سؤال يقول: كثيرًا ما يقع النزاع بين الزوج وزوجته عمن هو الأحق منهما بحضانة ولدهما، خاصة عندما يقع الطلاق بينهما، والسؤال: عمن هو الأحق منهما بهذه الحضانة.

من الأحق بحضانة الولد عند النزاع بين الأب والأم

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد:

فالحضانة في اللغة: الولاية على الطفل لتربيته وتدبير شئونه، فحضنه جعله في حضنه، وحضن الرجل الصبي رعاه([1]).

والحضانة في الاصطلاح: تعني تربية الولد وحفظه؛ لعدم قدرته على الاستقلال بأموره([2]).

وتثور مشكلة الحضانة لأسباب عدة: إما بسبب وفاة الوالدين أو أحدهما، وإما بسبب طلاق يحدث بينهما، والولد في صغره فلا بد له حينئذ من حاضن يقوم بتدبير أموره، كطعامه وشرابه ولباسه وحفظه وتربيته؛ مما يستوجب بالضرورة وجود هذا الحاضن حفظًا له من الضياع.

ومع أن مشكلة الطلاق وما ينتج منها من النزاع حول حضانة الولد قديمة قدم العلاقة الزوجية، إلا أن هذه المشكلة تبدو أكثر تعقيدًا في هذا الزمان بسبب كثرة الطلاق وعدم تماسك الأسرة؛ مما يؤدي إلى تشرد الأولاد وضياعهم وتحولهم إلى مشكلة عصية لأهليهم وبلدانهم.

ومن المشاهد أن النزاع حول الحضانة يبدأ في الغالب من الأب؛ إما لحرصه على تربية ولده اعتقادًا منه أنه هو الأصلح له، وإما لمجرد رغبته في نزعه من زوجته بعد فراقه لها، والأم حين تطالب بحضانة ولدها ترى أن ذلك من حقها، فهي أقدر على تربيته وأكثر شفقة وعطفًا عليه، وهذا هو الغالب الأعم في الأمهات، وفي هذا قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لما تخاصم مع زوجته أم عاصم حول حضانة عاصم: يا عمر، ريحها وشمها ولطفها خير له منك، أو كما قال -رضي الله عنه([3])، هذا في العموم، فالحضانة إذًا للولد -ذكرًا أم أنثى- حق لأمه في حال صغره، على أن تتوافر فيها عدة شروط:

أولها: أن تكون مسلمة إذا كان الولد مسلمًا، فلا حضانة لغير المسلمة، وقد تباينت آراء الفقهاء في هذا الشرط، فمنهم من قال به ومنهم من خالفه.

وفي مذهب الإمام أبي حنيفة: للأم حق الحضانة، ولو كانت كتابية أو مجوسية، إلا أن تكون مرتدة حتى تسلم؛ لأنها نجسة، أو فاجرة فجورًا يضيع الولد به كالزنى والغناء والسرقة، وقيل إنها الأحق بحضانة الولد ولو كانت سيئة السيرة معروفة بالفجور مالم يعقل ذلك إذا كانت غير مأمونة، واستدلوا على ذلك بما روي أن امرأة قالت لرسول الله ﷺ: إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني، فقال رسول الله ﷺ: (أنت أحق به ما لم تتزوجي)([4]).

وفي مذهب الإمام مالك: لا تكون الحضانة لفاجرة([5]).

وفي مذهب الإمام الشافعي: مثل ذلك، قال أبو سعيد الاصطخري: لا تثبت للكافر على المسلم، واستدل على ذلك بما روى عبد الحميد بن سلمة عن أبيه قال: أسلم أبي وأبت أمي أن تسلم، وأنا غلام، فاختصما إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا غلام، اذهب إلى أيهما شئت، إن شئت إلى أبيك، وإن شئت إلى أمك، فتوجهت إلى أمي، فلما رآني رسول الله ﷺ سمعته يقول: اللهم اهده، فملت إلى أبي فقعدت في حجره([6]). والصحيح في المذهب أنه لا ولاية لغير المسلمة سواء كانت ذمية أو نحوها([7]).

وفي مذهب الإمام أحمد: أن الحضانة ولاية، فلا تثبت لكافر على مسلم كولاية النكاح والمال؛ ولأنها إذا لم تثبت للفاسق فالكافر أولى؛ لأن ضرره أكثر، فيفتنه عن دينه؛ لأن الحاضن الكافر يعلمه الكفر، ويخرجه من دين الإسلام، والحضانة إنما تثبت لحفظ الولد، فلا تكون في وجه يكون فيه هلاكه وهلاك دينه([8]).

ويرى الإمام ابن حزم: أن الأم الكافرة أحق بالصغيرين مدة الرضاعة، فإذا بلغا من السن والاستغناء ومبلغ الفهم فلا حضانة للكافرة ولا لفاسقة، واستشهد أبو محمد على ذلك بقول الله -عز وجل-: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ} [الانفال: 75]، وقوله -عز وجل-: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233]، فلا يجوز -كما قال أبو محمد- نقله أو نقلها عن موضع جعلها الله -تعالى- فيه بغير نص([9]).

قلت: والأصل أنه لا ولاية لغير المسلمة على طفلها المسلم؛ لأن الحضانة مثل الولاية أو هي الولاية، ولم يجعل الله لغير المسلم ولاية على المسلم، وفي هذا قال -عز وجل-: {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} [النساء: 141]، والمولود يولد على الفطرة، فأبواه أو أحدهما يجعله على هذا الدين أو ذاك، وفي هذا قال رسول الله: ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)([10])، فَعُلَمَ من هذا أن الوالدين أو أحدهما يؤثر في ديانة الطفل، والأم غير المسلمة لا تؤمن على حضانة ولدها، والأصل أن يكون على فطرته، وهي الإسلام فإذا جعلت لها الحضانة، فسوف تجعله يدين بالدين الذي تدين به هي.

قلت: هذا من حيث الأصل، ولكن قد تحدث حالات يضطر الطفل فيها إلى أمه، فلو كان في مكان لا توجد فيه حاضنة مسلمة، وكان هذا يهدد حياته، أو كان هذا لا يريد إلا لبن أمه، أو لم يكن له أهل غير أمه، فمن هنا يجوز لها حضانته إلى أن يعقل ويفهم ويخشى عليه من أمه، فحينئذ تنتقل الحضانة إلى أحد من أهله المسلمين، فإن لم يكن له أهل وجبت حضانته ورعايته من قبل المسلمين، ويتمثل هذا في جمعيات الرعاية المسلمة، وما في حكمها ممن يكون مسؤولًا عن رعاية أطفال المسلمين، وهذه الحالات الاستثنائية تقدر من قبل القضاء بعد معرفة وقائعها وأسبابها.

الشرط الثاني من شروط الحاضنة: أن تكون عاقلة: فلا حضانة لفاقدة العقل، ويشمل ذلك غير المتزنة في سلوكها، كمن فيها خلل نفسي يؤثر في سلامة الطفل أو يعرضه للخطر.

الشرط الثالث: أن تكون قادرة على حفظ الولد وتربيته كأمثاله: فلا حضانة للعاجزة أو المريضة مرضًا مقعدًا أو معديًا، وكذا المتقدمة في السن أو صغيرته؛ لما يودي إليه ذلك من ضياعه.

الشرط الرابع: أن تكون من أهل الأمانة: فلا ولاية للفاسقة أو سيئة السلوك، ويشمل ذلك ممتهنة الغناء أو التمثيل، وما في حكم ذلك من الأفعال المخلة بالخلق وحسن السلوك؛ لأن الغاية من حضانة الطفل توافر حسن رعايته وحسن تربيته، حتى تكون نشأته نشأة صحيحة.

الشرط الخامس: أن تكون الأم الحاضنة غير متزوجة؛ والأصل في ذلك قول رسول الله ﷺ في الحديث المشار إليه آنفًا: (أنت أحق به ما لم تتزوجي) والعلة في ذلك أن زواجها قد يحرم الطفل من حسن رعايتها حين تهتم بزوجها وأطفاله منها، وقيل: إن المراد بذلك الزوج الأجنبي، أما إذا كان الزوج قريبًا للطفل كعمه مثلًا فلا يمنع زواجها منه من الحق في حضانته؛ لأن عمه من أهل الحضانة، ناهيك بأنه سيكون أكثر عطفًا عليه لقرابته منه.

ويرى الإمام ابن حزم بأنه لم يأت نص صحيح قط بأن الأم إذا تزوجت يسقط حقها في الحضانة([11])، وهذه الحالات التي تحدث على خلاف الأصل مما يقدرها القضاء ويفصل فيها.

ولا يستمر الطفل في حضانة أمه، فإذا بلغ حدًّا من العمر خيّر بين أبيه وأمه فيكون مع من اختاره منهما، وقد تباينت آراء الأئمة -رحمهم الله- في مسألة الاختيار من عدمه:

فعند الإمام أبي حنيفة: لا يخيّر، ولكن إذا استقل بنفسه؛ فأصبح يأكل بنفسه، ويلبس بنفسه، ويستنجي بنفسه، فالأب حينئذ أحق به([12]).

وعند الإمام مالك لا يخيّر([13]).

وعند الإمام الشافعي([14]) وأحمد([15]): يخيّر.

والحجة في ذلك أن رسول الله ﷺ خير غلامًا بين أبيه وأمه، وذلك فيما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن زوجي يريد أن ينزع بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة، وقد نفعني، فقال رسول الله ﷺ للغلام هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه فانطلقت به([16]). والحجة في ذلك أيضًا عمل الصحابة.

كما تباينت آراء الفقهاء حول تخيير البنت:

فعند الإمام أبي حنيفة: أن أمها أحق بها حتى تحيض وتتزوج([17]).

وعند الإمام مالك: أن الأم أحق بحضانتها حتى تتزوج أو يدخل بها([18]).

وعند الإمام الشافعي: تخيّر البنت كالغلام([19]).

وعند الإمام أحمد: لا تخيّر.

فإذا بلغت سبع سنين تكون عند أبيها؛ والحجة في ذلك أنها تحتاج إلى حفظ، وأبوها أقدر من أمها على حفظها؛ ولأنها إذا بلغت هذه السن أصبحت قابلة للتزويج، وقد تزوج رسول الله ﷺ عائشة، وهي بنت سبع سنين([20]).

قلت: هذه خلاصة آراء الأئمة في تخيير الغلام والبنت من عدمه، ولعل الصواب تخيير الغلام بين أبيه وأمه إذا بلغ من العمر حدًّا معينًا، أقله سبع سنين، وليس لأكثره حد، فالغلام الذي خيره رسول الله ﷺ قد تجاوز سبع سنوات، فهو كما قالت أمه يسقيها من بئر أبي عنبة وينفعها، ولا يفعل هذا إلا من تجاوز هذه السن، فتخييره واجب، سواء كان بين سبع سنين أو قد تجاوزها. أما البنت فلعل الصواب تخييرها بين أبيها وأمها؛ لأن من العدل عدم التفريق بينها وبين أخيها في التخيير، بل قد تكون أولى منه، فإذا خيرت واختارت أمها فتكون عندها حتى تحيض أو تتزوج، كما هو الأمر عند الإمامين أبي حنيفة ومالك؛ ذلك أن الأم أقدر من الأب على تعليمها أمور الزواج وأمور النساء، فهي في هذه الأمور تستحيي من الرجال ولو كان أقرب إليها كأبيها.

وخلاصة المسألة: أن الأم أحق بحضانة أولادها في حال صغرهم، على أن تتوافر فيها الشروط التالية: أولها: أن تكون مسلمة إذا كان الطفل مسلمًا، ويستثنى من ذلك حالات معينة كعدم وجود غيرها لحضانته، مما يخشى معه على حياته، وهذا الأمر يقدره القضاء حسب الحالة. الشرط الثاني: أن تكون عاقلة فلا حضانة لمن كانت غير متزنة في تصرفاتها، أو كان بها خلل نفسي يخشى على الطفل منه. الشرط الثالث: أن تكون قادرة على حفظ الولد وتربيته كأمثاله، فلا حضانة للعاجزة أو المريضة مرضًا مقعدًا أو معديًا، وكذا المتقدمة في السن أو صغيرته. الشرط الرابع: أن تكون من أهل الأمانة، فلا حق للفاسقة في الحضانة أو سيئة السلوك أو ممتهنة الغناء أو التمثيل أو نحو ذلك من الأفعال المخلة بالأخلاق. الشرط الخامس: أن تكون غير متزوجة، ما لم يكن الزوج من أقارب للطفل كعمه.

ويجب أن يخيّر الغلام بين أبيه وأمه إذا بلغ سبع سنين أو أكثر، فيكون مع من اختاره منهما، كما يجب أن تخيّر البنت إذا بلغت سبع سنين، فإذا اختارت أمها بقيت معها حتى تتزوج، ما دام في ذلك مصلحة لها، وفي كل الأحوال يقدر القضاء الأحكام، حسب الوقائع التي تتبين له مع الاستناد على الأصول الشرعية وتفصيلاتها.

والله تعالى أعلم.

([1]) المعجم الوسيط ج1 ص182.

([2]) كتاب التعريفات ص93. المغني ص613. كشاف القناع ج5 ص495. القوانين الفقهية ص224.

([3]) مصنف ابن أبي شيبة ج4 ص162. وسنن سعيد بن منصور ج2 ص109، ضعفه الألباني في إرواء الغليل، (٢١٨٨).

([4]) حاشية رد المحتار لابن عابدين ج3 ص555-556.والبناية شرح الهداية للعيني ج5 ص644-647، والحديث أخرجه أبو داود (٢٢٧٦)، وأحمد (٦٧٠٧) باختلاف يسير، وحسنه شعيب الأرنؤوط في تخريج سنن الدارقطني، (٣٨٠٨).

([5]) الكافي في فقه أهل المدينة المالكي ص296.

([6]) المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي ج2 ص169.وروضة الطالبين للإمام النووي ج9 ص98، والحديث صححه الألباني في صحيح النسائي، (٣٤٩٥).

([7]) المهذب للشيرازي ج2 ص169.

([8]) المغني مع الشرح الكبير لابن قدامة ج9 ص197-298.

([9]) المحلى بالآثار ج10 ص143.

([10]) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين. صحيح مسلم بشرح النووي ج11 ص199، رقمه (2685).

([11]) المحلى بالآثارج10 ص143.

([12]) الجوهرة المنيرة ج4 ص357.

([13]) المدونة الكبرى ج2 ص258.

([14]) روضة الطالبين ج9 ص103.

([15]) المغني مع الشرح الكبير ج9 ص300.

([16]) أخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب من أحق بالولد برقم (2277) ج2 ص262، صححه الألباني في إرواء الغليل، (٢١٩٣)..

([17]) حاشية رد المحتار ج1 ص641. وبدائع الصنائع ج4 ص42-43.

([18]) حاشية الدسوقي ج2 ص356.

([19]) مغني المحتاج ج3 ص356.

([20]) المغني والشرح الكبير ج9 ص330.