بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد:
فمع أن في الأمثلة التي ذكرها السائل (ولم نذكرها كلها) بعض المبالغة، إلا أنه ما من شك في أن كثيرًا من الأزواج يستغل الإباحة التي له في تطليق زوجته فيطلقها دون سبب مشروع، فيجعلها هي وأولادها عالة على نفسها وعلى أسرتها، طالما يُدرك أنه لن يترتب عليه مسؤولية فيما يفعل.
ولا شك في أن أمر الزواج أمر عظيم؛ فقد عظمه الله في قوله -عز ذكره-: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21]، وقوله في حق المطلقات: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِين} [البقرة: 241]، فجعل هذا الحق من صفات المتقين؛ وذلك لعظم هذا الحق الذي لا يدركه إلا المتقون، وقوله -جل ثناؤه- في حق المطلقات: {وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1]، والأمر بعدم إخراج المطلقة ذات الرجعة من بيت زوجها حال طلاقها ليس الغاية منه حق الزوج، وبقاءها تحت تصرفه، كما يقول بعض الفقهاء، بل الغاية منه ترغيبه في مراجعتها وترغيبها كذلك؛ حرصًا على بقائها في بيتها وعدم طلاقها، وقد جعل الله إخراجها من بيت زوجها من الحدود التي يجب عدم تعديها، فمن تعداها فقد ظلم نفسه لعصيانه ما أمره الله به.
وكما عظَّم الله أمر الطلاق عظَّمه رسوله محمد ﷺ، ففي حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: (إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق)([1])، وفي حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله ﷺ يا معاذ، ما خلق الله شيئًا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق، ولا خلق الله شيئًا على وجه الأرض أبغض من الطلاق، فإذا قال الرجل لمملوكه أنت حر إن شاء الله فهو حر ولا استثناء له، وإذا قال رجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله فله استثناء ولا طلاق عليه([2])، قال ابن المنذر: اختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعتق، فقالت طائفة ذلك جائز، فقال به طاوس وحماد الكوفي والشافعي وأبو ثور والأحناف، وعند الإمام مالك: لا يجوز الاستثناء في الطلاق، وبه قال الأوزاعي وابن المنذر([3])، وفي حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: لا تطلقوا النساء إلا من ريبة، فإن الله -عز وجل- لا يحب الذواقين ولا الذواقات([4])، وفي رواية أخرى: (لعن الله كل ذواق مطلاق)([5]).
فهذه الأحاديث -وإن كان في بعضها ضعف- إلا أنها تتوافق في المعنى والغاية، مع ما ورد منها صحيحًا مما سبق ذكره، وهو قول رسول الله ﷺ: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق).
وكما عظَّم الله ورسوله الطلاق، عظَّمه فقهاء السلف؛ ففي المذهب الحنفي: جاء في المبسوط للإمام السرخسي: «أن إيقاع الطلاق مباح، وإن كان مبغضًا في الأصل عند عامة العلماء، ومن الناس من يقول: لا يباح الطلاق إلا عند الضرورة؛ لقوله ﷺ (لعن الله كل ذواق مطلاق)، وقال -عليه الصلاة والسلام-: (أيما امرأة اختلعت من زوجها من نشوز، فعليها لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)، وقد ورد مثله في الرجل يخلع امرأته؛ ولأن فيه كفران النعمة، فإن النكاح نعمة من الله -تعالى- على عباده … وكفران النعمة حرام، وهو رفع النكاح المسنون، فلا يحل إلا عند الضرورة، انتهى كلامه. وقال الإمام ابن عابدين في حاشية رد المحتار: وأما الطلاق فإن الأصل فيه الحظر، بمعنى أنه محظور إلا لعارض يبيحه، وهو معنى قولهم الأصل فيه الحظر، والإباحة للحاجة إلى الخلاص؛ فإذا كان بلا سبب أصلًا لم يكن فيه حاجة إلى الخلاص، بل يكون حمقًا وسفاهة رأي، ومجرد كفران النعمة، وإخلاص الإيذاء بها وبأهلها وأولادها؛ ولهذا قالوا: إن سببه الحاجة إلى الخلاص عند تباين الأخلاق، وعروض البغضاء الموجبة عند إقامة حدود الله -تعالى-: انتهى كلامه([6]).
قلت: وعامة الفقهاء على أن الأصل في الطلاق الحظر، وإنما أبيح منه قدر الحاجة([7])، وكتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ يدلّان على هذا.
ففي الكتاب قول الله -تعالى-: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، وهذا أمر للزوج بحسن معاشرة زوجته؛ لأن في هذه المعاشرة دفعًا لاحتمال الطلاق في حال سوء المعاشرة، وقد خص الله الزوج بهذا الأمر حتى لا يكون ذلك سببًا للطلاق من جانبه، أو من جانب زوجته حين تجد أنها لا تستطيع العيش معه، فتطلب منه الطلاق، وقد يحسن الزوج معاشرة زوجته، ولكنه قد يجد فيها ما يكره من صغائر العيوب؛ فبين الله له أن هذا الكره قد يكون سبيلًا إلى الخير له، فقال -عز وجل-: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]، كما بيَّن ذلك رسوله محمد ﷺ بقوله فيما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه-: (لا يفرك -أي يبغض- مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا، رضي منها آخر)([8])، والمعنى واضح في أن الزوج قد يكره من زوجته خلقًا، فينسى أن فيها خلقًا آخر فيه خير له، فكان عليه ألا ينسى حسنتها؛ وذلك كله درءًا للطلاق، وذكر الإمام القرطبي ما قاله مكحول: سمعت ابن عمر يقول: إن الرجل ليستخير الله -تعالى- فيختار، فيسخط على ربه -عز وجل- فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خَيْرَ له([9]).
قال الإمام ابن العربي في معنى الآية: إن وجد الرجل في زوجته كراهية، وعنها رغبة، ومنها نفرة من غير فاحشة ولا نشوز، فليصبر على أذاها وقلة إنصافها؛ فربما كان ذلك خيرًا له.. ثم قال: أخبرني أبو القاسم بن أبي حبيب بالمهدية عن أبي القاسم السيوري عن أبي بكر بن عبدالرحمن قال: كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد من العلم والدين في المنزلة المعروفة، وكانت له زوجة سيئة العشرة وكانت تقصِّر في حقوقه وتؤذيه بإساءتها، فيقال له في أمرها ويصبر عليها، وكان يقول: أنا رجل أكمل الله علي النعمة في صحة بدني ومعرفتي، وما ملكت يميني، فلعلها كتبت عقوبة على ديني فأخاف إذا فارقتها أن تنزل بي عقوبة هي أشد منها، ثم قال الإمام ابن العربي في تفسيره لمعنى الآية السابقة: قال علماؤنا: فيه دليل على كراهية الطلاق([10]).
قلت: كان السلف من الأمة عامتهم وخاصتهم يبالغون في حسن العشرة مع زوجاتهم؛ استجابة لأمر الله لهم بذلك، وكانوا يدرؤون الطلاق، ولا يلجؤون إليه إلا في حالات الفاحشة أو النشوز، ومع تغير أحوال الزمان وما جد فيه من المشكلات وضعف الاستجابة لأوامر الله، كثرت حالات الطلاق بلا أسباب، ولم يعد بعض الأزواج يعلمون أن الزواج من آيات الله ونعمه على خلقه، فقد قال -عز وجل-: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} [الروم: 21]، وقد حدّث من يوثق به أن سجل الزواج في إحدى المدن الإسلامية كان ثلاثة آلاف وخمسمائة حالة في سنة واحدة، وعند انتهاء السنة كان سجل الطلاق فيها ثلاثة آلاف حالة، فلم يبق من هذه الزيجات سوى خمسمائة حالة فقط، كما حدَّث هذا أن في إحدى البلاد الإسلامية خمسة ملايين امرأة بدون زواج، ولعل من أسباب ذلك كثرة الطلاق، وقد دلت الدلائل المشهودة والمحسوسة على سوء الآثار التي تترتب على الطلاق، ومنها تشرد الأولاد بعد انفصالهم عن أبيهم، وعدم إنفاقه عليهم، وما ينتج من ذلك من كراهيتهم له وعدم برّهم به، ومن هذه الآثار عدم الوفاء بحقوق الزوجة المطلقة، وما يترتب على ذلك من العداوة والبغضاء وكثرة الشكاوى في المحاكم، ومن ذلك أيضًا كثرة حالات الطلاق في الأمة، وما ينتج منها من الأضرار التي تصاب بها، وتنعكس على مسيرتها وسلوك أجيالها.
قلت: إن الأصل في الطلاق الحظر، وقد أبيح منه ما تقتضيه الضرورة من فساد العشرة وعدم إقامة حدود الله.
فإذا تحول الزواج إلى مجرد استخفاف بالفروج، أو مجرد تذوق لها يكون الطلاق عندئذ محرمًا؛ فإن الله -عز وجل- حين أمر به خلقه، وجعله من آياته، لم يكن ذلك مجرد عبث -وحاشا لله أن يكون أمره عبثًا- بل كان لحكمة وقدر قدرَّه لمنافع خلقه وهو أحكم الحاكمين، فإذا نسي خلقه هذا الأمر، أو تهاونوا فيه، وجب تبصيرهم بما يجب عليهم أن يفعلوه.
والطلاق مسألة إباحة، وتقييد الإباحة فيما هو خير للمباح له أمر مشروع؛ فالسفر مثلا مباح، ويمكن تقييده إذا كان في البلد المراد السفر إليه فتن أو أمراض معدية، كما فعل ذلك عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فلم يتم السفر إلى الشام لما علم بتفشي طاعون عمواس فيها، والطعام مباح أو هو واجب، فإذا وجد الطبيب نوعًا من أنواع الطعام يضر بالمريض، وجب عليه منعه منه.. وهكذا، فالطلاق مثل هذا فيكون من الخير تقييده بحكم القضاء، لما في ذلك من مصلحة للزوج وأسرته؛ فمن أراد أن يطلق زوجته عليه أن يذكر الأسباب الموجبة له، والقضاء خير من يفصل في هذه الأسباب، وخير من يؤتمن على هذا الفصل.
وخلاصة المسألة: أن أمر الزواج أمر عظيم؛ فقد عظَّمه الله في آيات من كتابه العزيز، منها قوله -تعالى-: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21]، وقوله -عز ذكره- في طلاق الرجعة: {وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1]، وكما عظَّم الله أمر الطلاق، عظَّمه رسوله محمد ﷺ، فقال: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)([11])، كما عظَّم فقهاء السلف أمر الطلاق، فقالوا: إن فيه كفران النعمة؛ لأن الزواج نعمة من نعم الله على عباده، وكفران النعمة حرام، كما قالوا: إن الأصل فيه الحظر، وكانت عامة السلف وخاصتهم من الأمة، يبالغون في حسن العشرة مع زوجاتهم، ولا يلجؤون إلى الطلاق إلا في حالات الفاحشة أو النشوز؛ لأن الزواج نعمة من الله على عباده وآية من آياته.
ومع تغير أحوال الزمان، وما جد من المشكلات فيه، وضعف الاستجابة لأوامر الله كثرت حالات طلاق في بلاد المسلمين دون أسباب؛ فأصبح العديد من النساء مطلقات.
إن الأصل في الطلاق الحظر، ولا يباح منه إلا ما تقتضيه الضرورة: كفساد العشرة، أو عدم إقامة حدود الله بين الزوجين، وقد دلت الدلائل على الآثار السيئة التي تترتب عليه، ومنها: تشرد الأولاد، وعدم الوفاء بحقوق الزوجات المطلقات، وكثرة الشكاوى في المحاكم، وما ينتج منه كذلك من الأضرار، التي تصاب بها الأمة، وتنعكس على مسيرتها وسلوك أجيالها.
إن الزواج من آيات الله وأوامره، وقدر قدَّره، وحكمة أحكمها وهو أحكم الحاكمين، فإذا نسي خلقه هذه الأوامر، أو تهاونوا فيها، وجب تبصيرهم بما يجب عليهم أن يفعلوه، ولما كان الطلاق مسألة إباحة، فإنه يكون من المصلحة تقييدها بحكم القضاء، فهو خير من يفصل في أسبابه، وهو خير من يؤتمن على هذا الفصل.
والله -تعالى- أعلم.
([1]) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق برقم (2018) ج1 ص650، صححه السيوطي في الجامع الصغير، (٥٣).
([2]) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ج7 ص361، قال ابن القيم في أعلام الموقعين، (٤/٦١): معلول .
([3]) الجامع لأحكام القرآن ج18 ص150.
([4]) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ج8 ص24، ضعفه الألباني في ضعيف الجامع، (٢٤٣٠).
([5]) ذكره السرخسي في المبسوط ج4 ص2، قال السخاوي في المقاصد الحسنة، (١٥٥): لا أعرفه.
([6]) حاشية رد المختار ج3 ص228.
([7]) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج38 ص293.
([8]) صحيح مسلم كتاب النكاح، باب الوصية بالنساء برقم (1469) ج6 ص3976.
([9]) الجامع لأحكام القرآن ج5 ص98.