بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد:
فمما جرت به العادة أن الخاطب يتقدم إلى ولي المخطوبة طالبًا تزويجه منها، فيعده الولي بذلك، ثم يحدث أن المخطوبة لا ترغب في الزواج من خاطبها، أو يبدو لوليها أن من توسم فيه الصلاح للزواج من موليته غير ملائم لها، فيعرض عنه فاسخًا لخطوبته، وقد يحدث أن الخاطب هو الذي يفسخ الخطبة بعد أن يبدو أن له مصلحة في هذا الفسخ.
فالأصل إذًا أن الخطبة مجرد (وعد) بالزواج، وليست عقدًا ملزمًا لطرفيه، فأفضل ما توصف به بأنها مقدمة أو تمهيد للزواج، ويترتب على هذا أن المخطوبة تعد أجنبية عن الخاطب، فلا يجوز له الخلوة بها، ولا ملامستها، أو الخروج بها، أو السفر بها دون محرم، كما يفعل بعض الخاطبين مع مخطوباتهم بحجة تعرفها قبل الزواج.
وعامة الفقهاء على جواز العدول عن الخطبة ما لم يكن العدول دون سبب مشروع، فيكره ذلك.
ففي مذهب الإمام مالك: أن رد المرأة أو وليها بعد الركون للخاطب لا يحرم ما لم يكن الرد لأجل خطبة الثاني، فإن تزوجت الخاطب الثاني وادعت أو وليها أنها رجعت عن الركون للأول قبل خطبة الثاني، وادعى الأول أن الرجوع بسبب خطبة الثاني، ولا قرينة لأحدهما فيعمل بقولها وقول وليها؛ لأن هذا لا يعلم إلا من جهتها([1]).
وفي مذهب الإمام الشافعي: أن الخطبة ليست بعقد شرعي، وأن تخيل كونها عقدًا فليس بلازم([2]).
وفي مذهب الإمام أحمد: لا يكره للولي الرجوع عن خطبة موليته إذا رأى المصلحة لها في ذلك؛ لأن الحق لها، وهو نائب عنها في النظر لها، فلم يكره له الرجوع الذي رأى المصلحة فيه، ولا يكره لها أيضًا الرجوع إذا كرهت الخاطب؛ لأنه عقد عمر يدوم الضرر فيه، فكان لها الاحتياط لنفسها.. وإن رجعا عن ذلك لغير غرض كره لما فيه من إخلاف الوعد والرجوع عن القول ولم يحرم؛ لأن الحق بعد لم يلزمهما([3]).
قلت: وجواز فسخ الولي لخطوبة موليته، أو فسخها هي لهذه الخطوبة يرتب عدة أحكام، في جانب المخطوبة وفي جانب الخاطب، ففي جانب المخطوبة يجب ألا يكون السبب في فسخ الخطبة قبول خاطب آخر، طمعًا في ماله أو سمعته، فمن غير الجائز للمسلم أن يخطب على خطبة أخيه، فإن كان هذا عالمًا بها حرم، وحرم على ولي المرأة وعليها قبوله؛ لحديث نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها([4]).
ومنها- أن يكون للفسخ سبب موجب، كما إذا تبين عدم صلاح الخاطب في دينه أو في مروءته أو في أخلاقه، أو تبين أنه مطلاق يتذوق النساء، أو تبين عدم صحة ما أفاد به عن نفسه عندما تقدم في خطوبته ونحو ذلك من الأعذار الموجبة، فإذا لم يكن سبب موجب فإن فسخ الخطوبة يعد إخلافًا للوعد، ويأثم المخلف، استدلالًا بقول رسول الله ﷺ: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف..) الحديث([5]).
ومن هذه الأحكام أنه في حال فسخ الخطوبة يجب على الولي أن يرد للخاطب ما قدمه لموليته من مال عيني، أو نقدي، أو هدية لمخطوبته ما لم يتنازل عنها؛ لأن هذه الهدايا كانت لغرض، وقد انتفى هذا الغرض بفسخ الخطوبة.
وأما في جانب الخاطب، فالأصل أن يكون الخاطب جادًّا في خطوبته، عازمًا على الزواج، وليس لمجرد تذوق النظر للفتيات، كما يفعل بعض الشباب في التردد على البيوت بحجة الخطوبة، مع عدم جديتهم في الزواج، فهذا مما يحرم ويأثم صاحبه؛ لأنه من باب الاطلاع على عورات الناس وأسرارهم، وفي حال فسخ الخاطب لخطوبته، يجب عليه عدم إفشاء سر مخطوبته، أو أهلها، فهذا مما يحرم ويأثم صاحبه؛ لأن لبيوت المسلمين وعوراتهم حرمة مؤكدة، فمن تعرض لها فقد آذاهم، ويحكمه قول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 58].
وينبني على ما سبق وجوابًا عن سؤال الأخ السائل، فإن الخطبة مجرد وعد بالزواج، فيحق للمخطوبة فسخ الخطبة إذا تبين لها سبب موجب كعدم صلاح الخاطب في دينه، أو في أخلاقه، أو في سلوكه، ونحو ذلك من الأسباب التي تؤثر في رغبتها في الزواج منه، لما قد ينتج منها من آثار غير محمودة بعد الزواج، وعلى وليها في هذا الحال رد ما قدمه الخاطب من مال لمخطوبته، ما لم يتنازل عنها، وعليها في هذا الحال واجبًا في حفظ سر خاطبها، كما أن عليه هو الآخر واجبًا في حفظ هذا السر.
والله تعالى أعلم.
([1]) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدسوقي ج2 ص217.
([3]) كشاف القناع عن متن الإقناع ج5 ص195.
([4]) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب لا يبيع على بيع أخيه، برقم (2140)، فتح الباري ج4 ص413.
([5]) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، برقم (33)، فتح الباري ج1 ص111.