سؤال من الأخ علي من المغرب يقول فيه: هل يجوز للزوج أن يشرب حليب زوجته؟

حكم رضاع الزوج من زوجته

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فالأصل أن لبن الزوجة لولدها، أو قريب لها، أو من تحب إرضاعه خلال حولين من الولادة، والأساس فيه قول الله عز وجل: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ) (الأحقاف:15)، أي إمكانية حمله ستة أشهر ثم إرضاعه لمدة عامين.

هذا في العموم: أما السؤال عن رضاع الزوج من زوجته فقال جمهور من العلماء بجواز ذلك، وقالوا لا تَثبُتُ الحُرمةُ برَضاعِ الكَبيرِ، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ([1])، خلافا للظاهرية الذين قالوا بتحريمه، ففي المحلى بالآثار قال الإمام بن حزم: “رَضاعُ الكبيرِ مُحَرِّمٌ، ولو أنَّه شَيخٌ يُحَرِّمُ كما يُحَرِّمُ رَضاعُ الصَّغيرِ، ولا فَرْقَ وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- “إنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ” حُجَّةٌ لَنَا بَيِّنَةٌ؛ لأن لِلْكَبِيرِ مِنْ الرَّضَاعَةِ فِي طَرْدِ الْمَجَاعَةِ نَحْوَ مَا لِلصَّغِيرِ، فَهُوَ عُمُومٌ لِكُلِّ رَضَاعٍ إذَا بَلَغَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-.. فَنَحْنُ نُوقِنُ وَنَبُتُّ بِأَنَّ رَضَاعَ الْكَبِيرِ يَقَعُ بِهِ التَّحْرِيمُ”([2]).

وقد حدثت حالة واحدة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذلك فيما روته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ كَانَ مَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ وَأَهْلِهِ فِي بَيْتِهِمْ فَأَتَتْ تَعْنِي ابْنَةَ سُهَيْلٍ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ: إِنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ، وَعَقَلَ مَا عَقَلُوا، وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا، وَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ، وَيَذْهَبْ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ، فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُهُ فَذَهَبَ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ([3]).

قلت: ولعل الصواب في عدم جوازه، فحالة سالم حالة خاصة لها أسبابها خاصة، وقد ينظر إلى هذا الرضاع أنه نوع من اللهو والعبث، فليس فيه الاستمتاع المعلوم كالجماع ونحوه، أما إذا كان هذا الرضاع للضرورة كشرب لبن الزوجة؛ دفعا للظمأ وخطره أو دواء موصوف أو نحو ذلك، فهذا الرضاع من باب الضرورة والضرورة تقدر بقدرها أما الرضاع لمجرد الرضاع فأرى أن هذا لا يجوز.

والله تعالى أعلم

[1] ((المبسوط)) للسرخسي (5/121)، ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (2/182)،و ((الشرح الكبير)) للدردير (2/503)، ((منح الجليل)) لعليش (4/374)و((مغني المحتاج)) للشربيني (3/416)، ((الغرر البهية)) لزكريا الأنصاري (4/374)و ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (8/146)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (5/445).

[2] المحلى بالآثار ج 10 ص 202.

[3] – -أخرجه مسلم برقم: ( 1453).