الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد، أما بعد:
فظاهر سؤال الأخ أنه طلق زوجته ثلاثا وهو في حالة غضب.
والجواب: أن الغضب يعرف بأن صابحه يتكلم بما لا يدري، ويتكلم به وهو في هذه الحال مسلوب الإرادة، لكونه لا يعقل ما يتكلم به، فهذا لا يقع طلاقه، والأصل فيه ماروته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنه-أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “لا طلَاقَ ولا عِتاقَ في إِغلاقٍ”([1])، والغضبان في حال الغضب كالمكره أو المجنون قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: “الغضَبُ على ثلاثة أقسامٍ: أحدُها: ما يزيلُ العَقلَ، فلا يَشعُرُ صاحِبُه بما قال، وهذا لا يقَعُ طلاقُه بلا نزاعٍ”([2])، وقال ابنُ القيم رحمه الله: “ما يزيلُ العَقلَ، فلا يشعَرُ صاحِبُه بما قال، وهذا لا يقَعُ طلاقُه بلا نزاعٍ”([3])، وقال قال الرحيباني رحمه الله: “قد أجمع المُسلِمونَ على أنَّ من زال عَقلُه بغيرِ سُكرٍ مُحَرَّمٍ، كالنومِ، والإغماءِ، والجنونِ، وشُربِ الدَّواءِ المزيلِ للعَقلِ، والمرضِ: لا يقَعُ طلاقُه”([4]).
هذا في عموم المسألة: أما عن سؤال الأخ فالأصل فيه نيته فهذه النية أساس القول والعمل، فإذا كان في حال غضبه غير مدرك لما قال فلا طلاق له، أما إن كان يشعر بما قال فيقع طلاقه والأساس في هذا نيته كما ذكر لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: “إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى”([5]).
وفي هذا السياق كثيرا ما يقع هذا الطلاق فيندم الزوج على ما فعل، وهذا الغضب من الشيطان، ولهذا أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالاستعاذة بالله من الغضب فيما رواه سليمان بن صرد -رضي الله عنه-:”قال: كنت جالساً مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ورجلان يستبّان، فأحدهما احمرّ وجهه وانتفخت أوداجه (عروق من العنق)، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد”([6]).
كما نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الغضب بقوله فيما رواه أبوهريرة -رضي الله عنه-: “أنَّ رَجُلًا قالَ للنَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: أوْصِنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قالَ: لا تَغْضَبْ”([7]).
فالحاصل: أن الأخ إذا كان قد غضب وكان غير مدرك لقوله، ولم يكن الطلاق في نيته فلا طلاق له.
والله تعالى أعلم.
[1] صحيح سنن أبي داود الرقم: 2193 وقال الألباني: حسن، صححه السيوطي في الجامع الصغير، (٩٨٨٦)..
[2] ((المستدرك على مجموع الفتاوى)) (5/6).
[3] ((زاد المعاد)) (5/195).
[4] ((مطالب أولي النهى)) (5/321).
[5] أخرجه البخاري(54).
[6] أخرجه البخاري، الفتح 6/337 ومسلم/2610.
[7] أخرجه البخاري(6116).