سؤال يقول: إن قطيعة الرحم قد كثرت في هذا الزمان خلافًا لما كان عليه الناس في ماضي الزمان من التواصل والتواصي بالأرحام. ثم يتساءل عن الأسباب في ذلك.

ما أسباب كثرة قطيعة الرحم في هذا الزمان

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد:

فالتواصل من الصلة، فهو في اللغة الضم والجمع، وهو خلاف الفصل.

وفي الاصطلاح: تطلق على صلة الرحم وصلة السلطان، وفي عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري للعيني: الصلة هي صلة الأرحام، وهي كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، والتعطف عليهم، والرفق بهم، والرعاية لأحوالهم، وكذلك إن بعدوا وأساؤوا([1]).

والتواصي بالأرحام وصلتهم وبرهم من أهم ركائز الدين، ولا يفعل ذلك إلا المؤمنون، ذلك أن الصلة تنبئ عن النفس التي كملت فيها الأخلاق، بعد إن استجابت لأوامر الله بالبر والصلة مع القرابة المتسلسلة من التوارث العضوي.

ويحكم هذا التوارث أصلان:

 الأصل الأول: وجوب الصلة مع من هم في هذا التكوين، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.

أما الكتاب: فبعد أن أثنى الله على الذين يوفون بعهدهم ولا ينقضون مواثيقهم في قوله – عز ذكره -: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاق} [الرعد: 20] قال: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَاب} [الرعد: 21]، ثم وعدهم بأنهم يدخلون الجنة هم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم في قوله جل ثناؤه: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَاب * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار} [الرعد: 23-24].

وما كان هذا الثناء والوعد الحق للمتواصلين، إلا لأنهم يتحملون في سبيل ذلك مشاق كثيرة؛ فالبر يقتضي البذل والعطاء في شقيه المادي والخلقي، وهذا لا يكون إلا للذين ينتصرون على أنفسهم وعلى وساوس الشيطان، فيما يوسوس به من البخل وحب الانتقام، وأخذ العزة بالإثم. هذا في الكتاب.

وأما في السنة: فالأحاديث النبوية في فضل البر كثيرة معلومة، منها: قول رسول الله ﷺ: »من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أجله، فليصل رحمه«([2])، وقوله -عليه الصلاة والسلام- للرجل الذي سأله أن يخبره بعمل يدخله الجنة ويباعده من النار قال ﷺ: »تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم«([3])، وقوله عليه الصلاة والسلام: »الصدقة على المساكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة([4]).« وفي حديث أبي سفيان صخر بن حرب – رضي الله عنه – في حديثه الطويل مع هرقل ملك الروم: أن هرقل قال له: فماذا يأمركم به؟ (يقصد النبي ﷺ) قال: قلت يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة، فقال قولته الشهيرة في نهاية الحديث (فإن كنت ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدمي هاتين، فلو أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت قدميه)([5]). وفي حديث عمرو بن العاص – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله ﷺ جهارًا غير سر يقول إن بني فلان ليسوا بأوليائي، إنما ولي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها، (أي سأصلها)([6]).

 أما الإجماع: فإن الأمة مجمعة من سلفها وخلفها على فرضية صلة الأرحام؛ عملا بأمر الله في ذلك في قوله – عز وجل -: {وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} [النساء: 1]، وعملًا بما ورد عن رسول الله ﷺ في ذلك مما أشير إليه.

وأما المعقول: في وجوب صلة الأرحام وتحريم قطيعتهم، فإن العاقل يدرك أنه (جزء) من (كل) هم قرابته، وهذا (الكل) لا يتجزأ فإذا تجزأ اختل، فالولد جزء من والديه، وهذه الجزئية أوجبت عليهما البر به في صغره من إطعام وكساء وتربية وعطف، فإذا كبر أصبح ملتزمًا ببر من أحسن إليه، كما قال الله عز وجل: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [ البقرة: 83]، ومع أن هذا مترتب الوجوب أو الفرض بحكم النص، إلا أنه أيضًا مترتب بحكم العقل الذي خص الله به الإنسان، لكي يعلم ماله وما عليه، والحال في بر القرابة وصلتها كحال الوالدين، وإن تفاوتت نسبة الوجوب أو الفرض؛ فالجد مثل الأب، والأخوات ومن في حكمهن أرحام يترتب وجوب برهم، والحكم عام فيمن اقتضت القرابة بره وصلته، ولهذا أمر الله نبيه ورسوله محمد ﷺ أن ينذر عشيرته الأقربين إليه في قوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين} [الشعراء: 214]، ولهذا بدأ – عليه الصلاة والسلام – بدعوتهم ثم بدعوة غيرهم من عشيرته وغيرهم من عامة الناس.

الأصل الثاني: في صلة القرابة المتسلسلة من التوارث تحريم قطيعة الرحم: فقد حرم الله هذه القطيعة وتوعد الذين ينقضون عهده ويقطعون أرحامهم في قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّار} [الرعد: 25 ]، وقوله – عز ذكره – مخاطبًا كل الذين يفسدون في الأرض، ومحذرًا إياهم من اللعنة التي ستصيبهم: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُم * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُم} [محمد: 22-23]، فالمفسدون في الأرض كثيرون، فمنهم المشركون ومنهم الذين يعرضون عن أوامر الله وأوامر رسوله لهم أو يصدون عنها، ومنهم الذين يقطعون أرحامهم، فلا يبرون قراباتهم ولا يصلونهم. ووصف القطيعة بالإفساد في الأرض مترتب من كون المسلم ملزمًا حكمًا بالتآلف مع أخيه المسلم والتأنس معه، فقد نهاه الله عن السخرية به أو لمزه أو التنابز معه بالألقاب، كما نهاه عن سوء الظن به أو التجسس عليه أو اغتيابه أو بهته ونحو ذلك مما هو معروف من دين الله بالضرورة، فإذا كان هذا في علاقته مع غيره، فحكمه مع قرابته آكد وأشد، فإذا قطع صلته بها تحول فعله إلى إفساد في الأرض لما يحدث بينه وبينهم من الكراهية والتباغض والعداوة، وغير ذلك من الأفعال المنكرة، وكما جاء أمر الله معظمًا أمر هذه القطيعة عظّمها رسول الله ﷺ في عدة أحاديث منها: قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يدخل الجنة قاطع رحم)([7]). وقوله – عليه الصلاة والسلام -: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر… فليصل رحمه…) (الحديث)([8]).

وقوله ﷺ: (إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك) ثم قال رسول الله ﷺ: (اقرؤوا إن شئتم فهل عسيتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم)([9]).

قلت: وأما السؤال عن أسباب قطيعة الرحم، فهذه الأسباب كثيرة، ولعل أهمها الإسراف في حب المال، وضعف التربية أو سوؤها وضعف الوازع الديني.

أما الإسراف في حب المال: فيؤدي إلى البخل والشح به، مما يجعل صاحبه يقطع رحمه، فيبخل بالنفقة على والديه، وعلى من هو ملزم بالنفقة عليهم، كما يبخل به على المحاويج من قرابته ورحمه، وهذا محسوس ومشاهد؛ لأن الإسراف في حب المال مدعاة للكثير من المصائب والنقائص.

وأما ضعف التربية أو سوؤها: فهذا معلوم تلقائيًّا، فمن يعق والديه أو يقطع رحمه يكون مثالًا في ذلك لولده، ومن يسيء تربية ولده لن ينتظر من هذا الولد أن يكون بارًّا بوالديه أو رحمه إلا من هداه الله.

وينشأ ناشئ الفتيان منا    على ما كان عوده أبوه

وأما ضعف الوازع الديني: فهذا من أشد الأسباب في قطيعة الرحم؛ فمن تضعف عنده أوامر الله وأوامر رسوله ينسى نفسه، فلا يفرق بين ما له وما عليه، فيكون ممن عناهم الله -عز و جل بقوله-: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون} [الحشر: 19].

وخلاصة المسألة: أن التواصي بالأرحام وصلتهم وبرهم من أهم ركائز الدين، ولا يفعل ذلك إلا المؤمنون الذين كملت أخلاقهم، وعلت نفوسهم، فاستجابوا لأوامر الله وأوامر رسوله الآمرة ببر الأرحام وصلتهم، كما وردت نصًّا في الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة، وكما أمر الله ورسوله بصلة الأرحام، فقد حرما قطيعتهم، ووصف – سبحانه – هذه القطيعة بالإفساد في الأرض، وهذا مترتب من كون المسلم ملزمًا حكمًا بالتآلف والتأنس مع أخيه المسلم، فنهاه عن السخرية به، أو لمزه، أو التنابز معه بالألقاب، أو سوء الظن به، أو التجسس عليه، أو اغتيابه، أو بهته، فإذا كان هذا في علاقته مع غيره، فحكمه مع قرابته أشد وآكد، فإذا قطع صلته بها تحول فعله إلى إفساد في الأرض، لما يحدث بينه وبينهم من الكراهية والتباغض والعداوة، ونحو ذلك من الأفعال المنكرة.

وأسباب قطيعة الرحم كثيرة، ولعل أهمها الإسراف في حب المال لما ينتج من ذلك من الشح والبخل، وكذا ضعف التربية أو سوؤها وكذلك ضعف الوازع الديني. والله تعالى أعلم.

 

([1]) عمدة القارئ شرح صحيح البخاري للعيني ج11ص180.

([2]) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب من أحب البسط في الرزق برقم (2067) فتح الباري ج 4ص353.

([3]) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب فضل صلة الرحم برقم (5983) فتح الباري ج10ص428.

([4]) أخرجه الإمام أحمد في المسند ج4ص18، صححه أحمد شاكر في عمدة التفسير، (١/٢١١).

([5]) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي باب (6) برقم (7) ج1 ص42.

([6]) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب تبل الرحم ببلالها برقم (5990) فتح الباري ج 10ص 432.

([7]) أخرجه مسلم في كتاب الآداب والبر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها برقم (2556) صحيح مسلم بشرح النووي ج10ص6559.

([8]) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب إكرام الضيف وخدمته بنفسه برقم (6138) فتح الباري ج 10ص 548.

([9]) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب من وصل وصله الله برقم (5987) فتح الباري ج10ص430.