الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فربما تختلف الفتاة عن الفتى في البلوغ، فهي أسرع في البلوغ منه،
فإذا بلغ الفتى مثلًا عند ثماني عشرة سنة، فالفتاة تبلغ عند سبع عشرة سنة وربما أقل من ذلك، وهذا هو الغالب كما يقال.
وقد تباينت آراء الفقهاء – رحمهم الله – في سن البلوغ:
فالإمام أبوحنيفة – رحمه الله- يرى أن الغلام يبلغ حين يكون سنه ثماني عشرة سنة، وأن الجارية تبلغ بمرور سبع عشرة سنة عليها([1])، واستدل على ذلك بقول الله -تعالى-: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) (الأنعام:152) فعند هذه السن يكون قد بلغ أشده([2]).
وفي مذهب الإمام مالك أقوال عدة: فقول أن البلوغ يكون في ثماني عشرة سنة، وقول خمس عشرة سنة، وقول ست عشرة سنة([3]).
وفي مذهب الإمام الشافعي أن البلوغ يكون في الخامسة عشرة للذكر والأنثى؛ استدلالًا بحديث عبد الله بنِ عُمرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهما-: (أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عَرَضَه يومَ أُحد، وهو ابنُ أَربعَ عَشرَةَ سَنةً، قال: (فلم يُجزِني، ثم عَرَضني يومَ الخَندقِ، وأنا ابنُ خَمسَ عَشرةَ سَنةً، فأجازني )([4])، وقال بهذا: أصحاب المذهب الحنبلي([5]).
فدل ما ذكر على أن الأمر محل خلاف حسب اجتهاد أصحاب كل مذهب.
هذا في عموم المسألة: أما عن السؤال، فالمعيار في تحديد سن البلوغ واقع الحال لكل من الفتى والفتاة، فقد يبلغ الفتى عندما يكون في خمس عشرة سنة أو أكثر، وكذلك الفتاة قد تبلغ وهي في سن الثانية عشرة، فهي أسرع في البلوغ من الفتى كما ذكر، فإذا كان سن البلوغ ثماني عشرة سنة للفتى -كما ذكر بعض الفقهاء- فينبغي أن يكون سن البلوغ السن نفسها أو أكثر؛ لأن الفتاة إذا بلغت تزوجت في الغالب، فيفترض أن يكون جسمها قابلًا لتحمل ما ينتج من الزواج من حمل وإرضاع وغيره؛ لقول الله -تعالى-: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا) (الأحقاف:15).
فالحاصل أن البلوغ ينبغي أن يكون عند ثماني عشرة سنة للفتى والفتاة.
والله -تعالى- أعلم
[1] ينظر: ((بدائع الصنائع)) (7/171) و ((حاشية ابن عابدين)) (6/153).
[2] ((بدائع الصنائع)) (7/172).
[3] ((الاستذكار لابن عبد البر)) (7/335)، ((الكافي)) (1/333) و((التاج والإكليل)) للمواق (5/59).
[4] أخرجه البخاري (2664).
[5] ((مغني المحتاج)) للشربيني (2/166)، وينظر: ((الحاوي الكبير)) للماوردي (2/314)، و((الإنصاف)) للمرداوي (5/237)، وينظر: ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قدامة (4/512).