سؤال من الأخ/ س. . . بن مسعود من الجـزائر يقول فيه: ما حكم طلاق الزوج لزوجته رغم طلبها البقاء في عصمته وهل يجوز الطلاق والزوجة حائض؟

هل يجوز الطلاق والزوجة حائض

الطلاق حل عقدة النكاح بما يعني إزالة أحكامه في الحال والمآل، وهو مباح للزوج (والزوجة إذا اشترطته).

والأصل في الكتاب والسنة والإجماع:

أما الكتاب: فقد بين الله في كتابه العزيز أحكام الطلاق وجوازه في آيات عدة، فقال تعالى في سورة الطلاق، {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق:1]، {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق:2].

وأما السنة: فقد طلق رسول الله ﷺ زوجته حفصة بنت عمر، ثم راجعها، وقيل إن الله أمره بذلك([1])، وقد روي عن عبد الله بن عمر أنه قال كانت تحتي امرأة، وكنت أحبها وكان عمر يكرهها، فقال لي طلقها، فأبيت، فأتى عمر النبي ﷺ له فذكر ذلك في فقال النبي ﷺ (طلقها)([2])، وفي رواية عند الإمام أحمد قال ﷺ (اطع اباك)([3]).

وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة في سلفها وخلفها على جوازه، والمترتب من أحكام الكتاب والسنة والإجماع أن الإسلام قد أباح الطلاق، لما قد يكون فيه من الخير للزوجين، ولكن قيده بقيود لصالح الزوجة.

ومن هذه القيود أن يكون طلاقها في طهر لم يجامعها الزوج فيه؛ بأن يكون طلاقها طلقة واحدة، ليكون ذلك سببا لعودته إليها بعد أن يتفكر في أمره، ويندم على فعله.

ومن هذه القيود أن تبقى الزوجة في بيتها؛ لأن بقاءها فيه قد يكون سببا لاستمرار حالة الزوجية بعد المراجعة.

ومن هذه القيود أن يطلق الزوج زوجته ثم يردها، ثم يطلقها ثم يردهـا، أي أن له الحق في إرجاعها إليه في طلقتين فحسب.

وفي كل الأحوال أمر الله الأزواج بحسن معاشرة أزواجهم، ونهاهم أن يأخذوا شيئا من مهورهن؛ بل عليهم أن يعطوهن ما بقي لهن منها، وأن يذكروهن بخير، ولا يذكروهن بسوء، فقال عزوجل: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } [البقرة:229].

ثم ذكّر عز وجل الأزواج بما بينهم وبين زوجاتهم من المودة والاحسان، وأن عليهم ألا ينسوا ما كان بينهم من العلاقة، فقال تعالى: {وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة:237].

قلت: ورغم إباحة الطلاق فهو مبغوض عند الله؛ استدلالًا بقول رسول الله ﷺ: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق»([4]). وقوله -عليه الصلاة والسلام-:«ما أحل الله شـيئـًا أبغض إليه من الطلاق”([5]). وسبب بغضه عند الله أن فيه حلا لرباط رضي الزوجان الارتباط به، وأفضيا به إلى بعضهما؛ ولما فيه أيضًا من تشتت الأسرة وربما ضياع الذرية، وكما هو مبغوض عند الله فهو إذا محظور إلا لعارض يبيحه، وهذه الإباحة أنواع، منها ما يعود لمرض الزوجة، وعدم قدرتها على استمرار الزواج (مع أن الأفضل أن يصبر الزوج على ذلك وفاء لعشرتهما)، ومنها ما يعود إلى التباين في أخلاق الزوجين كلاهما، ومنها ما قد يعود لأخلاق الزوجة، وإخلالها بحق الزوج في ماله أو عرضه، ومن هذه الإباحة ما يعود إلى فساد المودة والرحمة بين الزوجين، وسوء المعاشرة بينهما.

وللفقهاء في ذلك أقوال عدة:

ففي مذهب الإمام أبي حنيفة: يقول ابن عابدين في حاشيته الأصل في الطلاق الحظر بمعنى أنه محظور إلا لعارض يبيحه. . «فإذا كان بلا سبب أصلًا، لم يكن فيه حاجة إلى الخلاص، بل يكون حمقا وسفاهة رأي، ومجرد كفران النعمة، وإخلاص الإيذاء بها وبأهلها وأولادها، ولهذا قالوا إن سببه الحاجة إلى الخلاص عند تباين الأخلاق، وعروض البغضاء الموجبة عدم إقامة حدود الله تعالى”([6]).

وفي مذهب الإمام الشافعي أن الطلاق على أربعة أوجه:

  • واجب.
  • مستحب.
  • مكروه.
  • محرم

فأما الواجب: فهو طلاق الحكمين عند شقاق الزوجين وطلاق المؤلى إذا انقضت مدة الإيلاء([7]).

وأما المستحب: فيكون إذا وقعت الخصومة بين الزوجين وخافـا ألا يقيما حدود الله، لما روي أن رجلًا قال: يا رسول الله إن امرأتي لا تمنع يد لامس فقال: طلقها، فقال: إني أحبها، فقال: «أمسكها»([8]). وأما المكروه: فيكون إذا كانت حال الزوجين مستقيمة، ولا يكره الزوج من زوجته شيئًا من خلقها، ولا دينها وذلك عملًا بقول رسول الله ﷺ” أبغض الحلال إلى الله الطلاق”([9]).

وأمـا المحرم: فهو طلاق المرأة المدخول بها في الحيض، أو في الطهر الذي جامعها فيه قبل أن يتبين حملها.

وفي مذهب الإمام أحمد: مثل ذلك:

فهو مباح: عند الحاجة إليه لسوء خلق المرأة، أو سوء عشرتها والتضرر منها من غير حصول الغرض بها.

وهو مكروه: إذا كان لغير حاجة وهـو الصحيح من المذهب وفي قول أنه يحرم.

وهو مستحب: عندما تفرط الزوجة في حقوق الله الواجبة عليها مثل الصلاة ونحوها، وكونها غير عفيفة ولا يمكن إجبارهـا على أداء حقوق الله فهذه مما يستحب طلاقها على الصحيح من المذهب([10]). فاقتضى هذا أن على الأزواج أن يتقوا الله ويراعوا أحكامه وأحكام سنة نبيه في زوجاتهم، وألا يطلقوهن إلا وفق مقتضيات الضرورة حفظًا للمودة والفضل والرحمة بينهم، كما أن على الزوجات أن يتقين الله في حق أزواجهن ورعاية حقوقهم في أموالهم وأعراضهم؛ فهذا أدعى لبقاء عقد الزوجية الذي أمر الله بمراعاته والحفاظ عليه.

وعلى الأخ الذي طلبت زوجته البقاء معه -: كما في السؤال – أن يتق الله فيها، وألا يخرجها من بيتها إذا كانت قد حفظت حقوق الله، وراعت حق زوجها؛ لأن في بقائها معه خيرًا له وخيرًا لها؛ عملًا بقول الله عز وجل: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُون} [البقرة:216]، وعملًا بقول رسول الله ﷺ كما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر” ([11]).

أمـا سؤال الأخ السائل عما إذا كـان يجوز الطلاق والزوجة حائض، فالجواب: أنه لا يجوز؛ عملًا بقول الله عز وجل: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق:1]، فعلى هـذا فإن السـنة أن يطلق الزوج زوجته في طهر لم يجامعها فيه ثم يدعها حتى تنتهي عدتها، وهذا مجمع عليه بلا خلاف.

وخلاصة المسألة:

1- أن الطلاق مباح بلا خلاف ولكـنه مـقـيـد بـقـيـود؛ فهو مباح عند الحاجة إليه لسوء خلق المرأة، وهو مكروه إذا كان لغير حاجة بل قد يكون محرمًا، وهو مستحب عند تفريط الزوجة في حقوق الله الواجبة عليها، فـاقـتـضـى هـذا أن على الأزواج أن يـتـقـوا الـله، ويراعوا أحكامه، وأحكام سنة نبيه في زوجاتهم فلا يطلقوهن إلا وفق مقتضيات الضرورة؛ حفظًا للمودة والفضل بينهم. كما أن على الزوجات أن يتقين الله في حق أزواجهن ورعاية حقوقهم في أموالهم وأعراضهم، وعلي الزوج في المسألة أن يتق الله في زوجته، ولا يخرجها من بيته إذا كانت قد حفظت حقوق الله، وراعت حقوق زوجها.

٢- لا يـجـوز الـطـلاق والزوجة حائض، فالواجب أن يطلق الزوج زوجته في طهر لم يجامعها فيه، ثم يدعها حتى تنتهي عدتها.

 

والله تعالى أعلم بالصواب.

 

([1]) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب حدثنا سويد بن سعيد، برقم (٢٠١٦)، سنن ابن ماجه ج 1 ص 650، وأخرجه النسائي في كتاب الطلاق، باب الرجعة، سنن النسائي ج 6 ص 213، صحح إسناده: شعيب الأرنؤوط في تخريج زاد المعاد، (١/١٠٣).

([2]) أخرجه أبو داود في كتاب الأسر، باب في بر الوالدين برقم (٥١٣٨)، سنن أبي داود ۱ ص235- 236، صححه الألباني في صحيح أبي داود، (٥١٣٨).

([3]) أخرجه الإمام أحمد في المسند ج۲ ص۲۰، مسند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ويجب التذكير أن السنة قد وريت باباحة الطلاق لمن يحتاج إليه لا بمعني أنه من السنن المؤكدة التي يكون الفاعل مأجوراً بإتيانها، قال أحمد شاكر في تخريج المسند لشاكر، (١١/١٣٩): إسناده صحيح.

 

([4]) أخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب في كراهية الطلاق، برقم (۲۱۷۸)، سنن ابي داود ج۲ ص ٢٥٥، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب حدثنا سويد بن سعید، برقم )۲۰۱۸(، سنن ابن ماجه ج1 ص 650، صححه السيوطي في الجامع الصغير، (٥٣).

([5]) أخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب في كراهية الطلاق برقم (۲۱۷۷)، سنن أبي داود ج۲ ص٢٥٤-٢٥٥. صححه السيوطي في الجامع الصغير، (7775).

([6]) حاشية رد المحتار ج۳ ص۲۲۸.

([7]) الإيلاء من الحلف على عدم مجامعة الزوجة وهو جائز لغرض تقويم الزوجة وتأديبها واقصاه أربعة أشهر، التعريفات الجرجاني ص٤٢.

([8]) أخرجه النسائي في كتاب النكاح، باب تزويج الزانية، سنن النسائي ج6 ص٦٦-٦٧، قال شعيب الأرنؤوط في تخريج سنن أبي داود، (٣/٣٩٣): رجاله ثقات.

([9]) سبق تخريجه، وصححه السيوطي في الجامع الصغير، (٥٣).

([10]) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام الحمد للمرداوي ج8 ص ٤٢٩-٤٣٠.

([11]) أخرجه مسلم في كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، صحيح مسلم مع شرحه إكمال إكمال المعلم للأبي، ج5 ص۱۸۰، برقم (١٤٦٩). وأخرجه الإمام أحمد في المسند ج۲ ص۳۲۹.