سؤال من الأخ ك. . . بدر خان عن حكم الابن الذي يأخذ من معاش أمه على أن يتولى القيام على طعامها وشرابها وغير ذلك من إعاشتها، ولكنه يقدم لها الطعام الرديء ولا يجالسها أو يهتم بها، رغم أنها تعيش معه في بيت واحد هي في شقة في دور أرضي، وهو وزوجته وأبناؤه في شقة في الدور العلوي. كما يسأل الأخ السائل عن حكم البنت التي لا تتفقد أمها، ولا تزورها إلا قليلا رغم أنها في حاجة إلى رعايتها؟.

عقوق الوالدين والآثار التي تترتب عليه

وجوب بر الوالدين والإحسان لهما، وشكرهما على ما فعلاه لولدهما معروف من دين الله بالضرورة، حيث قرن الله حقه مع حقهما، وشكره مع شكرهما في قوله عز وجل: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء:36]، وقوله -تعالى-: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان:14]، فحق الله في الآية الأولى إفراده وحده بالعبادة والطاعة، وحق الوالدين الإحسان إليهما، وشكر الله في الآية الثانية يكون بشكره على نعمة الإسلام، وشكر الوالدين على حسن تربيتهما.

وبر الوالدين حكم قضى به الله على الولد قضاء لا خيار له فيه عملا بقوله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:36]، والمسلم يعرف هذا القضاء حكما من كتاب ربه ومن سنة رسوله ونبيه محمد ﷺ، كما يعرفه عقلا من طبيعة العلاقة بينه، وبين والديه حين سعيا عليه وربياه وأحسنا إليه في صغره، وما يجب عليه من الوفاء لهما بحكم هذه العلاقة.

أما الكتاب: فقول الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء:23]، {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء:24]، وفي هذه الآيات عدة أحكام:

أولها: أن الإحسان إلى الوالدين، وشكرهما مما عظّمه الله؛ حيث قرن ذلك بحقه في العبادة والشكر.

وثانيها: أن الله قضى ببرهما، وهذا القضاء بمعنى الأمر المقتضي للوجوب والتكليف، ولا ينفك هذا الأمر عن المقضي عليه إلا بالقيام به، فإن لم يفعل يكن عاصيا للقاضي به وهو الله.

وثالثها: أن عقوق الوالدين مناقض ومانع لمعنى البر المقضي به.

 ورابع الأحكام: أن العقوق يكون بأقل درجة منه، وهو التأفف أو التبرم منهما أو من أحدهما عند الكبر، لكونه الوقت الذي يستحقان فيه الرفق، واللطف بهما، وتعظيم حقهما.

وخامس الأحكام: التذلل والخضوع لهما لما في ذلك من المبالغة في البر بهما.

وسادس الأحكام: وجوب الدعاء والاستغفار لهما، وفي هذا بر بهما إلى جانب أنه قد يكون عوضا عما يكون قد لحقهما من تقصير الولد في برهما.

وآخر الأحكام: أن البر يشمل الوالدين ولو كانا غير مسلمين؛ لأن العلاقة بينهما في هذه الحال علاقة وفاء لا علاقة دين، عملا بقول الله تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان:15]، هذا عن حق الوالدين في كتاب الله.

أما في سنة رسوله ونبيه محمد ﷺ: فما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: ‏«‏رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف‏»‏‏ قيل: من يا رسول الله من؟ قال: ‏«‏من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة‏»‏‏([1]). وما رواه أيضا أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: من أحق الناس بصحبتي؟ قال: (أمك) قال ثم من؟ قال: (أمك)، قال ثم من؟ قال: (أمك)، قال ثم من؟ قال: (أبوك)([2]). وقوله عليه الصلاة والسلام: ‏«‏رضى الرب في رضى الوالد وسخط الرب في سخط الوالد‏»‏‏([3]). ولا يتوقف بر الوالدين عند مجرد الصلة، والمحبة واللين، والإطعام وما في حكم ذلك من واجبات البر ووسائله، بل يتعدى إلى طاعتهما فيما قد لا يرغب الولد فيه كطلاقه لزوجته إذا رغبا إليه في ذلك، ولزوم طاعتهما إذا نهياه عن الخروج للجهاد. ومن شواهد ذلك ما رواه عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: كان تحتي امرأة أحبها وكان أبي يكرهها فأمرني أن أطلقها فأبيت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: (يا عبدالله بن عمر طلق امرأتك) فطلقها([4]). ومن شواهد ذلك أيضا أن معاوية بن جاهمة السلمي جاء إلى رسول الله ﷺ يريد الجهاد فسأله رسول الله -عليه الصلاة والسلام- قائلا: (أمك حية؟) فقال: نعم فقال رسول الله: (الزم رجلها فثم الجنة)([5]). ويقاس على هذا كل أثر فيه طاعتهما ما لم يكن فيه معصية لله ولرسوله، لقول رسول الله ﷺ: (لا طاعة لمخلوق في معصية الله تبارك وتعالى)([6]).

وليس البر بر الوالدين ذاتهما فحسب بل بر أصدقائهما وأحبائهما والأصل في ذلك قول رسول الله ﷺ: (إن من أبر البر أن يبر الرجل ود أبيه)([7]).

قلت: فإذا كان هذا هو البر في مجمله، فإن ضده العقوق، وهو من أشد الخطايا والآثام، لما فيه من عصيان أمر الله بالإحسان إلى الوالدين، ولما فيه من منافاة الخلق القويم، وعدم الوفاء بالحقوق، والتنكر للوالدين، وما يترتب على هذا الفعل من العقوبة لصاحبه، وقد عظم الله أمر العقوق وشدد في عقابه في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّار} [الرعد:25]، وقوله جل ثناؤه: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُم} [محمد:22]، {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُم} [محمد:23]، وفي هذه الآيات المحكمات عدة أحكام:

أولها: أن الله قرن بين العقوق والفساد في الأرض، وهذه المقارنة تدل على عظم أمر العقوق؛ لأن الفساد في الأرض من الجرائم الكبرى الدالة على محاربة الله كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ} [المائدة:33].

وثانيها: أنه قرين لنقض عهد الله من بعد ميثاقه ولا ينقض هذا العهد إلا الذين ضلوا عن سبيله.

وثالثها: وصف العاقين باللعنة، وما تقتضيه من الطرد والبعد عن رحمة الله. وكما عظم الله أمر العقوق، وشدد على عقوبته أكد ذلك نبيه ورسوله محمد ﷺ، ومن شواهده ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: (الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين) الحديث([8]). ومنها ما رواه جبير بن مطعم -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: (لا يدخل الجنة قاطع رحم)([9]). ومن هذه الشواهد ما رواه نفيع بن الحارث -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا؟) قلنا: بلى يارسول الله، قال: (الإشراك بالله وعقوق الوالدين) الحديث([10]). ومنها مارواه المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله تعالى حرم عليكم عقوق الأمهات) الحديث([11]). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

قلت: إن العقوق مما عمت به البلوى، وكثرت بسببه الشكوى في هذا الزمان، مما يترتب عليه إسقاط حقوق الوالدين، والتبرم بهما عند الكبر، والإساءة إليهما في الحال التي يجب أن يكونا فيها محلا للرحمة والرفق، ولا شك أن هذا مما يخالف أمر الله وأمر رسوله ويكون سببا في حلول النقم وتعجيل العقوبة.

هذا من حيث العموم في المسألة، أما سؤال الأخ السائل فإن الولد الذي يتسلم معاش والدته للإنفاق عليها ثم لا يقوم بواجبه ويقصر فيه، يكون مرتكبا لخطيئتين:

الأولى– أنه أساء وخان أمانته، وقد حذر الله من ذلك في قوله عزوجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون} [الأنفال:27]، ومن خيانة الأمانة في هذه المسألة أن يبخس الأم حقها، فيما هو من حاجاتها وخصوصياتها، أو فيما هو لازم لها، ويحرم بخسها فيه، ومن ذلك مثلا أن يكون طعامها أو شرابها رديئا، أو يكون فراشها كذلك، أو يكون فيما يفعله الولد مِنّة عليها، فهذا ونحوه من خيانة الأمانة، وكما حذر الله من هذه الخيانة حذر منها رسوله محمد ﷺ حيث وصف الخائن لأمانته بأنه من المنافقين بقوله: (آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان) الحديث([12]).

 

الخطيئة الثانية: أن نفقة الأم تلزمه أصلا ما لم يكن عاجزا لما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: (إن أطيب ما أكلتم كسبكم وإن أولادكم من كسبكم)([13]). وما رواه أيضا جابر بن عبد الله أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إن لي مالا وأن أبي يريد أن يأخذ مالي، فقال رسول الله ﷺ: (أنت ومالك لأبيك)([14]). ولما كان الولد المشار إليه في السؤال يأخذ معاش أمه بقصد النفقة عليها ثم يقصر في ذلك، فإن فعله هذا يعد عقوقا وخيانة للأمانة، يجب عليه التوبة مما فعل.

وأما ما أشير إليه أيضا في السؤال عن تهاون البنت في حق أمها، فإن الحكم فيما يتعلق بوجوب بر الوالدين وتحريمه عقوقهما واحد سواء للذكر أو الأنثى.

وخلاصة المسألة: أن وجوب بر الوالدين، والإحسان إليهما، وشكرهما على ما فعلاه لولدهما في صغره معروف من دين الله بالضرورة، وهو حكم قضى الله به على الولد قضاء لا خيار له فيه. والمسلم يعرف هذا القضاء من كتاب الله، ومن سنة نبيه ورسوله محمد ﷺ كما يعرفه عقلا من طبيعة العلاقة بينه وبين والديه حين سعيا عليه وربياه في صغره، وما يجب عليه من الوفاء بحكم هذه العلاقة.

والعقوق ضد البر، وهو من أشد الخطايا والآثام لما فيه من عصيان أمر الله بالإحسان إلى الوالدين، ولما فيه من منافاة الخلق القويم، وعدم الوفاء بالحقوق، والتنكر للوالدين مما يترتب عليه العقوبة لصاحبه حيث ذكره الله -العقوق- مقارنا للفساد في الأرض.

وأن العقوق مما عمت به البلوى وكثرت بسببه الشكوى في هذا الزمان، فاسقطت بسببه حقوق الوالدين فتبرم بعض الأولاد بوالديه في حال الكبر التي يجب أن يكونا فيها محلا للرحمة والرفق والإحسان.

وما فعله المشار إليه في السؤال يعد ارتكابا لخطيئتين:

الأولى: أنه أساء وخان أمانته في أخذ معاش أمه، ثم تقصيره في الإنفاق عليها. وقد حذر الله ورسوله من خيانة الأمانة.

الخطيئة الثانية: أن نفقة الوالدين تلزم الولد أصلا ما لم يكن عاجزا عنها، ولما كان المشار إليه في السؤال يأخذ معاش أمه بقصد الإنفاق عليها ثم يقصر في ذلك فإن فعله هذا يعد عقوقا وخيانة للأمانة يجب عليه التوبة مما فعل.

أما ما أشير إليه في السؤال عن تقصير البنت في واجبها نحو أمها الحكم فيما يتعلق بوجوب بر الوالدين، وتحريم عقوقهما واحد سواء للذكر أو الأنثى.

والله تعالى أعلم.

([1]) وأخرج مسلم الجزء الأخير من الحديث في كتاب البر والصلة والآداب، باب رغم أنف من أدرك أبويه أو احدهما عند الكبر، فلم يدخل الجنة، إكمال إكمال المعلم للأبي، ج8 ص494.

([2])  أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة؟ برقم (5971)، فتح الباري، ج10 ص415، وإكمال إكمال المعلم للأبي، ج8 ص483-484.

([3]) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء من الفضل في رضا الوالدين، سنن الترمذي، ج4 ص274، برقم (1899)، قال الألباني في السلسلة الصحيحة، (٥١٦): حسن بجموع الطرق.

([4]) مسند الإمام أحمد، ج2 ص42، قال أحمد شاكر في تحقيق المسند لشاكر (7/90): إسناده صحيح، وأخرجه الترمذي وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، (١١٨٩).

([5])  سنن ابن ماجه، ج2 ص929-930، قال الألباني في صحيح النسائي، (3104): حسن صحيح.

([6])  مسند الإمام أحمد، ج5 ص66، صححه الألباني في صحيح الجامع، (٧٥٢٠)..

([7])  أخرجه مسلم، (٢٥٥٢)، إكمال إكمال المعلم للأبي، ج8 ص496.

([8])  أخرجه البخاري، (٦٦٧٥)، ورياض الصالحين للإمام النووي، ص136.

([9]) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، صحيح مسلم مع شرحه إكمال إكمال المعلم، ج8 ص504

([10]) أخرجه البخاري، (٦٦٧٥)، رياض الصالحين للنووي، ص136.

([11]) أخرجه البخاري (٥٩٧٥)، وأخرجه مسلم (٥٩٣) باختلاف يسير، ينظر: رياض الصالحين، ص137.

([12])  صحيح مسلم بشرح الأبي، ج1 ص277.

([13])  سنن أبي داود، ج3 ص289، صححه الألباني في إرواء الغليل، (١٦٢٦).

([14]) سنن أبي داود، ج3 ص289، صحح إسناده أحمد شاكر في تخريج المسند لشاكر، (١١/١٢٤).