سؤال ‬من الأخ سرحان مباركة ‬يقول فيه: ‬إن شخصًا تزوج منذ ‬عامين، وقد اشتد الخلاف بينه وبين زوجته، فطلقها طلاقًا بلا رجعة، إلا أن الزوجة رفضت الخروج من البيت، فأصبحت تعيش مع الزوج ‬يساكنها ويعاشرها وينفق عليها، كما لو كانت زوجته، ويسأل الأخ عما إذا كان ‬يجوز لهما ذلك.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

حكم من طلق زوجته طلاقًا ‬بائنًا، ‬وما زالت تسكن مع الزوج ‬ ويعاشرها

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد:

فالذي يظهر من سؤال الأخ السائل، أن الزوجة تعد بائنًا من زوجها أي أنه قد طلقها ثلاث تطليقات متتابعة في زمن واحد، أو أنه طلقها على مراحل حتى استكمل الثلاث، والأصل أنه إذا طلقها على أحد هذين الوجهين أصبحت بائنًا منه، لقول الله تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}  [البقرة: 922]، وقوله عز وجل: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230].

ولا خلاف في استحقاق المعتدة ذات الرجعة للسكن والنفقة، لمظنة عودته إليها، فكأنها في عصمته.

كما أنه لا خلاف في النفقة والسكنى للحامل، لأن الزوج حين ينفق عليها إنما ينفق على ولده، الذي تلزمه نفقته، ولا سبيل لهذه النفقة إلا عن طريق أمه التي تحمله، والأصل في استحقاق ذات الرجعة والحامل للسكن والنفقة، قول الله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6]. أما البائن غير الحامل، ففي إسكانها حال العدة خلاف، فقال بإسكانها عدد من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب وعائشة وعبدالله بن مسعود([1])، كما قال به الإمام مالك([2])، والإمام الشافعي([3])، وعدد من التابعين، وقال بإسكانها والإنفاق عليها عدد من الفقهاء، منهم الإمام أبو حنيفة([4])، وقال آخرون: لا نفقة لها ولا سكنى، وهو قول ابن عباس وعلي وعدد من التابعين وداود وأبي ثور، وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد.

واستدلوا على ذلك بقصة فاطمة بنت قيس، فقد روت أن زوجها طلقها البتة وهو غائب، فأرسل لها وكيله بشعير فسخطته فقال لها: والله مالك علينا من شيء، فأتت رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: (ليس لك عليه سكن ولا نفقة)، فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك([5])، وفي لفظ آخر قال: (انظري يا ابنة قيس، إنما النفقة للمرأة على زوجها ما كانت له عليها الرجعة فإذا لم يكن له عليها الرجعة، فلا نفقة ولا سكنى)([6]).

ووجه الاستدلال عند من قال بالسكنى، أو السكنى والنفقة قول الله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم}، وقد ردوا رواية فاطمة بنت قيس، أما وجه الاستدلال عند من قال بعدمه، فلأن حديث فاطمة بنت قيس حديث صحيح وصريح ولا ينقضه إلا حديث مثله ناهيك بأن رسول الله ﷺ أعلم بمعنى الآية وحكمها.

قلت: ولمسألة السكن والنفقة للبائن غير الحامل وجهان:

الوجه الأول: قد يكون الزوج موسرًا، ولا ينسى ما كان بينه وبين زوجته من العشرة، فيرأف بها بعد طلاقها، ويسكنها وينفق عليها حتى تنتهي عدتها، فيجعل الله لها بعد ذلك يسرًا، والأفضل له أن يفعل ذلك، لقول الله عز وجل: {وَلاَ تَنسَوُاْالْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}  [البقرة: 732].

أما الوجه الآخر: فقد يرى الزوج أن علاقته بزوجته قد انتهت، فلم يعد يجمعهما جامع فقد تفرقا، والله يغني كلًّا من سعته فيرى أن من الخير لها أن تكون عند أهلها أو وليها.

هذا من حيث العموم في المسألة، فإن كان الزوج المذكور فيها قد أسكن مطلقته، وأنفق عليها خلال العدة رحمة بها، فليس في الشرع ما يمنعه، أما إن كان قد أسكنها بقصد معاشرته لها، فالأصل أن من بانت زوجته منه تصبح محرمة عليه، ومعاشرته لها تعد في حكم الزنا أو هو الزنا بعينه، لأنها بعد بينونتها منه أصبحت محرمة عليه، حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا، فيطلقها أو يتوفى عنها، والأمر في ذلك جلي في قول الله تعالى: {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 032].

وعلى الزوج المشار إليه في المسألة أن يتقي الله وألا ينتهك محارمه، لأنه بفعله هذا – إذا صح ما ذكره الأخ السائل – قد ظلم نفسه وتعدى على حدود الله، كما قال عز وجل: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُون} [البقرة: 229]،

وخلاصة المسألة: إن كان الزوج في المسألة قد أسكن زوجته التي بانت منه رأفة بها، فليس في فعله ما يمنعه شرعًا بل قد يكون فيه فضل ومعروف، أما إن كان قد أسكنها بقصد معاشرته لها، فالأصل أن من بانت زوجته منه تصبح محرمة عليه، ومعاشرته لها تعد في حكم الزنا، والأمر في ذلك جلي في قول الله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}، وعلى الزوج أن يتقي الله وألا ينتهك محارمه لأنه بفعله هذا قد ظلم نفسه، وتعدى على حدود الله.

والله تعالى أعلم.

([1]) جامع البيان عن تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري ج14 ص146.

([2]) بداية المجتهد لابن رشد ج2 ص95، وعقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس ج2 ص310.

([3]) المهذب للشيرازي ج2 ص146، 164.

([4]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج18 ص167، والمغني لابن قدامة ج11 ص403.

([5]) أخرجه مسلم في كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، صحيح مسلم بشرح النووي ج6 ص34، برقم (١٣٦٣).

([6]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ج6 ص373، 417.، قال شعيب الأرنؤوط في تخريج المسند لشعيب، (٢٧٣٤٨): صحيح دون قوله: “إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت عليه رجعة”.