سؤال من الأخ عبد العزيز. . . يقول فيه إنه تزوج زوجته بدون ولي، وقد أنجبت منه أولادًا، وقد اقتنع أن هذا النكاح غير صحيح ويسأل عما يفعل؟.

حكم من تزوج بدون ولي وما يجب عليه أن يفعل

نكاح المرأة بولي أو بدونه مما بحثه الفقهاء تفصيلًا، وتباين اجتهادهم فيه:

فعند الإمام أبي حنيفة: أن المرأة إذا زوجت نفسها سواء كانت بكرًا أو ثيبًا، جاز النكاح وسواء كان الزوج كفؤًا لها أو غير كفء فإن لم يكن كفؤًا فلأوليائها حق الاعتراض عليه، وعند صاحبه أبي يوسف أن الزوج إن كان كفؤًا أمر القاضي الولي بإجازة العقد، فإن أجازه جاز، وإن أبى أن يجيزه لم ينفسخ، وللقاضي أن يجيزه فيجوز، وعند محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة يتوقف النكاح على إجازة الولي سواء زوجت نفسها من كفء أو غير كفء، فإن أجازه الولي جاز، وإن أبطله بطل إلا أن الزوج إن كان كفؤا لها، فينبغي للقاضي أن يجدد العقد إذا أبى الولي أن يزوجها منه([1]).

وفي مذهب الإمام مالك قال الإمام: إنه لا نكاح إلا بولي([2])، وأن الولاية شرط في الصحة في رواية أشهب، وفي رواية ابن القاسم عن الإمام مالك أن اشتراط الولاية سنة وليست بفرض، حيث إنه كان يرى الميراث بين الزوجين بغير ولي([3]).

وفي مذهب الإمام الشافعي: لا يجوز النكاح إلا بولي([4]).

وفي مذهب الإمام أحمد: لا نكاح إلا بولي، وشاهدين من المسلمين([5]).

وفي المذهب الظاهري: لا يحل للمرأة نكاح -ثيبًا كانت أو بكرًا- إلا بإذن وليها([6]).

واستدل الإمام أبو حنيفة ومن معه على جواز نكاح المرأة دون ولي، بقول الله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:234]، وبقوله جل ذكره: {حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة:230]، وقوله عزوجل: {أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة:232]، فدل هذا على إضافة العقد إلى المرأة وتملكها لمباشرته. هذا في الكتاب.

أما من السنة: فاستدلوا بقول رسول الله ﷺ: ‹‹ليس للولي مع الثيب أمر››([7])، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: ‹‹الأيم أحق بنفسها من وليها››([8])، وهي المرأة التي لا زوج لها -بكرًا كانت أو ثيبًا- كما استدلوا بعدد من الوقائع ومنها قصة الخنساء بنت خذام الأنصاري التي زوجها أبوها وهي ثيب، فكرهت ذلك الزواج، فأتت رسول الله ﷺ فرد نكاحها([9])، ومنها قصة الفتاة التي جاءت إلى عائشة -رضي الله عنها- فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه لرفع خسيسته، وإني كرهت ذلك، فقالت لها عائشة اجلسي حتى يأتي رسول الله ﷺ فلما جاء -عليه الصلاة والسلام- فأخبرته فأرسل إلى أبيها فقالت: أما إذا كان الأمر إلي فقد أجزت ما صنع أبي، إنما أردت أن أعلم هل للنساء من الأمر شيء([10]).

وأما الذين اشترطوا الولاية في النكاح، فاستدلوا بما روته عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله ﷺ قال: ‹‹أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل فإن أصابها فلها الصداق بما استحل به من فرجها››. وفي رواية: ‹‹فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له››([11]). وما روي عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنه قال: ‹‹كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح الزوج وولي وشاهدا عدل››([12]).

واستدلوا بما أخبر به عكرمة بن خالد أن الطريق جمع ركبًا فيهم امرأة ثيب، فولت رجلًا منهم غير ولي أمرها فزوجها، فجلد عمر بن الخطاب الناكح والمنكح ورد نكاحها([13]). كما استدلوا بأن رجلًا نكح امرأة من بني بكر، فكتب وليها إلى عمر بن عبد العزيز يقول إنه وليها، وأنها نكحت بغير أمره، فرد عمر نكاحها وقد أصاب الزوج منها([14]).

كما استدلوا على وجوب الولي، بأن جمعًا من الصحابة والتابعين أجمعوا على أن المرأة لا تملك تزويج نفسها ولا غيرها ولا توكيل غير وليها في تزويجها، ومنهم عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وعمر بن عبد العزيز والثوري والشافعي وغيرهم([15]).

وذكر أبو الوليد بن رشد القرطبي أن سبب اختلاف الفقهاء في هذه المسألة أنه لم تأت آية ولا سنة ظاهرة في اشتراط الولاية في النكاح فضلًا عن أن يكون في ذلك نص، بل الآيات والسنن التي يحتج بها من يشترطها هي كلها محتملة، وكذلك الآيات والسنن التي يحتج بها من يشترط إسقاطها هي أيضًا محتملة في ذلك، والأحاديث مع كونها محتملة في ألفاظها مختلف في صحتها إلا حديث ابن عباس([16]).

قلت: هذه خلاصة عن آراء الفقهاء وسبق القول في هذه المسألة أنه مع تغير الأحوال بتغير الأزمان، وما جد على العلائق بين الناس من تغير في السلوك تبعًا لواقع الزمن ومستجداته، وما رافق ذلك من اختلاط في بعض المؤسسات التعليمية، وما نشأ عن هذا الاختلاط من علاقات تؤدي إلى اختيار المرأة لزوجها دون إذن وليها، بل وإصرارها على هذا الاختيار رغم ما قد يكون فيه من محاذير ومخاطر، فإن الأصوب أن تكون الولاية شرطًا لصحة  الزواج. ومع ما يؤيد هذا الشرط من الآثار التي استدل بها القائلون باشتراط الولي، فإن في هذا الشرط ضمان للمرأة نفسها حين يساعدها وليها في اختيار الزوج الصالح لها، وفيه ضمان لأوليائها للحفاظ على سمعتهم، ودرءًا لما قد ينشأ من مشكلات بينهم وبين أزواج لا يرغبون فيهم([17]).

ولكن هذا الشرط لا يجب أن يكون وسيلة يتحكم بها الولي في موليته، فيمنع زواجها عمن يشاء، ويختار لها من يشاء دون أن يراعي في ذلك إذنها، وأهلية الزوج لها مما ينتج عنه إكراه، وقسر، ومفاسد كثيرة.

وتأسيسًا على ما سبق وحيث إن عقد النكاح عقد عظيم، تنبني عليه نتائج مهمة، ومقاصد دينية ودنيوية، فإنه يجب اشتراط الولاية فيه حفظًا لمصلحة الزوجين وسلامة عقدهما.

ولهذا فإن على الأخ في السؤال أن يذهب إلى القضاء فيصحح عقد نكاحه، وذلك بإجازة ولي المرأة لهذا النكاح، فإن لم يكن ثمة ولي لهـا، فالقاضــي هـو وليها وفقًا للأحكــام الشرعيــة في هـذا الخصوص.

والله -تعالى- أعلم.

([1]) المبسوط لشمس الدين السرخسي، ج5 ص10، وذكر أن من العلماء من يقول إن كانت غنية شريفة لم يجز تزويجها نفسها بغير رضا الولي، وإن كانت فقيرة خسيسة يجوز لها أن تزوج نفسها من غير رضا الولي.

قلت: وهذا تجوز ممن قال بهذا من الفقهاء رحمهم الله فالأصل ألا يكون هناك تمييز بين المرأة الغنية والفقيرة في مسألة الولاية أو غيرها؛ لأن الله سوى بين الأغنياءوالفقراء وجعلهم في الحكم سواء فالفاصل فيهم هو العدل بينهم لا فرق في ذلك بينهم إلا بما يتفاضلون فيه من تقوى الله وطاعته. وانظر البناية شرح الهداية لبدر الدين العيني، ج5 ص70-81، وفتح القدير لابن الهمام، ج3 ص255-263، وحاشية رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين، ج54-67.

([2]) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب من قال لا نكاح إلا بولي، فتح الباري، ج9، ص88. أخرجه الترمذي في كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي، سنن الترمذي ج3 م٤٠٧، ورقمه (۱۱۰۱) وأخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب في الولي، ورقمه (۲۰۸5)، وأخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، ورقمه (۱۸۸۱)، صححه علي بن المديني في السنن الصغير للبيهقي، (٣/١٧).

([3]) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد، ج2 ص8-9، وعقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس، ج2 ص13.

([4])  الأم، ج5 ص12-13، والحاوي الكبير للماوردي، ج11 ص57.

([5]) المبدع شرح المقنع لابن مفلح، ج7 ص27-29، وكشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي، ج5 ص48-49.

([6]) المحلى بالآثار لابن حزم، ج9 ص25.

([7]) أخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب في الثيب، سنن أبي داود، ج2 ص233، برقم (100)، وأخرجه أحمد في المسند، ج1 ص261، صححه الألباني في صحيح أبي داود، (٢١٠٠).

([8]) أخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت، صحيح مسلم مع شرحه إكمال إكمال المعلم للأبي، ج5 ص52، برقم (1421).

([9])  أخرجه البخاري، (٦٩٤٥)، أخرجه النسائي في كتاب النكاح، باب الثيب يزوجها أبوها وهي كارهة، سنن النسائي، ج6 ص86.

([10]) أخرجه النسائي في كتاب النكاح، باب الثيب يزوجها أبوها وهي كارهة، سنن النسائي، ج6 ص86-87. وأخرجه ابن ابي شيبة في مصنفه كتاب النكاح، باب الرجل يزوج ابنته من قال يسـتأمرها ج4 ص 137-138، قال شعيب الأرنؤوط في تخريج المراسيل لأبي داود، (١/١٩٦): سنده صحيح [وورد] عن بريدة وإسناده صحيح على شرط مسلم.

([11])  أخرجه الترمذي في كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي، سنن الترمذي، ج3 ص407-408، برقم (1102)، وأخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، سنن ابن ماجه، ج1 ص605، برقم (1879)، صححه الألباني في إرواء الغليل، (١٨٤٠).

([12])أخرجه الدارقطني في سننه في كتاب النكاح، ج3 ص225، والبيهقي في كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بشاهدين عدلين، السنن الكبرى، ج7 ص125، قال موفق الدين ابن قدامة في المغني، (٩/٣٧٤): لا نعرف صحته.

([13])  المحلى بالآثار لابن حزم، ج9 ص31، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، ج7 ص111، قال شعيب الأرنؤوط في تخريج شرح السنة، (٩ / ٤٢): رجاله ثقات إلَّا أنَّه منقطع.

([14]) الأم للإمام الشافعي، ج5 ص13، والمحلى بالآثار، ج9 ص32.

([15])  بداية المجتهد، ج2 ص13، والأم للإمام الشافعي، ج5 ص12-13، والحاوي الكبير للماوردي، ج11 ص63، والمغني لابن قدامة، ج7 ص337، وكشاف القناع، ج5 ص48-49، والمحلى بالآثار لابن حزم، ج9 ص27-32.

([16])  بداية المجتهد، ج2 ص9.

([17]) مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، العدد الحادي والستون، بحث منشور ضمن مسائل في الفقه بعنوان ‹‹الولي الذي يحق له تزويج المرأة ››، ص323-330.