بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد:
فالفسق في اللغة: خروج شيء من آخر على نحو فاسد.
وفي الاصطلاح: الفسق كل ترك لأمر الله تعالى وعصيانه، والخروج عن طريق الحق، والفسق قد يكون كفرًا أو ظلمًا أو إثماً، وهو محرم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
أما الكتاب: فقد وصف الله إبليس بالفسق في قوله تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50]، أي عصاه، وقد توعد الله الفاسقين بالعذاب في قوله جل ثناؤه: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ} [يونس: 33]، وقوله -تعالى-: {فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُون} [الأحقاف: 02].
وأما السنة: فقول رسول الله ﷺ: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)([1]).
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على أن الفسق حرام؛ لما فيه من الخروج على أحكام الله، وارتكاب ما حرمه، أما الولاية فمن أنواعها القرابة، وولي المرأة من له حق عقد النكاح عليها، كأبيها أو أخيها.
وقد اختلف الفقهاء في مدى صحة ولاية الفاسق في تزويج موليته:
ففي مذهب الإمام أبي حنيفة: تصح ولاية الفاسق استدلالًا بعموم قول الله تعالى: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ} [النور: 23]. واستدلالًا أيضًا بقول رسول الله ﷺ: زوجوا بناتكم الأكفاء من غير فصل، كما استدل أصحاب المذهب بإجماع الأمة، فإن الناس عامهم وخاصهم من زمن رسول الله ﷺ يزوجون بناتهم من غير نكير من أحد، ولما كانت الولاية ولاية نظر، فإن الفسق لا يقدح في القدرة على تحصيل النظر، ولا في الداعي إليه وهو الشفقة، وكما أن الفسق لا يقدح في الوراثة، فلا يقدح في الولاية، كما أن الفاسق له ولاية على نفسه، فيكون من أهل الولاية على غيره، ولهذا تقبل شهادته عندهم، هذا من وجه، ومن وجه آخر فإن الفاسق مرشد، ويرشد غيره لتوافر آلة الرشد لديه، وهي العقل، خلافًا للمجنون، الذي لا يصح للولاية.([2])
وفي مذهب الإمام مالك: قول بأن الفسق يسلب الولاية، والمشهور أنه لا يسلبها، وإنما يقدح في كمال العقد دون صحته، وسواء كان مستترًا في فسقه أو متهتكاً.([3])
وفي مذهب الإمام الشافعي: الأظهر أن الفسق مانع من ولاية النكاح بكل حال؛ لأن من شروطه الولاية، وهذه لا تثبت مع الفسق فتنتقل الولاية إلى الأبعد، ومن الأصحاب من قال في ولاية الفاسق قولين: أحدهما لا تجوز ولايته. والقول الثاني جوازه؛ لأنه حق يستحق بالتعصيب، فلم يمنع منه الفسق كالميراث والتقدم للصلاة على الميت([4]).
وفي مذهب الإمام أحمد: قولان في اشتراط العدالة في الولاية القول الأول: وجوب اشتراطها في الولي وهو المذهب، والقول الثاني: عدم اشراطها، فعلى هذا يجوز تزويج الفاسق، فيكفي مستور الحال على الصحيح من المذهب؛ لأن في اشتراط العدالة الظاهرة والباطنة حرجًا يفضي إلى بطلان غالب الأنكحة([5]).
ومما سبق ذكره بإيجاز عن مذاهب الفقهاء يتبين أن آراءهم تباينت في ولاية الفاسق، فمن قال بعدم جواز ولايته، أخذ بما روي عن ابن عباس: أنه لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد([6]).
وقال الإمام أحمد: هذا أصح شيء في هذا الباب، وما روي عنه أيضًا مرفوعاً: أنه لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وأيما امرأة نكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل([7]).
ومن جوّز ولاية الفاسق كما هو الحال في مذهب الإمام أبي حنيفة، وبعض الأصحاب في مذاهب الأئمة مالك والشافعي وأحمد استدل بأن الولاية نظر، والفاسق له نظر في تزويج موليته، فلا يمنع منه، ناهيك بأن له ولاية على نفسه، فيكون له حق الولاية على غيره، كما استدل بعدم ثبوت الحديث المروي عن ابن عباس الآنف ذكره.
قلت: ينبغي النظر في حال من يوصف بالفسق، فإن كان مستورًا في ظاهره، فالأصل معاملته على هذا الظاهر، وتجويز ولايته، وأمره إلى الله، إذ ليس من حق العباد البحث عن سرائر الناس وخفاياهم، فالستر من أحكام الإسلام وآدابه، والأصل في ذلك الكتاب والسنة.
أما الكتاب: فقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [النور: 91]. وأما السنة: فقول رسول الله ﷺ (لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة)([8]). وفي حديث معاوية -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إنك إن تبعت عورات المسلمين أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم)([9]).
أما إن كان المتهم بالفسق ظاهرًا في فسقه، كحال المتهتك في سلوكه، بحيث لا يخفي فسقه، ولا يتورع منه، فهذا لا تجوز ولايته؛ لأن من كانت هذه حاله يكون فاقدًا عدالته، فلا يؤمن على تزويج موليته، فقد يزوجها من ليس كفئًا لها في دينه أو أمانته أو عرضه؛ لأن الفاسق المتهتك لا يرى عيبًا في فسق غيره، فكما أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، فإن الفساق كذلك بعضهم أولياء بعض.
وخلاصة المسألة: أن من كان مستورًا في ظاهره فتجب معاملته على أساس هذا الظاهر؛ فتصح ولايته في تزويج موليته وأمره إلى الله، إذ ليس من أحكام الإسلام وآدابه البحث عن أسرار الناس وخفاياهم، أما إن كان المتهم بالفسق ظاهرًا في فسقه، كحال المتهتك في سلوكه، بحيث لا يخفي فسقه فلا يتورع عن ارتكاب ما حرم الله، فهذا يكون فاقدًا لعدالته، فلا يؤمن على تزويج موليته، فيزوجها من هو الأحق بعده، أو يزوجها ولي الأمر. والله أعلم.
([1]) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب قول النبي ﷺ (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، صحيح مسلم مع شرحه إكمال إكمال المعلم للأبي ج1 ص289-290، برقم (٦١١).
([2]) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للأمام الكاساني ج2 ص239 -240، والبناية شرح الهداية لبدر الدين الحنفي ج5 ص100، وينظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي ج2 ص99، والفتاوى الهندية للشيخ نظام وجماعة من علماء الهند ج1 ص313.
([3]) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس ج2 ص23، وينظر: أسهل المدارك في شرح إرشاد السالك في فقه إمام الأئمة مالك للكشناوي ج2 ص70، وينظر: شرح منح الجليل على مختصر خليل للشيخ عليش ج ص٢٤.
([4]) الحاوي الكبير للماوردي تحقيق مجموعة من العلماء ج11 ص165، وينظر: المجموع شرح المهذب للإمام النووي ج16 ص157، ومغني المحتاج للشربيني الخطيب ج3 ص155.
([5]) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد ج8 ص73-74، وينظر: كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي ج5 ص54، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي ج3 ص18-19، والإقناع لطالب الانتفاع للحجاوي ج3 ص324 .
([6]) أخرجه الإمام الشافعي في مسنده ص291 . قال الألباني في إرواء الغليل، (١٨٤٤): صحيح موقوفا.
([7]) أخرجه الدارقطني في سننه ج3 ص222، قال ابن حجر العسقلاني، التلخيص الحبير، (٣/١١٨٢): فيه عدي ضعيف.
([8]) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب بشارة من ستر الله تعالى عيبه في الدنيا، بأن يستر عليه في الآخرة، صحيح مسلم مع شرحه إكمال إكمال المعلم للأبي ج8 ص550، برقم (٠٩٥٢).
([9]) صحيح سنن أبي داود للألباني ج3 ص924، برقم(4088)، وصححه النووي في رياض الصالحين، (٥٠٨).