بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وصحبه أجمعين، وبعد،،
فالجواب اختلف الفقهاء في ذلك:
ففي مذهب الإمام أبي حنيفة: يكره تحريمًا الاعتمار يوم عرفة وأربعة أيام بعدها([1]).
وفي مذهب الإمام مالك قال الإمام: العمرة سنة، ولا أرى لأحد أن يعتمر في السنة مرارًا. وقيل تستحب في كل عام مرة، ويكره تكرارها في العام الواحد على المشهور في المذهب، وقيل في المذهب يجوز تكرارها في كل شهر مرة، ويستثنى من كراهة تكرارها في العام الواحد من تكرر دخوله إلى مكة من مواضع يجب عليه الإحرام منها([2]).
وفي مذهب الإمام الشافعي: أن وقت العمرة متى شاء، ومن قال لا يعتمر في السنة إلا مرة خالف سنة رسول الله ﷺ؛ لأنه أعمر عائشة -رضي الله عنها- في شهر واحد مرتين، وخالف فعل عائشة نفسها وعليًا وابن عمر وأنسًا -رحمهم الله-([3]).
وفي مذهب الإمام أحمد: يجوز أن يعتمر في السنة مرارًا، لما روي ذلك عن عدد من الصحابة، ولأن عائشة -رضي الله عنها- اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي ﷺ عمرة مع قرانها وعمرة بعد حجها، ولأن رسول الله ﷺ قال: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)([4]). وأما الإكثار من الاعتمار والموالاة بينهما فلا يستحب في ظاهر قول السلف. وعن الإمام أحمد أنه قال: إذا اعتمر فلابد من أن يحلق أو يقصر، وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس. فظاهر هذا أنه لا يستحب له أن يعتمر في أقل من عشرة أيام، وقيل في المذهب يستحب الإكثار من الاعتمار وأقوال السلف وأحوالهم تدل على عدم الموالاة؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه لم ينقل عنهم الموالاة بينهما، وإنما نقل عنهم إنكار ذلك. والحق في اتباعهم([5]). وينبني على هذا استحباب التوسط في الاعتمار متى كان ذلك متيسرًا؛ لأن في العمرة فضلًا كبيرًا لقول رسول الله ﷺ في الحديث الآنف الذكر (العمرة إلى العمرة مكفرات لما بينهما)، ولكن كثرتها والموالاة بينها قد يكون فيه مشقة على صاحبها ومشقة على الآخرين، خاصة مع كثرة الزحام وما ينتج منه من التكلف الذي لا يحبه الله في قوله عز وجل: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:286]. فلو اعتمر كل شهر مرة أو كل شهر مرتين أو كل سنة مرة أو مرتين إذا كان ذلك متيسرًا، ففي ذلك فضل عظيم.
والله تعالى أعلم.
([1]) حاشية ابن عابدين، ج2 ص473.
([2]) الموطأ رواية يحيى بن يحيى الليثي، ص238، وأسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه إمام الأئمة مالك، ج1 ص515، والقوانين الفقهية لابن جزي ص95، والكافي في فقه أهل المدينة المالكي لابن عبد البر ص172.
([3]) الحاوي الكبير للماوردي، ج5 ص39.
([4]) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، صحيح مسلم مع شرحه إكمال إكمال المعلم، ج4 ص445-446، برقم (1349).