سائلة تسأل: ما حكم صلاة من أكل لحم الإبل ثم نسي الوضوء وصلّى؟

حكم صلاة من أكل لحم الإبل ثم نسي الوضوء

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد، أما بعد،،،
فالجواب: هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء على قولين: القول الأول: إنَّ الأكلَ مِن لحمِ الجَزورِ لا ينقُضُ الوضوءَ، وهو مَذهَبُ الجُمهورِ: الحنفيَّة ( (( (المبسوط)) للسرخسي (1/76)، وينظر: ( (بدائع الصنائع)) للكاساني (1/32).))، والمالكيَّة( (( (مواهب الجليل)) للحطاب (1/438)، وينظر: ( (الذخيرة)) للقرافي (1/235)، ( (القوانين الفقهية)) لابن جزي (ص 22).))، والشَّافعيَّة على الصَّحيحِ( (( (المجموع)) للنووي (2/57)، ( (مغني المحتاج)) للشربيني (1/32).))، وقَولٌ للحنابلةِ( (( (الإنصاف)) للمرداوي (1/160)، وينظر: ( (الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قدامة (1/189)))، وبه قالت طائفةٌ مِن السَّلَف( (قال النوويُّ: (وهو محكيٌّ عن أبي بكر الصِّدِّيق، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وابن مسعود، وأُبيِّ بن كعب، وأبي طلحة، وأبي الدرداء، وابن عبَّاس، وعامر بن ربيعة، وأبي أمامة، رَضِيَ اللهُ عنهم، وبه قال جمهور التَّابعين) ( (المجموع)) (2/57).))، والأصل فيه ما رواه سعيدِ بنِ الحارثِ عن جابرِ بنِ عبدِالله -رضي الله عنهما- أنَّه سألَه، عن الوُضوءِ ممَّا مسَّتِ النَّارِ، فقال: ((لا؛ قد كنَّا زمانَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لا نجِدُ مثلَ ذلك مِن الطَّعامِ إلَّا قليلًا، فإذا نحن وَجَدْناه لم يكُن لنا مناديلُ إلَّا أكفُّنا وسواعِدُنا وأقدامُنا، ثم نصلِّي، ولا نتوضَّأُ))( (أخرجه البخاري (5457).)).
القول الثاني: أنَّ الأكلَ منِ لحمِ الجَزورِ يَنقُضُ الوضوءَ، وهو مذهبُ الحنابلة( (( (كشاف القناع)) للبهوتي (1/130)، وينظر: ( (المغني)) لابن قدامة (1/138) ( (الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قدامة (1/189).))، وبه قالت طائفةٌ من السَّلفِ( (قال النوويُّ: (وهو قول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، وحكاه الماورديُّ عن جماعةٍ من الصَّحابة: زيد بن ثابت، وابن عمر، وأبي موسى، وأبي طلحة، وأبي هريرة، وعائشة، وحكاه ابنُ المُنذِر عن جابرِ بن سَمُرة الصحابيِّ، ومحمد بن إسحاق، وأبي ثور، وأبي خَيثمة، واختاره من أصحابِنا أبو بكر بن خُزَيمةَ، وابن المُنذِر، وأشار إليه البيهقيُّ). ( (المجموع)) (2/57). وقال البيهقيُّ: (وحَكى بعضُ أصحابنا عن الشافعيِّ، أنَّه قال في بعضِ كُتُبِه: إنْ صحَّ الحديثُ في الوضوءِ مِن لُحومِ الإبلِ، قلتُ به. وقد صحَّ فيه حديثانِ عند أهل العِلمِ بالحَديثِ). ( (معرفة السنن والآثار)) (1/451).))، واستدلوا بما رواه جابرِ بنِ سَمُرةَ -رضي الله عنه-: ((أنَّ رجلًا سأل رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-: أأتوضَّأُ مِن لُحومِ الغنَم؟ قال: إنْ شئتَ فتوضَّأ، وإن شئتَ فلا توضَّأ. قال: أتوضَّأُ مِن لُحومِ الإبِلِ؟ قال: نعَم، فتوضَّأْ من لحومِ الإبِلِ. قال: أُصلِّي في مرابِضِ الغنَم؟ قال: نعَم. قال: أصلِّي في مبارِكِ الإبلِ؟ قال: لا ))( (رواه مسلم (360).))، وجه الدَّلالة: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أقرَّ الصحابيَّ على الوضوءِ مِن لَحمِ الإبِلِ، بينما علَّقَ الوضوءَ بالمشيئةِ في لحَم الغَنَمِ، فدلَّ هذا على أنَّ لحمَ الإبِلِ لا مشيئةَ فيه ولا اختيارَ، وأنَّ الوضوءَ منه واجِبٌ، واستدلوا -أيضا- بما رواه البَراءِ بنِ عازبٍ -رضي الله عنه- قال: ((سُئِلَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عن الوضوءِ مِن لُحومِ الإبِلِ، فقال: توضَّؤوا منها ))( (رواه أبو داود (184)، والترمذي (81)، وابن ماجه (494). صحَّحه إسحاق بن راهويه كما في ( (العلل الكبير)) للترمذي (46)، والإمام أحمد كما في ( (السنن الكبرى)) للبيهقي (1/159)، والترمذيُّ، وابن العربي في ( (عارضة الأحوذي)) (1/110) وقال: ظاهر مشهور. وصحح إسناده ابن باز في ( (مجموع الفتاوى)) (10/157)، وصححه الألبانيُّ في ( (صحيح سنن أبي داود)) (184)، والوادعيُّ في ( (الصحيح المسنَد)) (151).))، وجه الدَّلالة: أنَّه أمَر بالوضوءِ مِن لَحمِ الإبِلِ، والأصل في الأمرِ الوُجوبُ.
قلت: والراجح -والله أعلم- أن أكل لحم الإبل لا ينقض الوضوء، وذلك لأدلة الجمهور، وأنه لا يبدو أن هناك فرق بين لحم الإبل، ولحم الغنم.