا وشِمالًا، فاقتضى ألَّا يجوزَ الاكتفاءُ بدونهما، ولأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان يفعَلُها ويُداومُ عليها.
ويرى الحنفية وجوب التسليمة الثانية في صلاة الجنازة؛ للأدلة السابقة ( (، يُنظر: ((مراقي الفلاح)) للشرنبلالي (ص: 95)، ((البحر الرائق)) لابن نجيم (1/351،352)؛ ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (1/320).)).
وقال سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله: (وذهب جمْعٌ من أهل العِلم إلى أنه لا بدَّ من تسليمتين؛ لثبوت الأحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: «صلُّوا كما رأيتُموني أصلِّي» رواه البخاري في صحيحه، وهذا القول هو الصوابُ) ( (((مجموع فتاوى ابن باز)) (11/166).)).
قلت: هذا هو الصواب.
والله تعالى أعلم.