الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فالغيرة عند المرأة حالة طبيعية لا تنفك عنها، ولا تستطيع التخلص منها؛ لأنها متأصلة في كينونتها، فهي تكره أن ينازعها في زوجها منازع، أو يشاركها فيه مشارك، وفي الغالب تلجأ إلى طلب الطلاق إذا أصر زوجها على اشتراك زوجة أخرى معها، وهذه الغيرة عند المرأة قد تنقلب إلى عداء إذا رأت أنه لابد لها من الصبر على تعدد زوجها، ولا فرق في ذلك بين المرأة الكبيرة أو الصغيرة أو المتعلمة أو غير المتعلمة، والشاهد فيه ما روته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قائلة: ” ما رأيتُ صانعةً طعامًا مثلَ صفيَّةَ، أَهْدَتْ إلى النبيِّ -صلى الله عليه وآله وسلم- إناءً مِن طعامٍ، فما مَلَكْتُ نفسي أن كَسَرْتُه، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما كفارتُه؟ قال: إناءٌ كإناءٍ، وطعامٌ كطعامٍ”([1])، وعنها -رضي الله عنها- قالت: “حكيت للنبي -صلى الله عليه وسلم- رجلًا فقال: ما يسرني أني حكيت رجلًا، وأن لي كذا وكذا، قالت: فقلت: يا رسول الله، إن صفية امرأة، وقالت بيدها هكذا، كأنها تعني قصيرة، فقال: لقد مزجت بكلمة لو مزجت بها ماء البحر لمزج” وفي لفظ لأبي داود: (فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته، قالت: وحكيت له إنسانًا. فقال: ما أحب أني حكيت إنسانًا وأنَّ لي كذا وكذا )([2]).
فهؤلاء زوجات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمهات المؤمنين الطاهرات، اللاتي تربين في بيت النبوة لم يستطعن التغلب على غيرتهن.
هذا في عموم المسألة: أما عن سؤال الأخ وما ذكره عن غيـرة زوجته فهذه حالة طبيعية، والتعدد رخصة من الله لعباده، فإذا كانت الزوجة مريضة أو لا تلد، أو نحو ذلك مما يضطر العبد إلى التعدد فقد أعطاه الله هذه الرخصة، وعليه الصبر على تبعاتها أما إن كان التعدد لمجرد التغييـر فالأفضل بقاء الزوج على زوجته، وقد يكون في هذا الخيـر له، كما قال -عز وجل-: (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) (البقرة:216). وقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر» أو قال: «غيـره»)([3])، والبديل الآخر لحل المشكلة الطلاق، وفي هذا هدم لكيان الأسرة.
والله -تعالى- أعلم.
[1] أخرجه أبو داود (3568)، والنسائي (3957)، وأحمد (25155) باختلاف يسير، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (3912).
[2] أخرجه أبو داود (4875)، والترمذي (2502)، وأحمد (6/189) (25601) قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) (118)، والشوكاني في ((الفتح الرباني)) (11/5593)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (4875)، والوادعي في ((الصحيح المسند)) (1615) وقال: على شرط الشيخين.
[3] – أخرجه مسلم: (1469).