سؤال من الأخ/ س. . . بن مسعود من الجزائر عن تعريف الزواج وحكمه في الإسلام؟

حكم الزواج في الإسلام

الزواج أو النكاح في اللغة: الضم والجمع([1])، وسمي نكاحًا لما فيه من ضم أحد الزوجين إلى الآخر شرعًا: إما وطئًا أو عقدًا.

أما تعريفه في الشرع فهو: ‹‹عقد موضوع لملك المتعة أي لحل استمتاع الرجل من امرأة لم يمنع من نكاحها مانع شرعي››([2]). والأصل فيه الكتاب، والسنة، والمعقول:

أما الكتاب: فقد أمر الله به في قوله عز وجل: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء} [النساء:3]، وهذا صيغة أمر تقتضي الطلب، وأقل درجاته الندب فثبت الترغيب([3]

وقد امتن الله على عباده بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجًا يتناسلون بها جيلًا بعد جيل في قوله تعالى: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل:72]، كما أنه عز وجل جعل الزواج من آياته

البينات الدالة على عظمته، وذلك في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} [الروم:21].

وأما السنة: فقد روى أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن ثلاثة رهط جاؤوا إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء النبي ﷺ فقال: ‹‹أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني››([4]).

كما روى عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: ‹‹يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة، فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج››([5]). نهى -عليه الصلاة والسلام- عن ترك النساء لأجل التفرغ للعبادة (أي التبتل)، وذلك فيما رواه سمرة بن جندب أنه -عليه الصلاة والسلام- نهى عن التبتل، وما أخبر به كذلك سعيد بن المسيب أنه سمع سعد بن أبي وقاص يقول: أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه رسول الله ﷺ عن ذلك([6]).

وما رواه النسائي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ: ‹‹تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة››([7]).

أما المعقول: فإن الله عز وجل قد أراد بحكمته وعلمه المطلق، أن يتناسل البشر في الدنيا، ويتكاثروا إلى أجلهم المسمى، وجعل لهذا التناسل سببًا، هو التزاوج بين الذكر والأنثى، وجعل لكل واحد منهما رغبة حسية في الآخر، وهذه الرغبة وضع عضوي ونفسي لا يستطيع أي منهما دفعه إلا بمشقة تتنافى مع طبيعته في جسمه وعقله، ناهيك عن منافاته لما أراده الله وأمر به.

وقد اختلف الفقهاء في مدى وجوبه:

ففي مذهب الإمام أبي حنيفة: أنه مرتبط بتوقان النفس إليه فمن تاقت نفسه إلى النساء، بحيث لا يمكنه الصبر عنهن وهو قادر على المهر والنفقة، يعد آثمًا إن لم يتزوج، وقال بعض أصحاب المذهب أنه مندوب ومستحب، وقال البعض الآخر أنه فرض كفاية بمنزلة الجهاد، وقال آخرون أنه واجب على الكفاية، وذهب آخرون إلى أنه واجب عينًا([8]).

وفي مذهب الإمام مالك قول: بأنه في حق بعض الناس واجب، وفي حق بعضهم مندوب إليه، وفي حق البعض الآخر مباح([9]).

وفي مذهب الإمام الشافعي: جوازه إلا أن يخاف أحد على نفسه الوقوع في محظور بتركه، فيلزمه إعفاف نفسه([10]).

وفي مذهب الإمام أحمد: أن النكاح على ثلاثة أقسام: القسم الأول: من له رغبة، ولا يخاف الزنا فالنكاح في حقه مستحب، وهذا هو الصحيح من المذهب. القسم الثاني: من ليس له رغبة كالعنين فهذا سنة في حقه أو مباح. القسم الثالث: من خاف العنت: أي الزنا فالنكاح في حق هذا واجب([11]).

وفي مذهب الإمام ابن حزم: النكاح فرض على كل قادر على الوطء استدلالًا بالحديث السابق ذكره ‹‹ يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ››([12]).

قلت: والأصح -والله أعلم- أن الزواج واجب وجوب عين على القادر عليه حسًا أو معنى، للأسباب التالية:

أولها: أنه من آيات الله البينات حين خلق الذكر والأنثى، لغرض التزاوج والمودة والرحمة بينهما، فاقتضى هذا: أن الزواج من طبيعة الخلق.

وثاني الأسباب: أن الله لم يستثنِ منه أحدًا من البشر بما في ذلك الأنبياء والمرسلين، وذلك في قوله عز وجل لنبيه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد:38]، كما أنه عزوجل لم يستثنِ فيه أحدًا من خلقه؛ فالحيوانات والدواب والطيور تتزاوج فيما بينها، كما أن النباتات تتزاوج، وتتلاقح فيما بينها بحكم ما أودعه الله فيها من الأسرار والعلم الدال على حكمته وقدرته.

وثالث الأسباب: أن الزواج من سنن الله في خلقه، وتركه مجافاة ومنافاة لحكمته وسننه.

ورابع الأسباب: أن في تركه مخالفة لأمر الله في قوله عز وجل: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء}. وقوله عز وجل: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم} [النور:32].

كما أن فيه مخالفة لأمر رسول الله ﷺ في قوله: ‹‹تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة››، ولو قيل بخلاف ذلك لما وجد هذا التكاثر بل قد يندثر الإسلام.

وخامس الأسباب: أن اتصال الرجل بالمرأة غريزة حسية لا تنتفي إلا بعجز من أحدهما كالمرض ولهذا روى عبد الله بن طاووس عن أبيه أنه قال لرجل لتتزوجن أو لأقولن لك ما قال عمر لأبي الزوائد: ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور([13]).

وخلاصة المسألة: أن غالبية الفقهاء على أن النكاح مندوب إليه، وقال الإمام ابن حزم بوجوبه وجوب عين، وقال البعض هو في حق بعض الناس واجب، وفي حق البعض الآخر مندوب إليه وقال آخرون أنه في حق البعض مباح.

والأصح -والله أعلم- أن النكاح واجب وجوب عين على القادر عليه حسًا أو معنى، ذلك للأسباب التالية: أولها: أنه من آيات الله البينات حين خلق الذكر والأنثى. وثاني الأسباب: أن الله لم يستثنِ منه أحدًا سواء من مخلوقاته من البشر أو من غيرهم. وثالثها: أنه من سنن الله في خلقه وتركه مجافاة لهذه السنة. ورابع الأسباب: أن في تركه مخالفة لأمر الله عز وجل وأمر رسوله -عليه الصلاة والسلام- بالنكاح. وخامس الأسباب: أن النكاح غريزة حسية لا تنتفي إلا بعجز كالمرض فاقتضى ذلك كله وجوب الزواج على القادر عليه.

والله تعالى أعلم بالصواب.

 

 

 

([1]) انظر: المصباح المنير للفيومي ج2 ص624 مادة (نكح).

([2]) أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء، للقونوي ص145، والمهذب للشيرازي ج2 ص33، وكتاب التعريفات، للجرجاني ص166، وحاشية رد المحتار على الدر المختار،  لابن عابدين ج3 ص43.

([3]) فتح الباري بشرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر ج9 ص6.

([4]) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، برقم (5063)، فتح الباري ج9 ص5-6، وأخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه برقم (1401)، صحيح مسلم مع شرحه إكمال إكمال المعلم للأبي ج5 ص7-12.

([5]) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب قول النبي ﷺ: ‹‹من استطاع الباءة فليتزوج..›› برقم (5065)، فتح الباري ج9 ص8، وأخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه برقم (1400)، صحيح مسلم مع شرحه إكمال إكمال المعلم للأبي ج5 ص4-7، ومعنى ‹‹الباءة ›› القدرة على مؤن النكاح والوطء.

([6]) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب ما يكره من التبتل والخصاء، برقم (5073)، فتح الباري ج9 ص19، وأخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب استحباب النساء لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة النكاح، برقم 1402، صحيح مسلم مع شرحه إكمال إكمال المعلم ج5 ص13.

([7])  أخرجه النسائي في كتاب النكاح، باب كراهية تزويج العقيم، سنن النسائي ج6 ص65-66، صححه الألباني في إرواء الغليل، (١٧٨٤).

([8]) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني ج2 ص228، والفتاوى الهندية ج1 ص295.

([9])  بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ج2 ص2 والمعونة على مذهب عالم المدينة للبغدادي ج2 ص717-718، وحاشية الرهوني على شرح الزرقاني لمختصر خليل ج3 ص179-180، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ج2 ص214-215.

([10]) المجموع شرح المهذب للنووي ج16 ص125-132، وحواشي الشرواني وابن قاسم على تحفة المحتاج بشرح المنهاج لابن حجر الهيثمي ج7 ص183-184.

([11])  الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي ج8 ص7-9، 15، وانظر شرح الزركشي على مختصر الخرقي ج5 ص5-7.

([12]) المحلى بالآثار للإمام ابن حزم ج9 ص3.

([13])المحلى بالآثار ج2 ص4.

الزواج أو النكاح في اللغة: الضم والجمع([1])، وسمي نكاحًا لما فيه من ضم أحد الزوجين إلى الآخر شرعًا: إما وطئًا أو عقدًا.

أما تعريفه في الشرع فهو: ‹‹عقد موضوع لملك المتعة أي لحل استمتاع الرجل من امرأة لم يمنع من نكاحها مانع شرعي››([2]). والأصل فيه الكتاب، والسنة، والمعقول:

أما الكتاب: فقد أمر الله به في قوله عز وجل: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء} [النساء:3]، وهذا صيغة أمر تقتضي الطلب، وأقل درجاته الندب فثبت الترغيب([3]

وقد امتن الله على عباده بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجًا يتناسلون بها جيلًا بعد جيل في قوله تعالى: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل:72]، كما أنه عز وجل جعل الزواج من آياته

البينات الدالة على عظمته، وذلك في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} [الروم:21].

وأما السنة: فقد روى أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن ثلاثة رهط جاؤوا إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء النبي ﷺ فقال: ‹‹أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني››([4]).

كما روى عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: ‹‹يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة، فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج››([5]). نهى -عليه الصلاة والسلام- عن ترك النساء لأجل التفرغ للعبادة (أي التبتل)، وذلك فيما رواه سمرة بن جندب أنه -عليه الصلاة والسلام- نهى عن التبتل، وما أخبر به كذلك سعيد بن المسيب أنه سمع سعد بن أبي وقاص يقول: أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه رسول الله ﷺ عن ذلك([6]).

وما رواه النسائي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ: ‹‹تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة››([7]).

أما المعقول: فإن الله عز وجل قد أراد بحكمته وعلمه المطلق، أن يتناسل البشر في الدنيا، ويتكاثروا إلى أجلهم المسمى، وجعل لهذا التناسل سببًا، هو التزاوج بين الذكر والأنثى، وجعل لكل واحد منهما رغبة حسية في الآخر، وهذه الرغبة وضع عضوي ونفسي لا يستطيع أي منهما دفعه إلا بمشقة تتنافى مع طبيعته في جسمه وعقله، ناهيك عن منافاته لما أراده الله وأمر به.

وقد اختلف الفقهاء في مدى وجوبه:

ففي مذهب الإمام أبي حنيفة: أنه مرتبط بتوقان النفس إليه فمن تاقت نفسه إلى النساء، بحيث لا يمكنه الصبر عنهن وهو قادر على المهر والنفقة، يعد آثمًا إن لم يتزوج، وقال بعض أصحاب المذهب أنه مندوب ومستحب، وقال البعض الآخر أنه فرض كفاية بمنزلة الجهاد، وقال آخرون أنه واجب على الكفاية، وذهب آخرون إلى أنه واجب عينًا([8]).

وفي مذهب الإمام مالك قول: بأنه في حق بعض الناس واجب، وفي حق بعضهم مندوب إليه، وفي حق البعض الآخر مباح([9]).

وفي مذهب الإمام الشافعي: جوازه إلا أن يخاف أحد على نفسه الوقوع في محظور بتركه، فيلزمه إعفاف نفسه([10]).

وفي مذهب الإمام أحمد: أن النكاح على ثلاثة أقسام: القسم الأول: من له رغبة، ولا يخاف الزنا فالنكاح في حقه مستحب، وهذا هو الصحيح من المذهب. القسم الثاني: من ليس له رغبة كالعنين فهذا سنة في حقه أو مباح. القسم الثالث: من خاف العنت: أي الزنا فالنكاح في حق هذا واجب([11]).

وفي مذهب الإمام ابن حزم: النكاح فرض على كل قادر على الوطء استدلالًا بالحديث السابق ذكره ‹‹ يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ››([12]).

قلت: والأصح -والله أعلم- أن الزواج واجب وجوب عين على القادر عليه حسًا أو معنى، للأسباب التالية:

أولها: أنه من آيات الله البينات حين خلق الذكر والأنثى، لغرض التزاوج والمودة والرحمة بينهما، فاقتضى هذا: أن الزواج من طبيعة الخلق.

وثاني الأسباب: أن الله لم يستثنِ منه أحدًا من البشر بما في ذلك الأنبياء والمرسلين، وذلك في قوله عز وجل لنبيه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد:38]، كما أنه عزوجل لم يستثنِ فيه أحدًا من خلقه؛ فالحيوانات والدواب والطيور تتزاوج فيما بينها، كما أن النباتات تتزاوج، وتتلاقح فيما بينها بحكم ما أودعه الله فيها من الأسرار والعلم الدال على حكمته وقدرته.

وثالث الأسباب: أن الزواج من سنن الله في خلقه، وتركه مجافاة ومنافاة لحكمته وسننه.

ورابع الأسباب: أن في تركه مخالفة لأمر الله في قوله عز وجل: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء}. وقوله عز وجل: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم} [النور:32].

كما أن فيه مخالفة لأمر رسول الله ﷺ في قوله: ‹‹تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة››، ولو قيل بخلاف ذلك لما وجد هذا التكاثر بل قد يندثر الإسلام.

وخامس الأسباب: أن اتصال الرجل بالمرأة غريزة حسية لا تنتفي إلا بعجز من أحدهما كالمرض ولهذا روى عبد الله بن طاووس عن أبيه أنه قال لرجل لتتزوجن أو لأقولن لك ما قال عمر لأبي الزوائد: ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور([13]).

وخلاصة المسألة: أن غالبية الفقهاء على أن النكاح مندوب إليه، وقال الإمام ابن حزم بوجوبه وجوب عين، وقال البعض هو في حق بعض الناس واجب، وفي حق البعض الآخر مندوب إليه وقال آخرون أنه في حق البعض مباح.

والأصح -والله أعلم- أن النكاح واجب وجوب عين على القادر عليه حسًا أو معنى، ذلك للأسباب التالية: أولها: أنه من آيات الله البينات حين خلق الذكر والأنثى. وثاني الأسباب: أن الله لم يستثنِ منه أحدًا سواء من مخلوقاته من البشر أو من غيرهم. وثالثها: أنه من سنن الله في خلقه وتركه مجافاة لهذه السنة. ورابع الأسباب: أن في تركه مخالفة لأمر الله عز وجل وأمر رسوله -عليه الصلاة والسلام- بالنكاح. وخامس الأسباب: أن النكاح غريزة حسية لا تنتفي إلا بعجز كالمرض فاقتضى ذلك كله وجوب الزواج على القادر عليه.

والله تعالى أعلم بالصواب.

 

 

 

([1]) انظر: المصباح المنير للفيومي ج2 ص624 مادة (نكح).

([2]) أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء، للقونوي ص145، والمهذب للشيرازي ج2 ص33، وكتاب التعريفات، للجرجاني ص166، وحاشية رد المحتار على الدر المختار،  لابن عابدين ج3 ص43.

([3]) فتح الباري بشرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر ج9 ص6.

([4]) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، برقم (5063)، فتح الباري ج9 ص5-6، وأخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه برقم (1401)، صحيح مسلم مع شرحه إكمال إكمال المعلم للأبي ج5 ص7-12.

([5]) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب قول النبي ﷺ: ‹‹من استطاع الباءة فليتزوج..›› برقم (5065)، فتح الباري ج9 ص8، وأخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه برقم (1400)، صحيح مسلم مع شرحه إكمال إكمال المعلم للأبي ج5 ص4-7، ومعنى ‹‹الباءة ›› القدرة على مؤن النكاح والوطء.

([6]) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب ما يكره من التبتل والخصاء، برقم (5073)، فتح الباري ج9 ص19، وأخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب استحباب النساء لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة النكاح، برقم 1402، صحيح مسلم مع شرحه إكمال إكمال المعلم ج5 ص13.

([7])  أخرجه النسائي في كتاب النكاح، باب كراهية تزويج العقيم، سنن النسائي ج6 ص65-66، صححه الألباني في إرواء الغليل، (١٧٨٤).

([8]) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني ج2 ص228، والفتاوى الهندية ج1 ص295.

([9])  بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ج2 ص2 والمعونة على مذهب عالم المدينة للبغدادي ج2 ص717-718، وحاشية الرهوني على شرح الزرقاني لمختصر خليل ج3 ص179-180، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ج2 ص214-215.

([10]) المجموع شرح المهذب للنووي ج16 ص125-132، وحواشي الشرواني وابن قاسم على تحفة المحتاج بشرح المنهاج لابن حجر الهيثمي ج7 ص183-184.

([11])  الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي ج8 ص7-9، 15، وانظر شرح الزركشي على مختصر الخرقي ج5 ص5-7.

([12]) المحلى بالآثار للإمام ابن حزم ج9 ص3.

([13])المحلى بالآثار ج2 ص4.