الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد بين الله -عز وجل- ما يجب من العدة على من توفي عنها زوجها، فقال -عز ذكره-: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة: ٢٣٤)، والمراد في الآية: أن من يتوفى منكم أيها الأزواج ويترك وراءه زوجة فعليها أن تتربص أي: تنتظر وتصبر عن الزواج مدة أربعة أشهر وعشرة أيام؛ وذلك لمعرفة ما إذا كانت حاملًا أم لا، فإن كانت حاملًا فعدتها مدة حملها؛ لما روي أن سبيعة الأسلمية سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك قالت: فأفتاني بأني حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي([1])، والمراد كذلك من مدة التربص الإحداد على الزوج وما ينبغي من المكث في البيت هذه المدة، واجتناب الزينة حتى لا يكون فيها ما يغري الرجال لخطبتها وهي في العدة؛ لما روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لفريعة بنت مالك بن سنان وكان قد توفي زوجها: أمكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله، قالت: فاعتدت أربعة أشهر وعشرة أيام([2]).
وحكم التربص يشمل الزوجة المدخول بها وغير المدخول بها.
فإذا انتهت عدة المتوفي عنها زوجها، فلا حرج على الأولياء من السماح لها بفعل ما كان غير جائز لها، من الزينة والخروج من البيت والنكاح، وشاهده قول الله -تقدس اسمه-: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [البقرة: ٢٣٤].
وخلاصة هذه الأحكام -جوابًا للأخ السائل-: تربص المعتدة بعد وفاة زوجها مدة أربعة أشهر وعشرة أيام؛ وذلك لاستبراء رحمها من زوجها المتوفى، فإن كانت حاملًا فتنتهي عدتها بانتهاء حملها. وعليها تجنب الزينة، وكل ما يدعو الرجال لخطبتها، ومن الأحكام مكثها في البيت خلال مدة العدة، وعدم خروجها منه، لا للحج ولا للعمرة ولا غير ذلك، إلا ما تقتضيه الضرورة، كزيارة والديها.
والله – تعالى- أعلم.
[1]– أخرجه مسلم (1484).
[2]– صحيح سنن أبي داود للألباني (2300)، قال ابن عبد البر في التمهيد، (٢١/٢٧): مشهور معروف ثابت.