الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن من المهم شرعًا إقامة صلاة الجمعة، فقد أمر الله -عز وجل- باقامتها في قوله -عز ذكره-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [الجمعة: ٩]، فدل هذا على وجوب النداء لصلاة الجمعة وأن على المسلم الاستجابة لهذا النداء بالسعي إليها؛ لما فيها من ذكر الله والخير الكثير، وقد عظم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أمر صلاة الجمعة بقوله: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه الجمعة يوم الجمعة، إلا مريض، أو مسافر، أو امرأة، أو صبي، أو مملوك. فمن استغنى بلهو أو تجارة استغنى الله عنه، والله غني حميد)([1]) وقوله -عليه الصلاة والسلام-: (مَن ترَكَ ثلاثَ جمعٍ تَهاونًا بِها، طبعَ اللَّهُ على قلبِهِ )([2])، هذا في عموم صلاة الجمعة وفضلها، والأخ في السؤال لم يسأل عن العدد لصحة صلاة الجمعة، فقد اختلف الفقهاء – رحمهم الله – في ذلك، فالإمام أبو حنيفة وصاحبه محمد يريان أن أدنى العدد فيها ثلاثة سوى الإمام، أما صاحبه أبو يوسف فيرى انعقادها باثنين([3]) ووجه الاستدلال أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان يخطب فقدمت عير من الشام تحمل الطعام، فانصرفوا إليها وتركوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قائمًا وليس معه إلا اثنا عشر رجلًا منهم أبو بكر وعمر وعثمان -رضوان الله عليهم- فأقام الجمعة بهم([4])، وفي مذهب الإمام مالك يشترط لانعقاد الجمعة جماعة تتقرى بهم قرية (أي تعمر بهم قرية)، ولاحد أولا وإلا فتجوز باثني عشر رجلًا غير الإمام([5])، وفي مذهب الإمام الشافعي تقام بأربعين رجلًا منهم الإمام([6]) ومن شروط إقامة الجمعة عند الإمام أحمد وجود أربعين رجلًا([7]). والجمعة من الجمع، فأي جمع كان تتم به الجمعة على أن يكون أكثر من اثنين، فإذا حضر اثنا عشر رجلًا، أو عشرين بلا حد صحت صلاتهم، كما فعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين صلى بمن كان معه حين خرج أكثر المصلين لاستقبال التجارة.
فالحاصل أن صلاة الجمعة تقام في أي مسجد غير جامع إذا لم يكن هنالك جامع قائم. فللأخ في السؤال وإخوانه أن يقيموا صلاة الجمعة في المسجد بعشرين رجلًا أو اثني عشر فصلاتهم في المسجد المشار إليه وبالعدد المذكور صحيحة، إن شاء الله.
[1] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح رقم الحديث(1027).
[2] أخرجه أبو داود (1052)، والنسائي (1369) واللفظ لهما، والترمذي (500)، وابن ماجه (1125)، وأحمد (15498) باختلاف يسير.
[3] ((المبسوط)) للسرخسي (2/43)، ((مختصر اختلاف العلماء)) للطحاوي (1/330).
[4] صحيح مسلم (863).
[5] شرح مختصر خليل ج2 ص 76.
[6] المجموع للنووي ج 4 ص 504.
[7] الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي ج2 ص 397.