بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد:
فقد تكون ثمة حاجة لإرضاع الطفل المسلم من امرأة غير مسلمة، إما لمرض أمه مما تقتضيه الضرورة لإطعامه، وإما لغير ضرورة، كما لو تعهدت امرأة غير مسلمة بإرضاع طفل من أطفال جيرانها المسلمين لأي سبب آخر، وهذا مما يحدث ضمن العلاقات الاجتماعية التي تتشابك أحيانًا.
وللفقهاء في هذه المسألة أقوال:
ففي مذهب الإمام مالك: إن مما لا يعجب الإمام مالك اتخاذ غير المسلمة مرضعات، وذلك خوفًا من إطعام ولدهن مما يأكلن من المحرمات كلحم الخنزير، وهذا من أسباب العيب في نكاحهن([1])، فهو هنا -رحمه الله- غير معجب بنكاحهن أصلًا خشية من إفساد أولادهن، وهذا يسري على إرضاعهن أيًّا كانت دواعي الإرضاع.
وفي مذهب الإمام أحمد: أن الإمام كره الارتضاع بلبن المشركات، ومن في حكمهن([2]).
قلت: وكما نعلم لم يرد عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من خلفائه ما يحرم إرضاع غير المسلمة للطفل المسلم؛ وذلك أن نكاح الكتابيات جائز أو مشروع بنص الكتاب والسنة والإرضاع جزء من النكاح، والذين كرهوا هذا الإرضاع كانوا يخشون أن يؤثر في سلوك الطفل، وهذا من الاحتمال الذي لا ينبغي أن يكون سببًا في المنع، فعلى هذا تكون المرأة في السؤال أمًّا للطفل من الرضاعة، وتنطبق عليها أحكام الأم في الرضاع كما لو كانت مسلمة، فأبناؤها إخوة له، وبناتها أخوات له، فيحرم عليه نكاحهن، وهكذا في بقية الأحكام.
ويشترط فيما ذكر أن تكون المرأة المذكورة في السؤال ومثيلاتها أن يثبت إرضاعها للطفل خمس رضعات متتالية أو مجزأة، لما روته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرِّمن، ثم نسخهن بخمس معلومات، فتوفي رسول اللهﷺ وهذا فيما يقرأ من القرآن([3])، كما يشترط أن تكون الرضاعة في الحولين، كما رواه ابن عباس-رضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: لا رضاع إلا ما كان في الحولين([4]).
وخلاصة المسألة: أنه يجوز أن ترضع المرأة غير المسلمة الطفل المسلم، وتكون في هذه الحالة أمًّا له من الرضاعة، فيكون أولادها من أبناء وبنات إخوانًا له، وهذا الجواز يفيد ثبوت الرضاعة، وأن تكون خمس رضعات وخلال الحولين.
والله تعالى أعلم.
([1]) المدونة الكبرى رواية الإمام سحنون ج2 ص 203-204.
([2]) المغني للإمام ابن قدامة ج11 ص 346.
([3]) أخرجه مسلم في كتاب الرضاعه باب التحريم بخمس رضعات برقم (1452)، صحيح مسلم بشرح النووي ج6 ص1452.
([4]) أخرجه الدارقطني ج5 ص 307، صحح إسناده ابن القيم في زاد المعاد، (٥/٤٩٣).