الحج مرة واحدة في العمر، وما زاد عن ذلك فهو تطوع، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: “أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا”([1])، فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت، فقالها ثلاثًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم”([2])، وفي حديث آخر أنه -عليه الصلاة والسلام- قال لنسائه عام حجة الوداع: (هذه الحجة، ثم ظهور الحصر)، وكن يحججن كلهن إلا زينب بنت جحش وسودة بنت زمعة -رضي الله عنهن-([3]).
وصحيح أن السؤال عن الحج حال كونه نافلة ومندوبًا إليه، وفيه قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)([4])، وهذا يشمل الحج المفروض وحج التطوع.
والعبد قد لا يقدّم أحدًا على فضل يناله من عمل من أعمال القربات، فنبي الله نوح -عليه السلام- قدم نفسه في الدعاء على والديه، بما حكاه الله عنه بقوله: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}[نوح: 28].
كما أن العبد قد يرى أن من الأفضل له البر بأخيه، فيقدمه على نفسه؛ ابتغاء وجه الله، كما قال -عز وجل-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}[المائدة: 2].
فالعبد هنا بين خيارين: خيار حج التطوع وخيار الصدقة على من لم يحج، والأصل في هذا النية؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)([5])، فالموازنة بين هذين الخيارين ترجع إلى العبد، وما يبتغيه عند الله من حجه.
والله تعالى أعلم.
[1] صحيح مسلم – كتاب الحج – باب فرض الحج مرة في العمر برقم 1337
[2] صحيح مسلم – كتاب الحج – باب فرض الحج مرة في العمر برقم 1337
[3] مسند الإمام أحمد – باقي مسند الأنصار – حديث زينب بنت جحش – برقم 26211، قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري لابن حجر، (٤/٨٨): إسناده صحيح.
[4] صحيح البخاري كتاب الحج – باب فضل الحج المبرور – برقم1449
[5] – أخرجه البخاري برقم: (1).