سؤال يقول: إن نفرًا من المقيمين يؤجرون أنفسهم للحج عن الغير بقصد التكسب( ) وقد لا تتوفر فيهم شروط الحج فماذا يجب في هذه المسألة؟

التكسب بالحج عن الغير

الأمين محمد وعلى آله وصحابته ومن تبعهم واتبع سبيلهم إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن الحج من أركان الإسلام فرضه الله على عباده فرض عين، وعلى المسلم الحي أن يبادر به بنفسه قبل أجله، فإن لم يستطع لعجزه أو كبره أو مرضه، فله أن ينيب من يحج عنه، لما رواه الفضل بن عباس -رضي الله عنهما- أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله في الحج، وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، أفأحج عنه فقال: «حجي عنه»([1])، وكما تجوز النيابة في الحج عن الحي تجوز عن للميت؛ فإذا مات المسلم ولم يكن قد حج بنفسه فيحج عنه ذووه أو وصيه أو صديقه، لما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما- أن امرأة ذكرت لرسول الله ﷺ أن أباها مات ولم يحج، فقال: «حجي عن أبيك»([2]).

والنائب في الحج إما أن يكون متطوعًا كالولد يحج عن والديه أو أحدهما، والأخ عن أخيه، والزوج عن زوجته، والزوجة عن زوجها، والصديق عن صديقه، وإما أن يكون النائب في الحج مأجورًا يتقاضى أجرًا معينًا عن حجه، وهذه الإجارة محل خلاف بين الفقهاء، ولهم في ذلك قولان: القول الأولعدم جواز الاستئجار للحج؛ لأنه عبادة بدنية لا تصح إلا من صاحبها كالصلاة. والأصل في ذلك أن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- كان يعلم رجلًا القرآن فأهدى له قوسًا، فسأل رسول الله ﷺ فقال له: إن أخذتها فخذ بها قوسًا من النار([3]). والأصل كذلك قول رسول الله ﷺ لعثمان بن أبي العاص: «اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا»([4]).

والقول الثاني -القول بالجواز: والحجة في ذلك قول رسول الله ﷺ: «أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله»([5])، والحجة أيضًا أن نفرًا من صحابة رسول الله ﷺ أخذوا جعلًا على الرقية، فلم ينكر ذلك عليهم([6]). وأصحاب القول الأول هم: الإمام أبو حنيفة وإسحاق وآخرون.

فعند الإمام أبي حنيفة: لا تجوز الإجارة على الحج فلو قال رجل لآخر: استأجرتك على أن تحج عني بكذا، لم يجز حجه وإنما يقول: أمرتك أن تحج عني بلا ذكر إجارة، وهذا مبني على عدم جواز الاستئجارعلى الطاعات، إلا أن المتأخرين من أصحاب المذهب أفتوا بجواز الاستئجار على التعليم والأذان والإمامة للضرورة لا على جميع الطاعات([7])،

أما الإمام مالك: فكره الاستئجار للحج، ولكن إن وقع جاز عنده.. والإجارة على نوعين:

أحدهما: الذي يسميه أصحابه على البلاغ، وهو الرجل يؤاجر نفسه على ما يبلغه من الزاد والراحلة، فإن نقص ما أخذه على البلاغ وفاه ما يبلغه، وإن فضل عن ذلك شيء رده.

والنوع الثاني على سنة الإجارة، وإن نقص شيء وفّاه من عنده، وإن فضل شيء فله([8]).

وفي مذهب الإمام الشافعي: يجوز الاستئجار للحج؛ لأن كل عمل جاز أن يتطوع به الغير عن الغير جاز أن يصح عليه عقد الإجارة: كبناء المساجد وكتب المصاحف، وهو على نوعين: معيَّن، وفي الذمة.

فأما المعيَّن فقول الآجر للأجير: قد استأجرتك للحج عني بمائة درهم مثلًا، فيكون عقد الإجارة عليه في عينه فإذا حج غيره لم يجز.

وأما الذي في الذمة فهو أن يقول: قد استأجرتك لتحصيل حجة لي بمائة درهم، أو يقول: قد استأجرت منك تحصل حجة لي بمائة درهم، فيكون عقد الإجارة في ذمته، فإذا حج غيره جاز([9]).

وفي مذهب الإمام أحمد: قول بصحة الاستئجار للحج، وقول بعدم صحته، وفيه تفصيل لما يقع من الاتفاق بين الآجر والمأجور، فلو أخذ رجل حجة عن ميت ففضلت منه فضلة يردها، ولا يناهد أحدًا إلا بقدر ما لا يكون سرفًا، ولا يدعو إلى طعامه ولا يتفضل، أما إذا أعطي ألف درهم أو كذا وكذا، فقيل له: حج بهذا فله أن يتوسع في حجته، وإن فضل شيء فهو له([10]).

قلت: وجمهور العلماء على أن الاستئجار للحج جائز؛ ذلك أن الحج يختلف عن القربات الأخرى، وتقتضيه الضرورة لمن لم يقدر على الحج لكبره أو مرضه أو وفاته قبل أدائه.

والقول بجوازه يتطلب عدة شروط بالنسبة للآجر والمأجور:

 فالآجر إما أن يكون حيًّا أو ميتًا فإن كان حيًّا قادرًا على الحج فيجب أن يحج بنفسه؛ لأن القدرة نافية للعذر، أما إن كان ميتًا فالأصل أن يحج بنفسه في حياته، لكن لما وافاه الأجل قبل أن يحج، وجب الجح عنه؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «دين الله أحق بالقضاء»([11]).

كما يجب أن يكون المال الذي يدفعه الآجر للمأجور حلالًا طيبًا، لقول الله -عز وجل-: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] فإذا كان المال حرامًا لم يجزئ صاحبه.

إذا حججت بمال أصله سحت

فما حججت، ولكن حجت العير

لا يقبل الله إلا كل صالحة

ما كل من حج بيت الله مبرور

ويجب كذلك أن يختار الآجر الرجل الصالح في دينه، فلا يجوز استئجار الفاسق ومن في حكمه للحج.

وأما المأجور للحج فتتطلب إجارته عدة شروط:

أولها: أن يكون هدفه قضاء دين مترتب في ذمة المحجوج عنه هو دين الله.

ثانيها: وأن يكون- متشوقًا إلى رؤية بيت الله الحرام والمشاعر المقدسة.

ثالثها: وأن يكون- عالمًا بأركان الحج وشروطه وواجباته.

رابعها: ألا يكون هدفه مجرد الكسب.

خامسها: يجب عليه مراعاة عقد إجارته فإن كان هذا العقد ينص على دفع مبلغ من المال ألفي ريال مثلًا لقاء قيامه بالحج عن المحجوج عنه، فله أن يصرف من هذا المبلغ ما يكفي لحجه، وما فضل منه يكون له، وإن كان العقد ينص على أن يدفع الآجر للمأجور ثلاثة آلاف ريال ليصرف منها على حجه والباقي يرده، وجب على المأجور أن يصرف من المبلغ على حجه والباقي يرده إلى الآجر، وهذا نادر؛ فالغالب أن الآجر يدفع للمأجور مبلغًا من المال مقابل حجه، وكل من الآجر والمأجور يعرف بأن الأخير سيصرف من المبلغ ما يسد حجه، وما فضل منه يكون له؛ لأن الغالب أن المأجور يتكسب من حجه عن المحجوج عنه.

والمشاهد أن هؤلاء المأجورين من الشباب المقيمين يهدفون إلى التكسب المادي من هذه الإجارة، وإن كان هذا جائزًا إلا أن الواجب تنزيه هذه الإجارة عن مجرد الكسب؛ لأن الغاية إبراء ذمة المحجوج عنه حيًّا أو ميتًا، ولا تحصل هذه البراءة إلا بعد التأكد عن عمل هؤلاء، ومدى صلاحهم وقدرتهم على القيام بهذه الإجارة على الوجه الشرعي.

وخلاصة المسألة: جواز الاستئجار للحج لمن لم يقدر عليه لكبره أو مرضه، وجوازه كذلك عن الميت الذي لم يحج، والواجب أن يكون المأجور للحج رجلًا صالحًا ينوي قضاء دين مترتب في ذمة المحجوج عنه، هو دين الله (فريضة الحج)، وأن يكون هذا الأجير متشوقًا لرؤية بيت الله الحرام، عالمًا بأركان الحج وشروطه وواجباته، وأن يلتزم بعقد الإجارة، وألا يكون هدفه مجرد التكسب المادي، فإن كان هذا هدفه كما قيل في السؤال فلا تجوز إجارته.

والله تعالى أعلم.

([1]) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة برقم (1853) فتح الباري ج4 ص79.

([2]) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب حج المرأة عن الرجل برقم (1855) فتح الباري ج4 ص80.

([3]) أخرجه أبو داود في كتاب البيوع، باب في كسب المعلم ج2 ص237.والإمام أحمد في مسنده 5/315. صححه الألباني في  صحيح الجامع، (5982).

([4]) أخرجه الترمذي في كتاب أبواب الصلاة باب ما جاء في كراهية أن يأخذ المؤذن على الأذان أجرًا برقم(209)، صححه الألباني في إرواء الغليل، (١٤٩٢).

([5]) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الرقى بفاتحة الكتاب برقم(5736) ج5 ص315.

([6]) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الرقى بفاتحة الكتاب برقم(5776).

([7]) حاشية رد المحتار لابن عابدين ج2 ص600-605.

([8]) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ج1 ص321.

([9]) الحاوي الكبير للماوردي ج5 ص343-345.

([10]) المغني لابن قدامة ج5 ص23.

([11]) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان والنذور، باب من مات وعليه نذر برقم(6331) وتمامه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال له: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت فقال النبي ﷺ: «لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟» قال: نعم، قال: «فاقض الله، فهو أحق بالقضاء».